لم يرد مصطلح (العولمة) في معظم معاجم اللغة الحديثة, وليس هذا الامر صدفة لان الظاهرة التي تطلق عليها (العولمة) قد نشأت منذ فترة قصيرة نسبيا, اما الديمقراطية فبالعكس تعرف الانسانية هذا المفهوم طوال عدة الاف من السنين منذ اليونان القديمة, وتعتبر الانظمة والمؤسسات السياسية المسماة بـ (الديمقراطية) في بعض الاحيان اقدم من هذا الوصف نفسه ولكن على الرغم من الفرق البعيد بين مفهومي (الديمقراطية) و (العولمة) من حيث عمر كليهما, يستعملان معا بالمناسبات الكثيرة وفي بعض الاحيان يعتبر احدهما عنصرا مكونا للاخر وركنا من اركانه, وفي بعض الاحيان الاخرى يعد احد المفهومين منافيا للاخر ومتصادما معه وهذا التناقض في استعمال الكلمتين طبيعي لانهما تحتويان ابعادا عديدة وتتطوران مع تطور العالم المعاصر بما يضفي عليهما المميزات والخصائص الجديدة, وبالتالي يتغير محتوى هذين المفهومين الامر الذي يخص قبل كل شيء اخر مفهوم الديمقراطية. ويجب الذكر ان (الديمقراطية) كلمة يونانية الاصل تعني سلطة الشعب او حكم الجماهير, هذا من حيث مدلولها اللغوي, اما اصطلاحا فيستعمل مفهوم الديمقراطية في علم السياسة والفقه القانوني بما يعني نظاما معينا للحكم او شكلا من اشكال الدولة, ويتميز هذا الشكل على سبيل المثال بانتخاب هئيات الدولة وتأمين حقوق الانسان في شتى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وغيرها, ومما لاشك فيه ان معظم الناس يجمعون على مفهوم الديمقراطية هذا, ولكنهم يتمسكون بمختلف المواقف من مدلول هذه الحقوق والحريات وكيفية تطبيقها العملي, واتذكر جيدا كيفية تعريف الديمقراطية في الاتحاد السوفييتي السابق الذي ساده الفكر العقائدي الشيوعي القائل بأن الديمقراطية الغربية شكلية ومزيفة, اما الديمقراطية الاشتراكية فتعتبر حقيقية, لان معنى الديمقراطية الاساسي لايكمن في الانتخابات او الحقوق والحريات الفردية بل يقضي بممارسة سلطة (الكادحين) الامر الذي ولد الاستنتاج الغريب والعجيب بان كوبا ـ حيث لم يصدر الدستور ولم تجر الانتخابات ـ هي دولة اكثر ديمقراطية من فرنسا حيث ينفذ الدستور وتتم الانتخابات وتوجد التعددية السياسية والفكرية! هذا وقد جاء سقوط النظام الاشتراكي وهزيمة العقيدة الشيوعية دليلا مقنعا على فشل مفهوم الديمقراطية الاشتراكي , الامر الذي افسح المجال لبلورة مفهوم الديمقراطية الذي يجمع على مدلوله معظم اعضاء المجتمع الدولي المعاصر. فمن المؤكد ان مميزات الحضارة العصرية تطور النظم الديمقراطية القائمة على الركيزتين اللتين اولاهما حقوق الانسان وثانيهما التعددية. وحقيقة ليس ثمة الاجماع الكامل في العالم الحديث على مدلول هاتين الركيزتين, اذ تختلف وجهات النظر بعضها عن البعض حول معنى حقوق الانسان والتعددية كما تختلف تجارب تطبيقها العملي في مختلف البلدان والمجتمعات. ولكن دون اهمال هذه الفوارق والاختلافات للمواقف من فهم الديمقراطية يجب الاعتراف بان جميع الدول المعاصرة مضطرة لايلاء الاهمية البالغة لقضية حقوق الانسان التي لم تعد قضية داخلية بحتة لاية دولة بل تحولت الى قضية تهم المجتمع الدولي اجمع, الامر الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بظاهرة العولمة التي لم يتبلور مفهومها بصورة كاملة بعد. هذا ويطلق مصطلح (العولمة) على الامور المختلفة, ويقصد بها قبل كل شيء