تندرج العلاقة بين الدولة والمجتمع تحت مظلة قصدية معنونة بحماية الامن الاجتماعي ومسئولية الدولة ـ الحكومة والبرلمان ـ في ترسيخ مبادىء واهداف ومقاصد هذه العلاقة المهمة في تاريخنا الراهن على الصعيد العربي بالدرجة الاولى, بعد ان توطدت مفاهيم الدولة ونظرية العقد الاجتماعي الذي نادى به مؤرخون مثل: هوبز ولوك وروسو, وعندما وضعوا نظرياتهم في تعاقد اختياري بين افراد المجتمع في اقرارهم طريقة تنظيم حياتهم والسهر على شئونهم كذلك هو الامر خلال مسارات التاريخ في اهمية الدين, في احداث النظام الاجتماعي بين الناس, فهو قوة تربط المجموعة وتبقيها متماسكة وتحافظ على امنها, وتكبح جماح التطرف بكل اشكاله, ولد الفضل في تعليم الناس احتراح اولي الامر, وبهذه الطريقة, والاخلاق المجتمعية التي سيدها الدين فقد عمل النظام السياسي على ترقية اكبر مما كان يتيسر بدونه. وفي واقعنا العربي الراهن, يدور الحديث, والنقاش, ومجموعة كبيرة من التساؤلات حول الدولة والمجتمع ومهام الدولة, حكومة وبرلمانات, في تسييس المجتمع وحماية امنه الاجتماعي واهداف الدولة ومبادئها في تطور المجتمع وتطلعاته نحو الحرية والديمقراطية مع بناء التخوف الجماهيري الشعبي من الدولة في عدم قدرتها على تحقيق تطور اقتصادي, صناعي تكنولوجي وتقني لا يزال في عمر الطفولة قياسا بالدولة والمجتمعات التي قطعت اشواطا كبيرة, في حين يبقى هناك دعاة يتقولون تحقيق كثير من هذه المبادىء ويصدرون نشراتهم ويكتبون في مراكز بحوثهم حول حقوق الانسان, واهمية تحقيق عصر تنويري نهضوي عربي شمولي. ويبقى مهما دراسة ومعرفة الدولة كنظام سياسي ينبني على الاستقلالية في كيان يمثل الارادة العامة لجماهير الدولة نفسها, الدولة تبقى, اما النظم السياسية سواء كانت تقليدية, او تقدمية محافظة, او ليبرالية يصيبها التغير والتغيير, والدولة في مجموعة أجهزتها غير المتوازية احيانا من شرطة وامن وقوات حرس وطني وقوات مسلحة, واجهزة اخرى مستوردة ومتسترة مرفوضة دون ان يكون هناك نص دستوري قانوني يحمي حقوق الانسان المواطن كحرية النقد والتعبير وهي حريات طبيعية مقدسة لا مساومة فيها على الاطلاق: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا) . اما في دولة بلغ فيها التنظيم حدا جعل لجميع الطبقات حقوقا معترفا بها وواجبات مطلوبة فتتمكن هذه الدولة بواسطة قوانينها ودستورها وبرلمانها من تخفيف العداوة بين افراد المجتمع, والعدواة الطائفية, المذهبية العشائرية, الاثنية الموروثة في الفضاء العربي, كما تتمكن من تسييد القيم بين طبقات المجتمع وفئاته فالمحكوم والمسيس من الدولة التي تعمل دوما في ظل نظام يحقق امنا اجتماعيا للجميع, فيدمج الجميع من جميع عناصر المجتمع نحو تحقيق ارقى النظم بين جميع فئات الشعب المتماسك المتحد المهيأ اخيرا لحماية الوطن من العدو الخارجي. أن الدولة العصرية مسئولة عن تحقيق الانسجام الوطني والوفاق القومي سواء كان عقدا اجتماعيا ام ميثاقا اخلاقيا سياسيا تحترم الجميع في افكارهم ومعتقداتهم دون استبعاد احد تكفيرا او تخوينا, ولا يفترض لهذه الدولة الحديثة التي تقوم على دساتير عصرية وبرلمان منتخب ان تستأثر بالسلطة باسم الحزب او