ليس هنالك ما يحلم به الصحفي العربي تحديداً الذي يقضي عمره حتى ينقصف ظهره بين الحبر والورق, ثم ينتهي خارج العمل صفر اليدين مقوس الظهر مائل المنكبين, اكثر من الرعاية الاجتماعية والحماية وتوفر الضمان, فهذه ربما تسبق الحرية الصحافية ايضا وتتقدم عليها, ذلك لأنها من دعامات الحرية وأسسها, فلا حرية من دون ضمانة, خاصة إذا كانت اجتماعية, تحمي الصحفي من غوائل الدهر ومن انقلاب الزمن ومن عسف الوظيفة. ولهذا فان مكرمة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, بإنشاء صندوق خيري للصحفيين دعم غير مسبوق حتى على مستوى الوطن العربي للصحافة والصحفيين, خاصة انه دعم رسمي, العادة لا يتوفر لجمعيات الصحفيين ونقاباتهم, فهذه تناضل زمنا لكي تحظى ببعض حقوقها وحقوق الصحفيين, والتي منها الرعاية الاجتماعية والضمان. ويمكن طبعا ان نعتبر المكرمة انجازا سريعا خاطفا للابصار لجمعية الصحفيين الوليدة, مقابل عشرات من جمعيات النفع العام لاتزال تراوح مكانها لقلة الدعم والتأييد, غير ان هذا الانجاز ما كان قطعا ليتحقق لولا المبادرة نفسها أولا من سمو الشيخ محمد بن راشد الذي دعا إلى انشاء الجمعية فيؤكد عبر مبادراته على مدى حبه للصحافة والصحفيين وتأييدهم وعلى مدى استعداده الشخصي لتقديم الرعاية والعون اللازمين. وهكذا فان الامر بتوفير مقر للجمعية وتخصيص ميزانية لم يكن مفاجئا حقيقة, ذلك لان سمو الشيخ محمد بن راشد ما كان ليدعو إلى انشاء جمعية للصحفيين ما لم يكن قد وضع في خططه دعم هذه الجمعية ورعايتها, وهو ما اكدته قراراته بخصوص المقر والميزانية, فيبقى صندوق الرعاية هو المفاجأة الاجمل, على اهمية توفير المقر والميزانية, فمن دونهما لا قيمة فعلية لأية جمعية. طبعا المكرمات الثلاث, المقر والميزانية والصندوق, ليست مجرد دعم كريم ورعاية حانية من سمو الشيخ محمد بن راشد, بقدر ما هي في الوقت نفسه عبء على جمعية الصحفيين, من التي ينبغي عليها ان تحمل مسئولية الجسم الصحافي كله في الدولة بالعناية والرعاية باقتدار وثقة تليق بحجم ما اعطيت من ثقة ومكرمات, وهو ما نعتقد ان الصحفيين اعضاء الجمعية قادرون عليه, بوصفهم من طليعة المجتمع وحملة الرأي فيه, يعرفون معنى المسئولية التي يطالبون الاخرين بها وبحدودها, فهم لا يفعلون ما لا يقولون, كما هو مفترض. وهكذا فان بداية جمعية الصحفيين بمكرمات الشيخ محمد بداية قوية تضمن حسن انطلاقتها لاداء دورها بوصفها بيت الصحافيين الكبير ومظلتهم الحمائية, مقابل بعض العثرات التنظيمية والقانونية التي صاحبت انعقاد الاجتماع التأسيسي الاول, على نحو ما قرأنا وسمعنا, مما نعتبره طبيعيا في سياق البدايات والتأسيس, خاصة مع قلة الخبرة وانعدام التجربة النقابية السابقة, وهو ما يمكن التغلب عليه بالمزيد من الحوارات البناءة والاحترام المتبادل وممارسة الديمقراطية على اصولها وعلى مقاس الجمعية والعمل النقابي عموما, لا على مقاس اشخاص أو جماعات, كما جرى مع حالة استبعاد الصحافيين من غير العاملين في الصحافة اليومية والاسبوعية ما اعتبره شخصيا امرا متسرعا تماما. ونختم بأن ما يفسده الاشخاص في تجارب جمعيات نفع عام كجمعية الصحافيين يمكن ان تصلحه التجربة نفسها, شرط أن تتوفر لهذه التجربة مقومات النمو والبقاء, من رعاية واحترام متبادل بين الاعضاء بعيدا عن الالغاء والمصادرة وعلى اساس احترام الانظمة والقوانين والحقوق, دون ان نتطرق إلى التفاصيل, ففي التفاصيل تكمن الفتنة, يلعن الله من يوقظها.