القاهرة تعيش هذه الايام عرسا ثقافيا مع المعرض السنوي للكتاب الذي تحول الى تظاهرة ثقافية يغلب عليها الاحتفال, ويسعد الجميع فيها بلقاء الاشقاء من الادباء والمفكرين العرب من كل الاقطار العربية. وبرغم السلبيات الكثيرة التي يرصدها البعض على المعرض الذي تحول في رأيهم الى (مولد ثقافي) يضم كل شيء.. من الكتب الى الغناء, ومن الشعر الى الرقص الشعبي, ومن الموضوعات المختلفة الى ندوات مع نجوم سينما ومسرح. برغم ذلك يبقى اللقاء والحوار بين الادباء العرب الذين يحرصون على التواجد سنويا هو الميزة الاساسية, ويبقى تواجد الناس بين الكتب حالة جميلة حتى ولو قل الشراء بسبب ارتفاع الاسعار المتزايد. والجولة السريعة في المعرض تكشف عن الظاهرة الاساسية في حياتنا الثقافية, والتي ينبغي التعامل معها بجدية بالغة.. هذه الظاهرة تتمثل في حالة من الازدهار الابداعي في مجالات الرواية والقصة والشعر (رغم ملاحظات كثيرة على المستوى) يقابلها حالة من الفقر الفكري الذي يتمثل في ندوة الافكار الجديدة الجادة, والعيش على بقايا السلف الصالح او غير الصالح من ناحية, وما ينتجه الفكر الغربي من ناحية اخرى. ونظرة واحدة على معروضات دور النشر الكبرى, او على اكثر الكتب مبيعا, او على الكتب التي حصلت على جوائز.. تؤكد ان الفكر قليل, وغير مؤثر.. اعني الفكر الخلاق الذي يخطو بنا الى الأمام, ويمنحنا فرصة الانعتاق من التخلف وتفجير طاقات الابداع الحقيقي وسيطرة العلم بدلا من الشعوذة والخرافات التي مازالت تشدنا للخلف وتفرض سطوتها على حياتنا. وما نشاهده في معرض الكتاب ليس الا انعكاسا لما يدور خارجه في ارجاء وطننا العربي. وحتى لا نذهب بعيدا.. دعونا نتأمل واقعة مسلسل ام كلثوم الذي مازال يثير المناقشات في مصر والعالم العربي, بعد النجاح المدوي الذي لاقاه والذي فاجأ حتى صانعيه. المسلسل في البداية والنهاية حالة من الابداع الجميل, ولكنه كشف للناس عن قيم نبيلة يشتاقون لها, وصور واقع الامة وهي تبدأ رحلة النهضة الفكرية اولا ثم السياسية والاقتصادية بعد ذلك. تلك النهضة التي مكنت فلاحة مثل ام كلثوم ان تكون صوت امتها وحادية المسيرة في انتصاراتها وهزائمها. لم يعد هناك جديد يضاف لما كتب عن المسلسل الجميل, لكن ما يجري الان يستحق الوقوف عنده, فالبعض بعد ان هاله النجاح المدوي للمسلسل وما كشف عنه من عطش الناس لاستلهام الصفحات المضيئة في تاريخهم. سياسيا واجتماعيا وثقافيا, يحاول الان افتعال معركة لا معنى لها, لأن المسلسل صور العلاقة بين ام كلثوم وثورة يوليو وقائدها جمال عبدالناصر وقد ازداد غضب هؤلاء بعد الحلقة الاخيرة بالذات, والتي تصادف ان ازيعت في ذكرى ميلاد عبدالناصر. ووسط تجاهل اعلامي بالمناسبة كانت الحلقة الختامية للمسلسل خير احتفال بالذكرى, فأعادت الى الاذهان آخر ايام عبدالناصر وقدمت مشهد جنازته التاريخية, واثارت حالة من الشجن النبيل عند الناس برحيل الزعيم, ثم برحيل ام كلثوم بعد ذلك. الحملة الان تطالب برأس مؤلف المسلسل محفوظ عبدالرحمن ومخرجته انعام محمد علي والممثلين وربما