تفترض رقابة صارمة امنية مخابراتية تكم الافواه وتزجر الناس, فيتحول المجتمع الى كتل نارية تحت الرماد تنتظر شراره واحدة قد تخسر الدولة بناءها الفوقي ويخسر الشعب امنه المجتمعي فتغيب الديمقراطية وحرية الرأي والصحافة ومصالح الاغلبية وينعدم الدفاع عن حقوق المواطن وتتضرر بالتالي البنى التحتية, هنا يصبح الجميع اما اعداء الدولة او اصدقاءها والاصدقاء هم الانتهازيون والسماسرة, وهذا يعكس الهدف القائم على مفهوم العدل والمساواة في ظل دولة تحترم سيادتها وتدافع عن استقلالها الذاتي ضد اية جهة داخلية او خارجية ممثلة بقوى الهيمنة والسيطرة. فالدولة, هي دولة التنمية والموارد في جميع اشكالها, تعتمد مواطنيها ومثقفيها وتعلي من شأن الثقافة وسلطة المثقف الذي يهيىء لها اسباب استقرارها في اسباب امنها الاجتماعي القائم على تحقيق المساواة بين جميع الطوائف الدينية والاثنية الاقليمية في الحكم والغذاء والدواء والسلم والحرب, وهكذا يتحول المواطن الى انسان صالح يدين بالولاء لدولته وهو يشعر بالحرية وسيادة الديمقراطية من خلال بناء هياكل سياسية تشكل جبهة وطنية متحدة متماسكة تجسد ادارة المجتمع في احترام مبادئه واخلاقه العامة وطموحاته المستقبلية. ونستخلص مما سبق التصاق مفهوم الوظيفة والتنظيم فكل وظيفة تحتاج الى تنظيم, او اكثر كي يتم تأمينها, وغالبا ما تعتبر الوظائف اهدافا للتنظيم لكن تبقى الدولة في اجهزتها تحدد كيفية القيام بوظائفها فالتمييز في هذه الحالة بين الوظائف, في جميع الوانها يهدف الى التبرير العقلاني لفصل السلطات باعتبار ان السلطة هي جهاز مخول بالوظيفة العائدة له فحسب. وللدولة وظائف اساسية هامة تطورت من مفهوم الدولة الدينية حيث كان الدين في الحدود الجغرافية الضيقة, او ما نسميه, قبل الانتشار الواسع, الحدود الوطنية, انما في الدولة الحديثة وقد تغير او تطور مفهوم الدولة الى دولة علمانية, ولا اقصد هنا الالحاد كما هو شائع الى ألسنة العامة والغوغاء, لكن بمعنى انها لم تعد, اي الدولة, تحاول فرض دين معين على الافراد, بل تتركهم احرارا في عقائدهم ومللهم, وهذه اصبحت من المسائل الهامة في مفهوم معنى الامن الاجتماعي وحماية الدولة له في تحقيقه, هنا تبرز مهمة, او مهام علماء الدين على اختلاف مذاهبم وطوائفهم في دولة تتعدد فيها المذاهب والاديان, في وعيهم وتوعيتهم وقيادة المسألة التثقيفية دينيا ايضا تخدم سيادة الامن الاجتماعي لجميع طوائف الدولة. في الوقت نفسه تبرز وظائف اخرى اساسية لتحقيق هذه الغاية كالسلطة التنفيذية التي هي رمز السلطان في الدولة وهي التي تأسست قبل غيرها من الوظائف منذ قيام بناء الدول, وهناك السلطة التشريعية التي يمثلها نواب الامة منتخبون او معينون هذه الوظيفة النيابية التشريعية تفقد سلطتها في حماية وتأمين الامن الاجتماعي عندما تكون السلطة ديكتاتورية والحكم سلطوي فردي استبدادي, قد تتحول الدولة الى ساحات تملؤها الفوضى والاضطرابات, اما الوظيفة القضائية التي تمثلها وزارة العدل فيجب ان تكون رمزا للعدالة المستنيرة في الضرب بيد نزيهة نظيفة على ايدي المتلاعبين بالقانون واللصوص وتجار المخدرات ومكافحة الرذيلة, حيث يتمثل في مسئولية الدولة