وبعد.. ما هو الحل لمشكلة الجنوب؟ أو ان شئت مشكلة الجنوب مع الشمال؟ هذا السؤال يبلغ الان 45 سنة من العمر بحساب التاريخ القريب حين وقعت مجزرة جماعية ذبح فيها الجنوبيون نحو 350 شماليا من عسكريين واداريين ومعلمين وتجار وموظفي بريد الخ. ويصل عمر السؤال الى مئة سنة بحساب التاريخ البعيد نسبيا حين تشابكت عوامل صدفة مع تواطؤ اوروبي استعماري قرب نهاية القرن التاسع عشر جعلت ما يسمى الان بجنوب السودان جزءا متكاملا مع ما يسمى الان بشمال السودان. فقد وقعت مواجهة عسكرية بالصدفة, لا بالتخطيط المسبق, بين قوات بريطانية وقوات فرنسية في بلدة (فشوده) في (جنوب السودان) عام 1898ر كان مشهدا من مشاهد (التسابق نحو افريقيا) انتهى الى صفقة دبلوماسية بين الدولتين الاوروبيتين تضم بموجبها بريطانيا (جنوب السودان) مع تعويض فرنسا بمنطقة اخرى في القارة السوداء. وهكذا صار الجنوب وحدة جغرافية متكاملة مع الشمال الذي كانت بريطانيا قد استولت عليه.. وبذلك ولد (السودان) المعروف بحدوده الدولية حتى الان (بعد ان ضم اقليم دارفور عام 1916). ويمكن القول دون مبالغة ان (مشكلة جنوب السودان) بدأت في تلك الايام الاخيرة من القرن التاسع عشر. فقد جمعت بريطانيا داخل بلد واحد قومين لا يجمع بينهما اي رابط من لغة او دين او ثقافة او عرق او تاريخ وطني مشترك او تراث. هذا يفسر لنا لماذا كانت سياسة الادارة الاستعمارية البريطانية تجاه مصير جنوب السودان متقلبة الى درجة التناقض. ففي مرحلة مبكرة كانت السياسة المعتمدة هي تطوير الجنوب صوب الانفصال عن الشمال. لكن هذه السياسة استبدلت بنقيضها في منتصف اربعينيات القرن العشرين حين توصلت الادارة البريطانية الى قناعة نهائية بأن جنوب السودان لا يملك الحد الأدنى من مقومات الدولة المستقلة اذا اريد له الانفصال والاعتماد على ذاته. ووفقا لهذه القناعة فان جنوب السودان يجب ان يقسم لتضم اجزاؤه الى بلدان شرق ووسط افريقيا المتاخمة له او يبقى جزءا متكاملا مع شمال السودان معتمدا في بقائه على الشمال. واخذ بالخيار الاخير بعد ان رفضت لندن وحكام شرق افريقيا البريطانيون الخيار الاول. هذا (المقلب) التاريخي البريطاني هو الاساس الذي تفجرت منه المشكلة منذ مذبحة عام 1955 ولاتزال تتفاعل حتى اليوم.. ولا تزداد الا تعقيدا. وحتى حينما بدا للشماليين والجنوبيين معا ان الحل المعجزة قد تحقق بموجب (اتفاقية اديس ابابا) عام 1972 على عهد الرئيس نميرى التي صار الجنوب بمقتضاها اقليما ذا حكم ذاتي فان هذا الحل المعجزة افرز على صعيد التطبيق مع مر السنين بعدا تعقيديا اضافيا: الصراع القبلي بين الجنوبيين انفسهم الذي بلغ ذروته في مشادة سلطوية حادة بين نائب رئيس الجمهورية جوزيف لاقو (من قبائل الاستوائية) ورئيس الحكم الذاتي ابيل أكير (من قبيلة الدينكا) نشأت عن تذمر قبلى عام ضد تنامي نفوذ قبيلة الدينكا في مؤسسة الحكم الذاتي. وعندما اتخذ الرئيس نميري تدابير لتحجيم هذا النفوذ كان الرد محاولة انقلابية دينكاوية كان احد شركائها الضابط الدينكاوي العقيد جون قرنق. لقد فشلت المحاولة الانقلابية لكنها صارت نواة (الحركة الشعبية لتحرير السودان) بقيادة قرنق. وبذلك عادت مشكلة الجنوب الى المربع الاول مرة اخرى لتفرز هذه المرة بدعة اسمها (السودان الجديد) .