هل قاربت عملية التسوية بين العرب واسرائيل الى نهايتها, ام ان هناك تسريعا امريكيا لوتيرة المفاوضات لحفظ ماء وجه الرئيس كلينتون الذي طالما وعد العرب بأن عام 2000 سيكون عام السلام الدائم مع اسرائىل؟ لا أحد من المحللين السياسيين المهتمين بعملية التسوية يمكنه التنبؤ بما ستؤول اليه المفاوضات السرية والعلنية بين سوريا واسرائىل من جهة وبين السلطة الفلسطينية واسرائىل من جهة اخرى. والسبب الذي يقف وراء غموض هذه الحالة هو عدم وضوح اسرائيل ورؤيتها لمستقبل التسوية, وربما يدرك البعض ان الفهم الاسرائيلي مناقض تماما للفهم العربي للتسوية, وهنا مكمن الخطورة, اسرائيل تريد تجزئة الحلول دون الالتزام باتفاقيات او قوانين او قرارات دولية او اقليمية, وهذا يعني ان الاسرائىليين يتطلعون الى صفقة مع سوريا عبر واشنطن, فاذا نجحوا في ذلك يكونوا قد حققوا اختراقا جديدا يضمن لهم السيطرة الطويلة على اجزاء مهمة جدا من الارض والمقدسات العربية في فلسطين. اسرائىل تريد حقيقة ان توقع اتفاق سلام نهائي مع سوريا يقوم على اساس اعادة الجولان بصيغة امنية ثلاثية امريكية ـ سورية ـ اسرائيلية. وذلك لضمان عدم استخدامها كمنطقة نفوذ عسكري يهدد الأمن الاسرائيلي!! كما ان غاية الطموح لدى ايهود باراك رئيس وزراء اسرائيل ابرام اتفاق سلام نهائي مع سوريا قبيل التوصل لاتفاق مماثل مع الفلسطينيين, فباراك يدرك اكثر من غيره في المعارضة الاسرائيلية ان الاتفاق الدائم والنهائي مع سوريا سيريحه في مفاوضاته مع الفلسطينيين لان ذلك سيمنحه سنوات من الزمن لبرمجة الحل الامني والسياسي والاقتصادي والديموغرافي والجغرافي الذي يراه مناسبا للفلسطينيين. وقد اعطى باراك اشارة واضحة بهذا المعنى حينما قال مستشاره للشئون الامنية والسياسية داني ياتوم رئيس الموساد السابق, انه لا توجد تواريخ مقدسة في المفاوضات مع الفلسطينيين والمهم ان نتوصل الى اتفاق معهم ولو بعد عشرين عاما. هذا يعني ببساطة ان باراك يسير على خطى رئيسه السابق اسحق رابين الذي كان أول مسئول اسرائيلي يطلق عبارة لامواعيد مقدسة في المفاوضات او الاتفاقيات مع الفلسطينيين, وباراك يجيء اليوم ويكرر ما قاله رابين قبل ست سنوات مما يعني انه لا يريد الالتزام بالتوصل الى اتفاق اطار مع القيادة الفلسطينية في الثالث عشر من فبراير المقبل. وهذا الاتفاق المذكور نص عليه اتفاق شرم الشيخ وقد ارادته الولايات المتحدة لضمان انتقال الطرفين الى الحل النهائي. ان تفكير باراك لم يتغير عن تفكير رابين فكلاهما من حزب العمل وابناء عقيدة صهيونية واحدة ولذلك نراه الآن يحاول الاستعجال بالاتفاق الدائم مع سوريا ومطمطة الوقت مع الفلسطينيين. لماذا؟ ان باراك يضمن بهذه الطريقة الاستفراد بالمسار الفلسطيني كما يحلو له فمع غياب التنسيق السوري ـ الفلسطيني ومع عدم انعقاد القمة العربية لبحث هذا التنسيق ومستقبل الامة بعد التسوية تكون اسرائيل هي الفائز الوحيد من عملية التسوية التي رسمتها واشنطن في مؤتمر مدريد للسلام عام 1992 فالكل يعلم ان اسرائيل مازالت تماطل وتراوغ في تنفيذ اتفاقية اوسلو والمرحلة الانتقالية التي كان من المفترض تطبيقها عام 1997, وها نحن في العام 2000 ومازلنا ننتظر الالتزام الاسرائيلي باستحقاقات اوسلو الظالمة والسبب في ذلك ان اسرائيل غير متخوفة على خططها المستقبلية والآنية للتطبيع السياسي والاقتصادي مع الدول العربية فما الذي سيحصل لو وقعت اسرائيل اتفاقا نهائيا مع سوريا. الاجابة تبدو بسيطة للغاية على هذا السؤال الضخم, وهي باختصار ان القدس ربما تظل تحت السيطرة الاسرائيلية وكذلك اجزاء كبيرة من الضفة الغربية سوف تنتقل الى السيادة الاسرائيلية الرسمية اما المستوطنات فانها ستكون بمثابة الذراع العسكرية لاسرائيل داخل الكيان الفلسطيني المقام على مساحة لاتزيد نسبتها على 18% من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا ليس مجرد استنتاج لمجريات الامور بل تعكسه ممارسات وتصرفات باراك واعضاء حكومته المصغرة على الارض, فهم يستعجلون الاتفاق مع سوريا ويعتبرون ان المواعيد والتواريخ في المفاوضات او الاتفاقيات مع الفلسطينيين غير مقدسة! لذلك ينبغي على الاطراف العربية المعنية بالعودة الى طاولة المفاوضات العربية ـ العربية لضمان الحد الادنى من التنسيق من اجل الحفاظ على ما تبقى من القدس وفلسطين التاريخية باعتبارها القضية المركزية, اصل الصراع مع اسرائيل وليس فرعه الاعوج. *صحفي فلسطيني