الترابط العضوي لانحاء العالم الحديث والعلاقات الوثيقة التي تربط البلدان بعضها ببعض في شتى المجالات, وكذلك تحول عالمنا الى مساحة اعلامية واحدة. اما بعد العولمة الاقتصادي فيتمثل في تحول العالم الى سوق مشتركة واحدة تسودها المعايير العامة للتبادل الاقتصادي ومن حيث الجانب السياسي تتسم العولمة بالمظاهر العديدة التي منها تحول حقوق الانسان الى قضية عالمية, وظهرت مراكز صناعة القرارات العالمية الجديدة القادرة على السيطرة على معظم اعضاء المجتمع الدولي المعاصر, مثل ازدياد دور المنظمات الاقليمية كحلف الناتو او منظمة الامن والتعاون الاوروبية. على حساب دور الامم المتحدة في حفظ السلام العالمي. وكيف يمكن تقييم هذه التطورات المسماة بـ (العولمة) بشكل عام, وعلى وجه الخصوص في ضوء مفهوم الديمقراطية المعاصر؟ هل تنسجم العولمة مع الديمقراطية او تعاديها؟ في اعتقادي ليست الاجابة القاطعة واحدة على هذا السؤال. ومما لايدع اي مجال للشك ان للعولمة ابعادا ايجابية كثيرة, ومنها تبادل المعلومات والعلاقات الثنائية والجماعية الثقافية والعلمية والفنية وتعميم البرامج الدراسية بما يمكن من تأهيل الكادر للعمل في كل انحاء العالم, وكذلك تبادل الافكار والتجارب وازالة القيود الحائلة دون التعاون الاقتصادي والثقافي وتعاون الدول فيما بينها في حالة الكوارث والازمات ومن اجل حماية البيئة الطبيعية بما يخدم العالم اجمع وكل دولة على حدة معا. ولكن هذه التطورات قد تترتب عليها الاثار والنتائج السلبية المضرة بمصالح بعض الدول والشعوب بل مصالح العالم كله احيانا, مما يعود الى ان العولمة قد تسبق استعداد بعض الدول ومراكز القوى العالمية لاستعمال هذه الظاهرة الموضوعية استعمالا سليما, وبكلمة اخرى يمكن القول بأن العامل الموضوعي وهو العولمة قد لايرافقه العامل الذاتي وهو سلوك بعض الدول المناسب والملائم للاستفادة من العولمة لصالح الانسانية والانسان. فعلى سبيل المثال تتطلب العولمة اعادة الهيكلة الاقتصادية العالمية وهذا امر مجمع عليه, ولكن الدول الصناعية تحاول احيانا تنفيذ برامج النظام الاقتصادي العالمي الجديد ليس بغية تخفيف اوضاع الدول النامية, بل بالعكس تسعى نحو تحقيق الهدف المعاكس تماما, اذ تغطي طموحها نحو السيطرة الكاملة الاقتصادية على العالم تحت مظلة (العولمة) واروع الادلة على ذلك محاولة بعض الدول الصناعية استعمال منظمة التجارة العالمية كاداة لفرض القواعد الملائمة للاحتكارات العالمية الممثلة لمصالح بعض الدول الكبرى على باقي العالم, الامر الذي تجلى بوضوح في مؤتمر سياتل الاخير. وشأن تصادم بعض جوانب العولمة مع مصالح البلدان النامية, شأن عدم الانسجام لبعض ابعاد العولمة السياسية والقانونية مع المصالح القومية للدول الكثيرة اذ يغطى المجتمع الدولي الذي تسوده الدول الغربية الكبرى, تدخلا في شئون الدول الاخرى الداخلية تحت مظلة العناية بحقوق الانسان وبدعوى (وقف الكارثة الانسانية) , حتى يستعمل المصطلح الجديد (التدخل الانساني) لتبرير هذه التصرفات. ولاشك في ان حقوق الانسان هي قيمة يجب حمايتها والدفاع عنها ولكن هذه الحماية يجب ان تتم بالطرق التي لاتخالف غيرها من القيم المكونة لعناصر الحضارة المعاصرة, مثل سيادة الدولة والتعددية السياسية وحق كل عضو من اعضاء المجتمع الدولي في ذاتيته وهويته الثقافية