نظريا, يبدو أن أفضل الحلول المحتملة على الاطلاق هو اتاحة الفرصة لشعب جنوب السودان لتقرير مصيره بنفسه إزاء خيارين رئيسيين: إما البقاء داخل الكيان الموحد مع الشمال (على اساس فيدرالي) أو الانفصال الكامل لتكوين دولة مستقلة ذات سيادة . أقول (نظريا) لاننا لا ندري الى اي مدى يمكن أن نأخذ مأخذ الجدية إعلان قرنق قبوله مبدأ تقرير المصير أو, في الحقيقة, أي مبدأ آخر, فتعامل قرنق مع الحكومة السودانية من ناحية وقادة قرنق الشماليين في اطار (التجمع) من ناحية أخرى هو سلسلة طويلة من المناورات ذات المواقف المتناقضة, فعندما تطرح الحكومة صيغة فيدرالية فانه يرفضها ويطرح تقرير المصير. وبعد ان توافق الحكومة على تقرير المصير فإنه يرفضها ويطرح صيغة كونفدرالية, مشفوعة بخريطة من تأليفه واخراجه تمتد فيها الحدود الجغرافية لاقليم جنوب السودان حتى قرب مدينة (كوستي) الشمالية. ثم يقول بعد ذلك لقادة المعارضة الشماليين ان طرحه للصيغة الكونفدرالية في المفاوضات مع الحكومة (كان موقفا تفاوضيا تكتيكيا قصد به مواجهة رفض الحكومة فصل الدين عن الدولة) لكنه على الفور يضيف جملة تحوطية مناقضة. فيستدرك قائلا: ان الكونفدرالية (احدى مطالب الحركة الشعبية لتحرير السودان) ! هل معنى ذلك ان قرنق لا يعرف ما يريد؟ في تقديري انه يعرف ما يراد له. والارادة في هذا السياق هي ارادة القوة العظمى.. الولايات المتحدة. ولا يحتاج المراقب المتتبع للسياسة الامريكية وممارساتها تجاه افريقيا من خلال ما يجري في شرق ووسط القارة, خاصة منطقة البحيرات العظمى الى معلومات استخباراتية ليصل الى قناعة موضوعية بأن (الحركة الشعبية لتحرير السودان) هي إحدى أدوات الاستراتيجية الامريكية في المنطقة. انطلاقا من هذه الاستراتيجية فإن الولايات المتحدة تؤيد دعوة (السودان الجديد) وفق التصور الذي يدعو إليه قرنق: أي وحدة تكون الغلبة العنصرية في الحكم للأقلية غير المسلمة على الاغلبية المسلمة.. شيء شبيه بتسلط أقلية (التوتسي) إزاء أغلبية (الهوتو) في رواندا. ولا شك أن الولايات المتحدة تدرك بقدر ما يدرك قرنق ان من المستحيل تحقيق صيغة شاذة كهذه إلا عن طريق القوة القهرية ومن هنا تكون ضرورة استمرار الحرب وتصعيدها وتوسيع نطاقها شمالا من وجهة النظر الامريكية. أما اذا استحال مع ذلك تحقيق هذا الهدف فإن استمرار الحرب يخدم غرض استنزاف الشمال المسلم ذي الحضارة الاسلامية (بغض النظر عن الهوية السياسية للنظام الحاكم). تأسيسا على ذلك فانني أشك أن قرنق جاد في دعواه الى حل سياسي سلمي على أساس مبدأ تقرير المصير للشعب الجنوبي. وفي كل الاحوال فإن قرنق سوف يواصل رفض أي حل يمكن ان يفضي عند نهاية المطاف الى اختبار قوته التمثيلية بوسائل الانتخابات الحرة. فهو في أحسن الفروض لا يمثل إلا قبيلة جنوبية واحدة (الدينكا) فأي انتخابات حرة في الجنوب سوف تجلي تلك الحقيقة التي يغطيها دخان البنادق.. وهي ان قرنق و(الحركة الشعبية لجنوب السودان) لا يمثلون أغلبية الشعب الجنوبي الذي يتحكم الانتماء القبلي أولا وأخيرا في ولاءاته السياسية. حسنا.. إذا كان قرنق (ومن ورائه الولايات المتحدة) يجعل من المستحيل تبلور حل سلمي عن طريق تطبيق مبدأ تقرير المصير للجنوب فانني كشمالي اتساءل: هل هذه هي نهاية الطريق؟ وأرد من عندي عن هذا التساؤل بتساؤل: لماذا لا يأخذ الشماليون المبادرة في أيديهم لتقرير مصير شمال السودان بانفصاله عن الجنوب؟ والتساؤل مطروح من خلال 45 سنة في تفاعلات أسطورة دموية اسمها (مشكلة جنوب السودان) .. فهل ننتظر نصف قرن آخر أو نحوه غارقين في المزيد من تفاعلات وتعقيدات هذه الاسطورة الدموية الكريهة؟