الحوار صفة بشرية يتميز بها الانسان عن سائر المخلوقات.. فكل شخص لابد أن يكون لديه رأي أو وجهة نظر, بهذه الصورة أو تلك, حول العديد من المسائل التي تواجهه في الحياة. لكن الانسان لصفته هذه, يحتاج ايضا الى مشاركة الآخرين فيما يعتمل في نفسه من آراء. كما يحتاج الى سماع آرائهم والتداول بشأنها . قد لا يكون الهدف بالضرورة من الحوار هو الاقناع او التسليم بصحة ما يقال (مع ان هذا العنصر قائم وموجود), فالتواصل والمعرفة والإخبار, بوصفها حاجات انسانية, هي التي تحفز الناس على التحاور فيما بينهم. فالناس إذن حينما يتحاورون مع بعضهم البعض, لا ينشدون بالضرورة الاقناع, وانما يلبون حاجة انسانية من جنس طبيعتهم, وحافزهم في ذلك هو تقاسم الافكار والآراء والمشاعر. فكأنما كل شخص يحيط الآخرين علما بما لديه, ويحيط نفسه بما لديهم. بيد أن الحوار أيضا بصفته نوع من التواصل الانساني, لابد أن يتأثر بجملة عوامل من قبيل, مستوى وعي وثقافة طرفي الحوار, وكذلك الوسط الاجتماعي الذي يدور فيه. فهو كما أسلفنا لايتم في الفراغ, وانما في اطار الجسم الاجتماعي, ولهذا السبب فانه ينطبع بنفس طابعه. فكلما تدنت الثقافة وتدنى الوعي وتردت البيئة الاجتماعية التي يتم فيها, تدنى مستوى الحوار بدوره, والعكس صحيح. واذا انتقلنا من الاشكال البدائية للحوار, أي تلك التي تجري بين الناس بصورة يومية, وحول مسائل الحياة العادية,.. اذا انتقلنا الى الاشكال الارقى من الحوار, اي تلك التي تدور بين اشخاص مؤهلين ومن ذوي الاختصاص, وحول قضايا على قدر من التعقيد في ميادين السياسة والفكر والاقتصاد والاجتماع, فاننا سنلحظ السمات المميزة لمستوى الحوار والمتحاورين وطبيعة الموضوع المتحاور حوله بصور أوضح. وتمثل المحطات الفضائية اليوم احدى ابرز منابر الحوار في البيئة الثفافية والفكرية والسياسية العربية. ففيها يتحاور العلماني مع الاصولي ويتحاور اليساري مع الليبرالي والمتشدد مع المعتدل ومؤيد التطبيع مع اسرائيل مع معارضه ومناصر السلام مع المعادين له, وأطياف واسعة من البشر. الملاحظ مع ذلك أن هذه الحوارات, تتم في اجواء مشحونة من التوتر والصراع, يتخللها السباب والشتائم واتهامات التكفير والردة والتخوين والعمالة إلى آخره, مما يشتمل عليه قاموس البذاءة, رغم أن من بين المتحاورين, شخصيات ذات مستوى علمي وديني وثقافي وسياسي بارز. لاريب ان لهذه الظاهرة اسبابها, وظروفها, اذ لا يعقل أن يكون ثمة اسلوب آخر للحوار. والواقع أنه يمكن ردها ليس الى طبيعة القضايا التي يدور حولها النقاش او الحوار, وانما الى المستوى الثقافي المتردي الذي اصبحنا عليه, فضلا عن المآزق السياسية والفكرية التي نواجهها. وكنا نظن قبلها ان الشتائم والسباب والتخوين والعمالة, هي من اساليب الحوار التي يختص بها عامة الناس وتلك التي تدور في الشوارع والمقاهي, وبين اوساط المتسكعين والفتوات واشباههم. أي بين اناس تعتبر مثل هذه الاساليب, ضمن قاموس تعاملاتهم وسلوكهم اليومي المتداول. لكنا وجدنا ان بين المتشائمين والمتعاركين مثقفين واصحاب رأي ومواقف سياسية من كل نوع. ولازلت أذكر أنني قرأت قبل فترة كتابا لأحد الباحثين العرب (فوجدته مليئا بالانتقادات تجاه تيارات معينة, ثم قرأت كتابا