اهل الشمال العرب المسلمون قاطبة وقادتهم السياسيون منذ الاستقلال كلهم (آثمون) . واهل الجنوب قاطبة وسياسيوهم ومعهم اهل جبال النوبة والانقسنا كلهم (مجنى عليهم ابرياء) . هذه الادانة الجماعية للشماليين خاصة قادة الحكم منهم والتي يطلقها قرنق يتساوى فيها السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي مع اسماعيل الازهري وعبدالله خليل مع الفريق ابراهيم عبود والمشير جعفر نميري والمشير عبد الرحمن سوار الدهب جنبا الى جنب مع الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني والفريق عمر البشير ود. حسن الترابي. كلهم ناكثو عهود ووعود بذلت للجنوبيين على اختلاف عهود الحكم المتعاقبة منذ الاستقلال. وبالمقابل فان الساسة الجنوبيين الذين تعاملوا معهم اطهار ابرياء ذوو استقامة. واذا كان قرنق قد توصل فعلا الى هذه القناعة فماذا يعني تحالفه مع المهدي والميرغني في اطار (التجمع) ضد البشير والترابي سوى انه يستغل قادة شماليين مرحليا ضد قادة شماليين آخرين.. اي انه مجرد تحالف (تكتيكي) بهدف القضاء على اولئك حتى يحين الظرف الملائم للقضاء على هؤلاء؟ انني شخصيا لا اعتبر القادة السياسيين الشماليين ملائكة ابرارا... بل اقول ان فيهم الفاسد وفيهم قصير النظر وفيهم المستهتر. وقد عانى منهم شعب الشمال كما عانى شعب الجنوب. ولكن ماذا عن السياسيين الجنوبيين؟ اذا استعرضا التطورات والتقلبات السياسية في السودان منذ الاستقلال فانني لا اجد افسد من السياسيين الجنوبيين ابتداء ممن كانوا يعرضون انفسهم للبيع الى الاحزاب الشمالية في سوق النخاسة البرلمانية, وليس انتهاء بمن باعوا انفسهم للولايات المتحدة والمنظمات الكنسية العالمية. والشيء بالشيء يذكر... فهنا اعيد طرح سؤال طالما طرح على قرنق اعلاميا... فكانت اجابته في كل مرة اقرب الى حديث الاساطير الساذجة: من هي الجهة التي تتولى تمويل وتموين (الحركة الشعبية لتحرير السودان) في حربها التي دامت حتى الآن 17 عاما؟ تارة يجيب قرنق بأن العتاد العسكري تغنمه قوات (الحركة) من القوات الحكومية السودانية. وتارة يقول ان قيادة (الحركة) تتلقى تبرعات من (جهات) افريقية يفضل الاحتفاظ بسرية هويتها... واخر مرة سمعته يتحدث في مقابلة تلفزيونية يقول ان (الحركة) تكتسب دخلا من تصدير الابقار! ولا يقول لنا قرنق لماذا تتبرع الولايات المتحدة ومعها منظمات مسيحية عالمية اشهرها (تضامن) بقيادة البارونة كوكس بتقديم مساعدات الى الحركة؟ لقد سبق ان اعلن مسئولون امريكيون ان الولايات المتحدة رصدت مبلغ 20 مليون دولار للحركة لتمويل مشتريات عسكرية لقواتها عن طريق دول افريقية مجاورة للسودان, ولاحقا قال مسئولون امريكيون ايضا ان الولايات المتحدة قررت دعم قوات (الحركة) بمعونات غذائية بغرض مساعدتها على البقاء في المناطق التي احتلتها في الجنوب السوداني. ونعرف جميعا, كما يعرف العالم كله, ان مجموعة (تضامن) المسيحية العالمية تتبنى حركة قرنق علنا. ونعلم كما تعلم الدنيا كلها ان الامم المتحدة جردت هذه المجموعة المسيحية من صفتها الدولية في مارس الماضي بعد ان دعت جون قرنق لتمثيلها في اجتماع إمام اللجنة الدولية لحقوق الانسان. في ذلك الاجتماع القى قرنق خطابا يتعلق بالاوضاع العسكرية في جنوب السودان... ثم وزع ملاحظاته المكتوبة على اوراق تحمل عنوان (الجيش الشعبي لتحرير السودان) . يومها قال متحدث باسم الامم المتحدة ان مجموعة (تضامن) المسيحية سمحت لنفسها بان تستغل كحصان طروادة لجماعة تعبر عن اهداف مختلفة عن اهداف الامم المتحدة!