كل المواعيد وكل الاتفاقيات مع العرب تبدو غير مقدسة وغير محترمة لدى اسرائيل طالما لا تسندها قوة ولا تحميها مقاومة, وهذا الامر اشد ما يكون وضوحا على المسار الفلسطيني, حيث تبدو المفاوضات المأساوية على هذا المسار مجرد مواعيد ومراهنات خائبة محصلتها المزيد من التنازلات من الجانب الفلسطيني والمزيد من لعبة التأجيل والابتزاز وتغيير الواقع الميداني من قبل الجانب الاسرائيلي. واخر طبعة مريبة في هذا الاتجاه انطلقت على لسان رئيس الوفد الاسرائيلي عوديد عيران الذي اعلن ان تاريخ 13 فبراير الذي سبق ان التزم به الطرفان لوضع اطار مفاوضات الحل النهائي (غير مقدس) !! والغريب أن رئيس الوفد الفلسطيني ياسر عبد ربه سرعان ما ابدى استجابته بطريقة فيها بعض الدلال المناسب لعملية الاخراج حين قال: (إذا توفر عنصر الجدية في المفاوضات فليس لدينا مانع من إطالة أمد المفاوضات) . ورغم أن أي مصدر رسمي من الجانبين لم يقدم تفسيرا منطقيا لعملية التمييع هذه الا ان تلميحات صدرت عن الجانب الفلسطيني تتحدث عن ان هذا التأجيل تم اثناء لقاء عرفات بكلينتون, في اشارة غير خافية إلى محاولة اعتبار الامر وكأنه مجرد استجابة للطرف الامريكي الذي لا يمكن رد طلباته من وجهة نظر السلطة الفلسطينية. والاغرب من كل ما سبق ان موعد (13 فبراير 2000) كموعد نهائي لوضع اطار مفاوضات الحل النهائي كان من اقتراح باراك نفسه اثناء مفاوضات شرم الشيخ السابقة مع الفلسطينيين, وانه في ذلك الوقت هدد بالانسحاب من العملية التفاوضية اذا لم يقبل الفلسطينيون بهذا الموعد. واذا كان هذا المشهد الذي يجري الان تحت انظار العالم يضم من المفارقات ما يضحك ويبكي في تأكيده على الصلف والابتزاز والاذلال الاسرائيلي للمفاوض الفلسطيني مقابل مرونة وتنازلات غريبين ومتواصلين على كل المستويات في الجانب المقابل, فان ما هو امر وادهى ان هذا المشهد هو القاعدة وليس الاستثناء. فمنذ (اتفاق اوسلو) سيىء الذكر تتواصل هذه اللعبة المزرية, وقد تكررت مرات عديدة المواعيد والاتفاقات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي, واصرت اسرائيل على التعامل في كل الحالات بالطريقة نفسها, حيث المواعيد غير مقدسة والاتفاقيات غير محترمة. ومن المؤكد ان ذلك ما كان ليحدث لولا ان تخلت السلطة الفلسطينية عن اهم اوراقها التفاوضية وهي: الانتفاضة والمقاومة والاعتراف المسبق بالعدو مقابل ما لا يستحق الذكر من الحقوق الفلسطينية, بل وسعت مع اسرائيل وامريكا إلى استئصال المقاومة وكل حاضنة محتملة لها على التراب الفلسطيني لتضع مصيرها ومصير الشعب ومصير القضية المقدسة بين اياد لا ترحم ولا تعرف حسن النوايا ولا تثق باحد ولا تكافىء المتعاونين مهما كانت دوافعهم, وتلك هي مأساة التفاوض الاساسية على هذا المسار الذي لا يليق نسبته إلى الشعب العربي الفلسطيني الصابر الصامد المناضل والذي بذل الكثير من الشهداء والتضحيات.