آخر له ( ووجدت شىئا مشابها لما حواه الكتاب الاول. وقد خرجت بانطباع بعدها أنه وقد اخرج اكثر من مائة كتاب, بين تأليف وتحقيق, حسب القائمة المرفقة في آخر صفحات كتبه, فعلى أقل تقدير لابد أن يكون عدد آخر منها, قد احتوى على نفس الانتقادات. فهو يتحدث مثلا عن سلامة موسى في مواضع كثيرة من كتابه بوصفه (عميلا) للحضارة الغربية. وفي نفس الكتاب ايضا يتحدث عن الدكتور طه حسين وكيف ان بعثته الى باريس كانت (غسيل مخ) لـ (الضرير) الباحث عن التيه) . كما يتحدث عن بعض رواد التنوير والنهضة العربية مثل الشيخ علي عبدالرازق وسلامة موسى و طه حسين واصفا اياهم بـ (العمالة الحضارية) و(طلائع الغزوة الاستعمارية الحديثة) . كما يصف المفكرين الماركسين بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق بانهم قد اصبحوا مثل (الطواشي) . حين قرأت ذلك كله, صدمت ولا أقول انني استغربت فقط. فمهما كانت الاختلافات بين أي مثقف أو مفكر ينتمي لهذا الاتجاه او ذاك, لايبرر اطلاقا مثل هذه الاوصاف والعبارات. ومهما اخطأوا في نظره او جانبت دعواتهم الصواب بحسب رأيه, فان هذا لايبرر هذه الانتقادات. من المفهوم ان يغالي أي انسان في مدح الفكر الذي يحبه, وان يتشدد في انتقاد الفكر المخالف له, لكنه لا يجب ان يذهب إلى حد التعريض بالآخرين الذين لا يشاطرونه آراءه واعتقاداته, فانتقاد الفكر شيء وانتقاد الانسان الذي يعتنق هذا الفكر شيء آخر. فالاول ما أن يخرجه صاحبه للناس حتى يصبح من حقهم أن يبدوا تجاهه مشاعر النقد أو التأييد. فهذا هو التصرف الطبيعي. لكنه لا يجب ان ينصرف الى الانسان الذي اصدر هذا الفكر. وبالعودة الى موضوعنا الاساسي الذي هو الحوار المنفلت عبر الفضائيات نتيجة ان هذه الظاهرة لاتنبع من فراغ, بقدر ما هي جزء طبيعي من الحوار (الراهن) الذي يدور بين ممثلي مختلف (الطوائف) الفكرية والسياسية, على تنوعها وتنوع الوسائط المستخدمة فيها. اردنا اذا ان نضرب المثل فقط, على حالتنا واحوال المتحاورين في زماننا الراهن, كي نرى بعد ذلك ان ثمة نموذجا مضادا لحوار الفضائيات هذا, نموذج متحضر يقف في أحد جانبيه المفكر والصحافي اللبناني فرح انطون (1874 ـ 1922) والذي نزح الى مصر واستقر فيها عام 1897, وفي الجانب الآخر المجدد الديني الشيخ محمد عبده (1849 ـ 1905). اما ساحته فهي مجلة (الجامعة) التي كان يصدرها فرح انطون, بالاسكندرية, ومجلة (المنار) التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا, وهو لبناني الاصل ايضا ومهاجر الى مصر (1865 ـ 1935). وقد دار الحوار كله عام 1903ر ومن نافل القول ان كلا الرجلين معروفان باختلاف موقعيهما الديني والفكري فالاول (فرح انطون) مسيحي الديانة, علماني التوجه والافكار, في حين ان الثاني (محمد عبده مسلم ومصلح ديني, تولى عددا من المناصب الدينية الهامة, من ابرزها إمامه مشيخة الازهر. وقد دارت بينهما مساجلات وحوارات, حول طائفة واسعة من القضايا مثل فلسفة ابن رشد, آراء المتكلمين في الوجود والخلق, الفصل بين الدين والدولة, مقارنات بين الاسلام والمسيحية وموقفهما من العلم والعلماء. وقد جاءت على شكل ردود (عددها خمسة ردود) كتبها الشيخ محمد عبده في مجلة (المنار) ردا على مقالات كان