هناك أوهام سبعة على الأقل تحيط بجو المحادثات الاسرائيلية ـ السورية انتشرت فيما يكتب من تحليلات حول مسيرة المحادثات وخلفياتها السياسية, وما يدور حولها من لغط. وعجت الفضائيات العربية ووسائل الاعلام بمن له علم أو دون ذلك بطرح التكهنات. وخالط ظني ان هناك العديد من الأوهام التي يكابدها القارئ والمستمع فيما ينشر ويذاع أردت أن أبسطها هنا للنقاش . الوهم الأول: يقول ان سوريا لم تكن لتدخل في مسيرة المحادثات دون ان تتأكد قبل ذلك من ان معظم شروطها قد تحققت وان الخلافات التي تظهر في وسائل الاعلام والتشدد الظاهر بين الطرفين ما هو الا خلافات شكلية, وهي جزء من سيناريو المحادثات نفسها, والفكرة نابعة من مسيرة طويلة للتفكير العربي, يعشق الكثيرون منا تصديقها, وربما تصور البعض نتيجة هذا التاريخ المتراكم من سوء الظن أو محاولة الرجم بالغيب أن يقول لنا ان الاتفاق جاهز بين السوريين والاسرائيليين, وان كل ما نسمع ونشاهد ما هو الا اعداد المسرح الشعبي لقبول التسوية! هذا التوجه في التفكير غير منطقي بجانب انه يفتقد الصحة والمعلومات, فمن الواضح ان السوريين يستهدفون الحصول على حقوقهم كاملة من الارض في مقابل سلام, وهناك خلاف حقيقي بين ما يريده السوريون وما يستطيع تقديمه الاسرائيليون. الوهم الثاني: حيث زعم الكثير من المحللين ومن خرج منهم علينا في شبكات التلفزيون بالقول ان ما حدث في تل ابيب من مظاهرات عشية عودة باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي من الجولة الثانية من واشنطن, انما كان معدا من قبل الحكومة الاسرائيلية, وهذا بالتأكيد محاولة للاسقاط غير دقيقة, فمهما قلنا في المجتمع الاسرائيلي, فانه مجتمع يتمتع بحرية داخلية وديمقراطية مشهودة. وربما لو قيل ان هذه المظاهرات لم تكن من طرف اللوبي المضاد للانسحاب من الجولان اكثر من تلك التي قادها اللوبي المضاد للانسحاب من الضفة الغربية والقدس لكان التحليل اقرب الى الحقيقة والمنطق. وربما كان ذلك اكثر دقة وتعبيرا, اما القول ان هذه المظاهرات قد أوعزت بها حكومة اسرائيل فهو قول في أقله غير مبني على شواهد, لأنه لو تم ذلك من بعيد او قريب لقامت الصحافة الاسرائيلية بفضح الاسباب والدوافع او بعضها. لذلك فان الاستفتاء المزمع عقده بعد التوصل الى اتفاق سياسي مع سوريا لا يستطيع احد الآن التكهن بنتيجته او الجزم بها. فقد يربحها باراك ربحا غير حاسم وبالتالي يصبح اي اتفاق وكأنه غير مرغوب فيه, ويركز جذور صراع جديد في المنطقة, كما ان هذا قطعا ليس نهاية المطاف, ولعل محاولة وضع الفضائح السياسية في طريق باراك ـ كما حدث في الاسبوع الماضي ـ تدل على حجم الصراع الاسرائيلي الداخلي. الوهم الثالث: ان هناك جوا من التفاؤل من جانب البعض الذين يقولون ان آخر الخلافات السياسية سوف تحل بين العرب واسرائيل اذا تم الاتفاق الاسرائيلي ـ السوري. وهذا النوع من التحليلات يبدو ان اصحابه ليس لديهم علم او دراية بما يمكن ان يظهر من خلافات نعرف جذورها اليوم, وهي خلافات حادة قادت الى حروب أهلية وحروب بينية في السنوات التي انهي بها الربع الاخير من القرن العشرين. فهناك المفاوضات المتعددة الاطراف, والتي سوف تبحث من بين امور اخرى في المياه والتسلح النووي وغيرها من العقبات الصعبة العالقة بين الاطراف العربية واسرائيل. الوهم الرابع: تقول بعض التحليلات ان العرب سوف تتحول حياتهم الى الديمقراطية والتعددية, بعد انتهاء صراعهم الطويل مع اسرائيل, التي تمارس الديمقراطية بمعناها الليبرالي الانفتاحي الشفاف, وسوف يكون هناك تبادل سلمي للسلطة محكوم من خلال صناديق الانتخاب, والرأي الشعبي لا غير. وهو حلم بعيد المنال وليس بالضرورة ان تكون هناك علاقة حتمية بين انتهاء صراعات الدول في الشرق الاوسط وان تتمتع الشعوب بالحريات