ملاحقة المجرمين والجناة بغض النظر عن اي دعوى يرفعها المجني عليه او ذووه, ذلك انها في هذه الحال تمثلهم وتنوب عنهم, وهذا يعني حق العقاب مقررا لها او معترفا لها به, وبتعبير اخر ان هذا يعني ان حق العقاب في اطار التصورات الاجتماعية بل هو موضوع تصور اجتماعي يحقق للجميع امنا اجتماعيا. واذا كانت وظائف الدولة او مهام الحكومة والبرلمانات وعلماء الدين والسياسة ورجال الفكر من خلال ما تقدم تنزع جميعها بصورة رئيسية الى صيانة حياة الجماعة فان هذا الوجه الثاني يتوجه للحياة داخل الجماعة فيسمح للمواطنين ان يجدوا فيها سببا للعيش وايجاد طرائق ومسببات تؤدي في النهاية الى افضل حالات التآلف وتبادل الحب والثقة والطمأنينة بين افراد المجتمع الواحد, وهذا ما يلح عليه علماء السياسة في ان يكون هدف السياسي الامن بالتلازم مع الرخاء, لذلك نرى الناس يجتهدون في مجتمعاتهم لا لمجرد العيش, بل ليحيوا حياة السعادة والرفاه وهذه مهمة الدولة وواجب البرلمانات في تشريع القوانين التي تؤمن الحياة السعيدة للجميع, وبالتالي المحافظة على حياة الافراد ورفاهيتهم في مجتمع يسوده القانون وحكومة عاقلة رشيدة وبرلمان يؤمن اعضاؤه بالديمقراطية وحرية المواطن الكاملة في مجتمع كبير يحمل رسالة الامن المشترك والسعادة التي يسعى الجميع لتحقيقها. والسؤال الذي يتبادر للذهن: هل تنفصل مجموع هذه المفهومات عن القيم الاجتماعية الاخرى. ان امن المجتمع المحقق المعلن عنه لا ينفصل على الاطلاق عن مجمل اساليب حياة المجتمع التي تعتمد مكونات هامة تتحدد بالرموز والقيم والاخلاق والمعتقدات والسجايا والتقاليد والاعراف, باختصار شديد آداب الناس في احوالهم في المعاش دون فصل الابداعات الفنية او الفكر من علوم وفلسفة ومذاهب وعقائد, كلها تتداخل على شكل مكونات لا يجوز التمايز بين واحدة منها واخرى وهي ثقافة المجتمع وقيمه الجماعية والفردية على السواء, هنا يبرز دور البرلمانات في تشريع قوانين تربوية جادة, فتح المدارس, ومراقبتها, وتعيين انواع الشهادات وكيفية الحصول عليها بقانون, هذه القيم التي كانت متروكة لرجال الدين من رهبان وشيوخ وجدت الدولة اخيرا ان من حقها ايضا ان تغذي الافراد بالمثل العليا وتنقذها من طغيان النزعات الطائفية والمذهبية والعشائرية هذه المهام القيمية التربوية تكون فيها الدولة الاقدر على القيام بها حتى لا يسقط المجتمع في قاع سحيق من الظلامية بسبب عمليات التنازع بين الافراد. قد لا تنظر الحكومات والبرلمانات, ولا علماء الدين الى الدولة والمجتمع من منظار الخوف على الحدود, لكن العرب مهددون باجتياح ثقافي خارجي بهدف تجريدهم من قيمهم المجتمعية التي يمتازون ويتميزون فيها عن الشعوب الاخرى وهي مستمدة من دينهم ومعتقدهم الايماني, هذه المسألة يتحدد الواجب في مجابهتها والتصدي لها عندما تهتم الحكومات بمكافحة الجهل والامية مكافحة جدية تستهدف درجات التقدم والمدنية وتقوية وازع الضمير في نفوس الناس وتقويمه وتهذيبه بحيث يغني عن تطبيق الحدود والعقوبات المادية التي تحتاج الدولة الى تطبيقها عند مخالفة القوانين او الاعراف عن جادة الحق, في راهن غريب تنهار فيه الاخلاق العامة وتتجه القيم نحو الموات العاجل.