قد كتبها فرح انطون ونشرها في مجلته, وقد ردت الجامعة على ردود الشيخ, وضمها فرح انطون في كتابه الذي صدر عام 1903. (راجع كتاب ابن رشد وفلسفته, مع نصوص المناظرة بين محمد عبده وفرح انطون) , تأليف فرح انطون ـ تقديم طيب تيزيني, دار الفارابي/ بيروت 1988). الملاحظ انه ورغم حساسية الموضوعات التي دار حولها الحوار, ورغم الاختلاف الكبير لمنطلقات الاثنين, الا ان اسلوب الحوار والاحترام البادي الذي يكنه كل منهما للآخر, يشكل نموذجا حضاريا, يجدر بمثقفينا المعاصرين ان يحتذوا به. ففي مقدمة الفصل المتعلق بالردود, من كتابه المشار اليه اعلاه, يكتب فرح انطون موضحا بعض الملابسات التي احاطت بهذه الردود, ومشيرا الى الشيخ محمد عبده بالاستاذ (على طول الكتاب) (اننا نروم ايضاح الاشكال في هذه المسائل ولسنا نقول الرد عليها لان علم الاستاذ الجليل أوسع من ان يواجه برد.. يسوءنا جدا أن نكون قد اضطررنا في هذا الجزء الى الاشتغال بهذا الرد عن كتابه ترجمة هذه الحكيم العظيم (يقصد الامام الغزالي) الذي كان له على بني عصره تأثير ما بعده تأثير. ولكن يسرنا في مقابلة ذلك ان اشتغالنا عنه كان بمحادثة الاستاذ الذي ناب في قومه منابه في هذا الزمان. شكرنا في الختام لصاحب المجلة (يقصد مجلة المنار) لانه تنازل عن الدفاع الى فضيلة الاستاذ وبذلك مكن قراءه اللغة العربية من قراءة مقالة لا يكتبها احد غير قلم الاستاذ في هذا الزمان ) (المصدر السابق ص 162). اما الشيخ محمد عبده فانه يصدر رده الاول بالقول (لو كانت منزلة الجامعة (يقصد مجلة الجامعة) من نفسي منزلة غيرها من المجلات التي لايعنى كاتبوها الا بنقل ما يقع تحت انظارهم. ان تجبير ما يعبر عن أهوائهم وافكارهم. من دون عناية بتقرير الحقيقة ولا رعاية لمعتقدات القراء. لوجدت من شواغل عملي ما يصرفني عن ذكر ماعرض فيها. فهي من المجلات التي لو اهملت مباحثها من انعام النظر وجعلتها في جانب عما تستحقه من النقد لنخستها حقها ونبوت بها عن موضعها. (نفس المصدر ص 165). وعلى طول نصوص الردود والردود المقابلة, التي تشغل اكثر من 190 صفحة من القطع المتوسط, يلحظ المرء المستوى العالي من التهذيب والادب, والانصراف الكلي الى مناقشة موضوعات الخلاف, دون التعرض الى الاشخاصص او الاسماء الواردة فيها (ولو بشكل عرضي). هذا كان يحدث في بدايات القرن الماضي وفي وقت كانت فيه التيارات الفكرية المختلفة ناشطة في الساحة المصرية. والتباين بينها واضح. فما الذي حدث كي نعود في أواخر القرن وبدايات قرن جديد فننتكس بدل أن نتقدم, نتشاتم ونتعارك بدلا من ان نرقى ملكة الحوار ونسمو بها, نفرط في إرث جميل كنا نملكه, بدلا من ان نرسي تقليدا متحضرا للحوار والنقاش. لم تختلف الموضوعات فهي نفسها وكذلك التيارات التي تمثلها, لكنه على الأرجح المناخ الثقافي العام, الذي يسود الساحة العربية حاليا, والذي تحول الى مناخ خانق, مشبع بالارهاب والاضطهاد الفكري المصرح عنه (أحيانا) و(المسكوت عنه) في أغلب الأحيان. وفي وقت ينفتح فيه العالم على بعضه البعض, صوتا وصورة, وتتهاوى فيه تماثيل الايديولوجيا والمطلقات والقوالب الجامدة. وهذه إحدى مفارقات الحياة الفكرية والسياسية العربية من بين مفارقات اخرى كثيرة. * كاتب بحريني