والفكرية, اي لاتخالف مفهوم الديمقراطية المعاصر الذي لايقتصر على الاعتراف باعلاء مصالح الاغلبية بل يعتمد على مراعاة مصالح الاقلية والاخذ بعين الاعتبار لرزي كل واحد بما فيه الرأي المعارض لموقف الاكثرية او بعبارات اخرى تستلزم الديمقراطية المعاصرة حماية مصالح كل عضو من اعضاء المجتمع الدولي دون الاخلال بالمصالح العامة, وعلى ضوء ذلك قد تتصادم العولمة مع الديمقراطية بمعناها هذا اذ تنطلق العولمة من وحدة العالم والمعايير العامة, وعلى هذا الاساس قد تفرض القواعد والانماط المصاغة في المجتمع على المجتمعات الاخرى القائمة على التقاليد والعقائد المختلفة. فمهوم العولمة كتقارب انماط الحياة للدول المختلفة لكي تقبل نمط الحياة الغربي, في الحقيقة هو مفهوم احادي القطب, يجب ان يكمله المفهوم الاخر الذي يرى التعددية الثقافية والفكرية والعقائدية والقانونية عنصرا مكونا من عناصر العولمة, الى جانب التقارب بين الثقافات والافكار ووحدة منطلقاتها الاساسية. ومن المميزات الخاصة للعالم العربي على سبيل المثال هويته الاسلامية التي تحتوي على شتى ميادين حياة الدول العربية, واذا كانت العولمة ظاهرة عالمية تمتلك الاسس المشتركة العامة لكافة الدول, فيجب ان تحتوي منجزات الحضارات العالمية المختلفة بما فيها الحضارة الاسلامية. فهل يمكن تسمية القيم المعترف بها من قبل جميع اعضاء المجتمع الدولي عالمية وعامة اذا لم تشمل قيم الامة الاسلامية وتقاليد الشعوب المسلمة؟ طبعا لا, اكثر من ذلك فمفهوم العولمة نفسه في حاجة الى تأويله وصياغته في اطار مختلف التقاليد والنظم العقائدية بما فيها الفكر الاسلامي ايضا. وعلى سبيل المثال اذا كانت الدول الكبرى في سعيها نحو العولمة تبرر سياستها بدعوى (مصلحة حماية حقوق الانسان) فمن وجهة النظر الشرعية الاسلامية يجب ان تستجيب هذه المصلحة لبعض الضوابط المحددة انطلاقا من مدلول المصالح المرسلة في الشريعة الاسلامية, ومن هذه الضوابط ان تكون هذه المصلحة حقيقة وليست وهمية, كما يجبان تكون عامة وليست خاصة, وفي اخر المطاف يجب الا تخالف هذه المصلحة نصا شرعيا, وفيما يخص العولمة يجب الاتخالف المعايير القانونية الدولية. ولاشك ان العولمة بصورة عامة ظاهرة ايجابية تأتي بالمنافع العديدة للعالم ولاي دولة من الدول المعاصرة, على ان تلتزم العولمة بمعايير القانون الدولي لان القانون في الوقت الحاضر معيار عام وشامل, اذ ينطلق القانون من مبدأ المساواة الذي يرفض سياسة الكيل بالمكيالين وخضوع بعض الدول للبعض الاخر, وعند تصادم العولمة مع الديمقراطية يجب ان يكون القانون حكما لهذا الصراع, ولا اتكلم عن القانون الدولي وحده بل عن الحضارات القانونية المختلفة, بما فيها الفقه الاسلامي الشهير بالمبادىء والقواعد الكلية التي يجب اخذها بعين الاعتبار عند صياغة مفهوم العولمة وتحديد الموقف من هذه الظاهرة العالمية ومن هذه المبادىء مثلا اولوية درء المفاسد امام جلب المنافع واختيار اهون الشرين, وفي طليعة هذه القواعد قوله عليه الصلاة والسلام (لا ضرر ولاضرار) الذي يفسح المجال للتمييز بين مختلف ابعاد العولمة. اما موقف الوطن العربي من العولمة والتعاون مع اعضاء المجتمع الدولي, فيجب ان ينطلق من قوله تعالى :(وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الاثم والعدوان) * معهد الدولة والقانون ـ موسكو