انتهت الجولة الثانية من المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية في شبردز تاون دون ان تتمخض في ما تم اعلانه عن أي نتائج ملموسة. ورغم ان النهاية المعلنة لجولة المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية الثالثة, تمثل في ظاهرها نكسة للآمال العريضة التي رافقت انطلاق الجولة الاولى للمفاوضات في الشهر الماضي , فان تلك النتيجة كانت متوقعة, بل انها تشكل فصلا مرتقبا من فصول المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية التي كانت ستجري في كل الاحوال, ذلك ان طرفين مختلفين مثل سوريا واسرائيل لا يمكن ان يتفاوضا مفاوضات سهلة, وليس من المنتظر ان تكون نتائج مفاوضاتهما سريعة, وكلاهما امر مفهوم لدى متابعي السياستين السورية والاسرائيلية, ولدى كل المهتمين بالصراع في الشرق الاوسط وتطوراته. ومما لا شك فيه ان بين الاسباب الرئيسية لما آلت اليه الجولة الثانية امران, الاول ان لدى كل طرف مجموعة اهداف يتوخى تحقيقها في المفاوضات, ولعل الاهم في ذلك تطلع السوريين إلى استرجاع ارضهم المحتلة في الجولان منذ عام ,1967 فيما يحاول الاسرائيليون الاحتفاظ بجزء من الجولان السوري استنادا إلى اسباب وادعاءات متعددة, وينطبق امر المفاوضات حول الحدود ـ ولو بمستويات اقل ـ على الموضوعات الاخرى في اجندة المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية, وفيها ثلاث موضوعات اخرى هي المياه والتطبيع والترتيبات الامنية. والامر الثاني الذي قاد إلى ما حصل في الجولة الثانية من نتائج, يتمثل في قول ان المباحثات السورية ـ الاسرائيلية, تتجاوز في الاهم من جوانبها كونها مباحثات ثنائية تجري بين دولتين, بينما هي واقعيا مفاوضات عربية ـ اسرائيلية رغم عدم الاعلان عن ذلك, اذ هي تتجاوز سوريا في نتائجها لتصل مباشرة إلى لبنان, والذي سيتوقف مصير مفاوضاته مع اسرائيل على نتائج مفاوضات الاخيرة مع سوريا, وفي الابعد من ذلك, فان علاقات اغلبية البلدان العربية مع اسرائيل, ستتأثر بنتائج مفاوضات الاخيرة مع سوريا خاصة وان توقف المفاوضات على المسار السوري ـ الاسرائيلي في العام 1996 ادى إلى تجميد مجموعة من خطوط العلاقات العربية التي بدأت تنسج صلاتها مع اسرائيل عقب الاتفاقين الاسرائيلي ـ الفلسطيني عام ,1993 والاسرائيلي ـ الاردني الموقع في العام 1994ر ان اسرائيل وهي تدخل المفاوضات مع سوريا, تدرك ان تلك المفاوضات هي مفتاحها إلى علاقات مستقبلية مستقرة ليس مع سوريا فقط, وانما مع اغلبية دول الشرق الاوسط, والمفاوضات مع سوريا بداية طريق إلى العلاقة المستقبلية مع لبنان, وخطوة تمهيدية للخروج من مستنقع الجنوب, كما انها تشكل فرصة إلى ولوج اسرائيل إلى دول واسواق عربية كثيرة, تنتظر حصول تطورات ايجابية في مسار المفاوضات والعلاقات السورية ـ الاسرائيلية, كما ان اسرائيل, تنتظر مساعدات وتعويضات امريكية كبيرة وتعزيزا للعلاقات الاسرائيلية مع الولايات المتحدة في حال التوصل إلى اتفاقات مع سوريا. غير هذه الجوانب الايجابية للمفاوضات مع سوريا, جوانب سلبية, تراها اسرائيل في الانسحاب الشامل والكامل من الجولان حتى حدود الرابع من يونيو, كما تطلب سوريا, والقيام بترتيبات امنية متبادلة على جانبي الحدود مع سوريا, وكلاهما امر ممكن القبول به, غير ان ذلك سوف يترك اثره في المفاوضات مع لبنان, وقد يؤدي إلى اتفاق مماثل للاتفاق السوري ـ الاسرائيلي, وقد يجر اثره إلى المفاوضات النهائية بين اسرائيل والفلسطينيين, اذا قرر الفلسطينيون التأكيد على مطالبهم في مفاوضات الوضع النهائي وبخاصة في موضوعي القدس واللاجئين, وكلاهما مسنود بجملة من القرارات الدولية, وجميعها موضوعات تتعامل معها اسرائيل بمنتهى الحذر. ولاشك ان ادراك سوريا لمحتويات ومضامين المفاوضات ونتائجها الاقليمية, لا يقل ابدا عن الادراك الاسرائيلي, وغالبا فان ذلك كامن في خلفية قوة الموقف السوري وبخاصة في النقاط الثلاث الاهم, وهي ربط المسارين السوري واللبناني في المفاوضات مع اسرائيل, وتأكيد الانسحاب الكامل من الجولان وعودته إلى السيادة السورية, واتخاذ اجراءات امنية متبادلة على جانبي الحدود السورية ـ الاسرائيلية, وهي نقاط وجدت استجابة اسرائيلية عامة, وان كان هناك اختلاف على تفاصيل وحيثيات. وبطبيعة الحال, فان الطرفين السوري والاسرائيلي وبادراكهما المؤكد للابعاد الثنائية والاقليمية للمفاوضات السورية ـ الاسرائيلية, جعل كلاهما يحاول تحقيق الحدود القصوى من المكاسب النهائية للمفاوضات بما فيها من نتائج, تتصل بالعلاقات الثنائية والاقليمية بجوانبها الامنية والسياسية والاقتصادية, ويترافق هذا الادراك مع التوجه الامريكي لتحقيق تقدم على مسار المفاوضات, والتوصل إلى تسوية من شأنها وضع حد للصراع بين سوريا واسرائيل, وهو ما يفسر التدخل الامريكي المباشر من اجل اقلاع المفاوضات, وكذلك رعاية الرئيس كلينتون ووزيرة خارجيته اولبرايت لجولتي المفاوضات, وتدخلهما المتواصل من اجل تجاوز العقبات وردم الهوات التي ظهرت في المفاوضات. ان التطلع بجدية إلى ما رافق انطلاق المفاوضات, والتصريحات التي اعلنها الاسرائيليون والسوريون بصدد موقفهم من عملية السلام, والرعاية الامريكية التي تتسم بمستوى عال من الجدة والجدية, تؤكد جميعها, ان الجولة الثانية, لم تكن جولة فاشلة, وانما هي مجرد جولة يهيىء فيها كل طرف من المتفاوضين نفسه للحصول على افضل الشروط, وهو امر سيثبت غالبا, ان الجولة الثانية من المفاوضات الاسرائيلية ـ السورية لن تنتهي إلى الفشل.