المتفرجين, لأن المسلسل تجاهل الرئيس السابق انور السادات وتحاشى ذكر حرب اكتوبر حتى لا يكون هناك وجود للسادات في المسلسل. وانا شخصيا كنت احب ان يتناول المسلسل اللحظة التراجيدية لام كلثوم في اكتوبر, وهي التي عاشت تحلم بلحظة الثأر منذ الهزيمة كفلاحة مصرية اصيلة, ثم اذا بها ـ بسبب المرض ـ لا تستطيع ان تغني للانتصار. ولكن المؤلف له رؤيته التي يجب ان نحترمها, فهو يقدم ابداعا دراميا وليس تاريخا تسجيليا, ولهذا اسقط من المسلسل احداثا هامة مثل حرب السويس وتأميم قناة السويس رغم ان ام كلثوم قدمت بعض اجمل اغنياتها الوطنية في هذه المناسبات مثل لحن محمد الموجي (محلاك يا مصري) ونشيد كمال الطويل (والله زمان يا سلاحي) الذي تحول الى السلام الجمهوري لمصر حتى بعد حرب اكتوبر. والاغنيتان من تأليف العبقري صلاح جاهين الذي اراد المؤلف الا يظهر في المسلسل هو والموجي والطويل. نعم كنت احب ان ارى ام كلثوم وهي تغني لتأميم القناة ولحرب اكتوبر, ولكن المؤلف هو صاحب العمل, ومن حقه ان يختار, وعلينا ان نحاسبه كمبدع وليس كمؤرخ. وهو الامر الذي يتجاهله اصحاب الحملة الاخيرة على المسلسل ومؤلفه. فيتركون الابداع الجميل ولا يحترمون حرية المؤلف في ان يختار من الاحداث ما يخدم رؤيته الدرامية, ويقف واحد مثل الدكتور عبدالعظيم رمضان ليصرخ على صفحات الجرائد في وجه المؤلف المبدع محفوظ عبدالرحمن: (شفاك الله من داء الناصرية) .. وبعدها يدخل في فاصل من (الردح) لثورة يوليو التي يزعم انها مجرد انقلاب, ولعبد الناصر الذي قاد (الانقلاب) !! وفي واقعة سابقة تعرض المبدع الكبير الآخر للدراما التلفزيونية اسامة انور عكاشة لموقف اشد غرابة, فقد تعاقد على كتابة فيلم عن حرب اكتوبر, وكانت القوات المسلحة المصرية ستساهم في التمويل وتقدم كل التسهيلات ليكون الفيلم لائقا بالحرب المجيدة, ولتسد فراغا كبيرا في السينما العربية التي لم تتناول الحدث العظيم الا في افلام محدودة لم يرق مستواها الى مستوى اكتوبر. ولم يكد النبأ ينشر, حتى بدأت حرب رهيبة ضد المشروع بحجة ان اسامة انور عكاشة ناصري ولن ينصف السادات. وكانت النتيجة ان توقف المشروع, ومع انه قد تم الاعلان عن تكليف كاتب آخر وثيق الصلة بالسادات ليكتب فيلما آخر, فان شيئا لم يحدث حتى الان. والقضية غريبة.. فاكتوبر ليست ملكا لأحد. والفيلم ليس فيلما تسجيليا عن الحرب, وانما هو رؤية خاصة لمبدعيه, والحساب لا ينبغي ان يكون على النيات. ولماذا الحجر على المبدعين؟ ولماذا لا نفتح كل الابواب لكل الآراء ونترك الحكم للناس؟ ولماذا لا نترك الفرصة لكل من يريد الابداع.. ناصريا او ساداتيا, يمينيا او يساريا.. لكي يقدم رؤيته حول حدث عظيم مثل حرب اكتوبر التي لابد ان تفرض نفسها على الجميع لتكون نقطة التقاء حول نصر صنعه الشعب كله.. بكل طوائفه وكل تياراته. ان الذين عبروا في اكتوبر لم يسألهم احد ان كانوا مسلمين او اقباطا, ناصريين او ساداتيين, يمينيين ام ليبراليين.. كانت مصر كلها تقاتل وتعبر وتنتصر.. ومعها العرب اجمهون. وها هو الموقف يتكرر مع المسلسل