أمام أعين وأسماع عالم القرن الحادي والعشرين سقطت العاصمة الشيشانية بعد أشهر طويلة من الصمود والمعارك الدامية وغير المتكافئة, لتضع جروزني نفسها في قائمة المدن الأكثر صلابة وتضحية وصمودا في التاريخ الانساني, ولتنفتح صفحة جديدة من تاريخ العلاقات الروسية ـ الشيشانية, وليضم سادة العالم المنافق (مأثرة) جديدة إلى صمت الظالمين وبغي المتجبرين. وقبل ان تسقط جروزني استشهد عمدتها (ليش دوداييف) مكررا أسطورة الصمود التي سبقه إليها عمه (جوهر دوداييف) أول رئيس للشيشان والذي قضى في الميدان دفاعا عن وطنه وحريته وعقيدته خلال الجولة الأولى الدامية من الحرب ( 1994 ـ 1996). وإلى جانب عمدة جروزني استشهد قادة ميدانيون كبار من أمثال نائب رئيس الوزراء الذي قضى خلال الأسبوع الماضي, ثم الجنرالين (إسلام بك اسماعيلوف) , و (خنكار باشا اسرابيلوف) اللذين نعتهما الرئاسة الشيشانية يوم الأحد الماضي, بالاضافة إلى مئات المقاتلين وآلاف المدنيين الأبرياء. وسواء جاء سقوط جروزني بسبب شدة وطأة الضربات الروسية الجوية والبرية, أو بسبب انسحاب من تبقى فيها من المقاتلين لمواصلة الصراع في جبهات أخرى أكثر فعالية وجدوى, فإن سقوط جروزني يشكل وصمة عار في جبين الحضارة الغربية المهيمنة التي تتشدق بحقوق الانسان وتدعي الشرعية الدولية. أما من الناحية السياسية فقد يمكن لهذا المنعطف ان يشكل فرصة لمخرج سياسي من هذه الحرب, حيث يستطيع الرئيس الروسي بالوكالة (بوتين) الادعاء بالنصر, واستغلاله لتحقيق هدفه بالفوز في انتخابات الرئاسة, مع تنفيذ وعد سبق ان تحدثت عنه القيادة الروسية وهو السعي إلى حل سياسي للحرب في الشيشان بعد احتلال جروزني. ان هذا المخرج يحتاج إلى مفاوضات جادة تحترم تضحيات الشيشانيين وتتعامل مع قادة منهم يتمتعون بثقة شعبهم, وذلك للوصول إلى حل يتسق مع مصالح الطرفين, فيحفظ ما تبقى لروسيا من وحدتها وسمعتها ويعطي الشيشانيين ما يستحقونه من حرية وكرامة. وهذا المخرج هو الوحيد القادر على انقاذ روسيا من نفسها, وانهاء دوامة العنف والدم في هذه المنطقة الحساسة من العالم, وإقفال بوابات محاولات التدخل الدولي في الشأن الروسي, واعادة الثقة بالمستقبل للشعوب المكونة للاتحاد الروسي. وإلا فليتذكر القادة الروس ان الشيشانيين مازالوا موجودين رغم انهم دفعوا خلال قرون طويلة تضحيات كبرى في مواجهة القياصرة والشيوعيين ونظامي يلتسين وبوتين.