العامة والديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة, فذلك يحتاج الى جهود اخرى, صحيح ان الصراع مع اسرائيل استخدم في اوقات كثيرة كذريعة لتأخير التمتع بالحريات والمشاركة الشعبية في السلطة, وللتسكع في طرق الشمولية المؤدية لوأد المواطنة وتحقيرها. ولكن قد تخلق ذريعة او ذرائع اخرى, لا نعرفها الآن, تتيح استمرار الممارسات السابقة تحت شعارات اخرى. الوهم الخامس: تذهب بعض التحليلات الى ان الجميع (مستعجل زمنيا) للوصول الى اتفاق سلام, فالرئيس الاسد يريد ان يرتب الخلافة في سوريا, وباراك يريد ان يظهر بمظهر رجل السلام في اسرائيل, والرئيس بيل كلينتون يريد ان يحقق نصرا سياسيا كي يخرج من الرئاسة الامريكية ويدخل التاريخ بوصفه (بطل سلام) بدلا من بطل لفضيحة اخلاقية, وكل هذه التحليلات تدخل في اطار التكهن دون التأكد, فالسوريون أثبتوا أن صبرهم طويل, كما ان الطرفين السوري والاسرائيلي ربما كان من الأصلح لهما معا التوقيع على اتفاقية سلام في عهد رئيس جمهوري امريكي جديد (متوقع بوش الابن) الذي قد يحقق البقاء في البيت الابيض لفترة ثماني سنوات مقبلة, بدلا من تقديم الاتفاق على طبق من فضة لرئيس مغادر لن يكون بمقدوره التأثير في الاحداث بعد ان يترك منصبه, كما انه لا الرئيس الاسد متعجل, كما تدعي كل التحليلات السابقة ـ والا فلماذا انتظر كل هذا الانتظار للدخول في مفاوضات لم تكن معروضة عليه شروطها المعقولة من قبل ـ ولا باراك ايضا, الذي لديه حسابات زمنية قبل ان يتحقق له ان ما سيحصل عليه يشكل معادلة يستطيع ان يسوقها في اسرائيل, ومع مناصريه أولا. أما سادس الأوهام وربما أغربها التي قرأتها وقد كتبت بأقلام من وصفوا بأنهم محللون ومطلعون ثقات فهو ما يلي (ان اسرائيل لن تتراجع عن الوصول الى اتفاق مع سوريا في أسرع وقت لضمان فتح الحدود والأسواق العربية!). وهنا يطالعنا وهم مركب, وهو أولا: من قال ان بعض الدول العربية لم تفتح شبابيك مع اسرائيل (ان لم يكن أبوابا) ومن بقي منها لم يفعل ذلك فهو دول قليلة؟ وثانيا من الضامن ان سوريا ستقول للاخرين هيا الى اسرائيل, فيتسابق الناس الى ذلك! ثم ـ وهذا هو المهم ـ ماذا يستطيع الاقتصاد الاسرائيلي ان يقدم مما لا يقدمه مثلا الاقتصاد الغربي اليوم للعالم العربي؟ لذا فان سوق الخليج ليس بالضرورة ان يكون مفتاحه في دمشق, وليس بالضرورة ايضا ان مصالحه مع تل أبيب في المستقبل ستفتح ابواب الخير للجميع. وان تركنا كل ذلك جانبا, فان التطبيع مع اسرائيل عسير في جو الثقافة السائدة, خاصة في اجواء الاتفاق الفلسطيني الذي سوف يتعثر, لأن الاسرائيليين لن يهضموا هذه الوجبة الثقيلة من الوفاق مع اطراف عربية عدة منها السوري الاكبر والفلسطيني الاكثر عبئا وتشابكا وتعقيدا. ولعل الوهم السابع ـ الاكبر ـ هو ما يطرح في بعض الاوساط حول من يدفع ثمن السلام, فليس من المؤكد ان تحصل اسرائيل على كل أو معظم ما تطالب به ثمنا للسلام من الولايات المتحدة, فهناك شعور يتنامى بثقل الأعباء المالية على دافع الضرائب الأمريكي, وقد بدأ بعض رجال الكونجرس يعبرون عن هذا المعنى, كما ان هناك حديثا حول مساهمات دولية قد تكون أوروبية أو يابانية, وهناك حديث ايضا عن ان مساهمات مالية قد تطلب من الخليج في وقت لاحق, والاخير يعاني من ضيق في الدخل وعسر في تمويل المشروعات الوطنية المهمة. لعل مثل هذه الأوهام التحليلية التي فاضت بها وسائل الاعلام من حولنا دليل على أهمية ما يحدث ومدى اتساع رقعة تأثيره, الا ان التأثير الاكبر هو على العلاقات العربية ـ العربية المستقبلية, واعتقد ان ذلك ما يحتاج الى عقد قمة عربية, لأن المياه التي سوف نبحر فيها مياه لم تختبر من قبل. ولعلنا في الخليج نطرح هذا الأمر اليوم للتشاور ووضع التصورات قبل انعقاد القمة الخليجية نصف السنوية.