الجميل (ام كلثوم) وبدلا من ان يسعد الجميع بأن تجتمع الامة على ابداع راق, تبدأ الصيحات المتبجحة تتهم مبدعي المسلسل بالناصرية.. وما اشرفه من اتهام. وبدلا من ان تنافسهم بابداع جديد تطالب باسكاتهم حتى لا يكرروا (الجريمة!) وتدعو الله ان يشفيهم من داء الناصرية الوبيل! ولا اعرف ما هو المطلوب اذا كانت ثلاثون عاما من الحرب ضد عبدالناصر بعد رحيله لم تنجح في اقصائه عن ذاكرة الامة, واذا كانت بعض المشاهد عنه في مسلسل قد اهاجت مشاعر الناس وجددت ذكرياتهم رغم ان المسلسل لم يذكر شيئا عن انتصارات عبدالناصر.. لا استعادة القناة ولا حرب السويس ولا الوحدة مع سوريا, وركز بدلا من ذلك على هزيمة 67, ومع ذلك فقد بكت الملايين في كل العواصم العربية مساء ذلك اليوم من يناير الماضي وهي تشاهد جنازة عبدالناصر في آخر حلقات مسلسل (ام كلثوم) ماذا نفعل مع هذه الملايين وكيف نتخلص منها ليرضى امثال الدكتور رمضان؟! وكيف نتصرف اذا كان اعظم المبدعين عندنا مازالوا يضعون موهبتهم في ابداع يتعانق مع هموم وآمال الشعب العربي في كل اقطاره فيبادلهم الملايين المشاعر ويتوحدون مع ابداعهم الجميل؟ ماذا نفعل اذا كانت افكار اسامة عكاشة ومحفوظ عبدالرحمن وغيرهما من كبار المبدعين لا تتفق مع افكار الدكتور رمضان؟ واذا كان كبار المخرجين ونجوم التمثيل يشاركون هؤلاء المؤلفين رؤيتهم فتكون النتيجة فنا عظيما فما هو العمل في رأى السيد رمضان وبطانته.. هل نعتقل انعام محمد علي لأنها قدمت (الطريق الى ايلات) و (حكايات الغريب) قبل ان تقدم (ام كلثوم) فاستحقت في كل اعمالها احترام الجميع؟ وهل نسجن الذين قدموا (رأفت الهجان) و (جمعة الشوان) لأنهم يسىئون لاصدقاء السيد رمضان من الصهاينة؟ وهل نحاكم عادل امام ونور الشريف لأن اتجاههما السياسي لا يعجب البعض ام يكون حكمنا على ابداعهم فقط؟ انه فقر الفكر الذي اشرنا اليه في البداية. يمارسه العاجزون ليداروا عجزهم, ويتمسك به الخائفون حتى لا تنكشف مواقفهم. انه فقر الفكر الذي يجعل البعض يريدون الحرية لأنفسهم ويطالبون بالقيود على الاخرين, وبدلا من ان يسعدوا بعمل جميل ادخل البهجة في قلوب الملايين وقدم دروسا في الفن والوطنية.. بدلا من ان يسعدهم ذلك يبدأون في لطم الخدود وشق الجيوب لأن جنازة عبدالناصر ظهرت في التلفزيون! و.. كلي امل ان ينجز اسامة عكاشة مشروع فيلمه عن (اكتوبر) وان يخوض محفوظ عبدالرحمن تجربة مماثلة فيقدم عملا متميزا عن ملحمة الانتصار العظيم, وساعتها سوف يتكرر الموقف.. تسعد الملايين في ارجاء الوطن العربي, وتبدأ فرقة لطم الخدود في الصراخ والعويل, لأن ما سيتم تقديمه من ابداع لن يوافق هواها. ولأن الامة حين تحتضن الابداع الاصيل والرؤية القومية من خلال اعمال راقية كما حدث مع المسلسل (ام كلثوم) فانها تؤكد ان ذاكرتها مازالت تحفظ وتعي, وان عقلها الجمعي يعرف كيف يفرق بين الحقيقي والزائف, وبين القبيح والجميل, وبين من يضحي ومن يطلب الثمن. و.. لوعي الامة كل الاحترام, وللمبدعين الحقيقيين كل الشكر, ولفرقة لطم الخدود نقول: موتوا بغيظكم!!