اصبح موضوع العولمة اكثر المواضيع تداولا في الآونة الاخيرة واعتبرت من أهم القضايا المطروحة في هذا العصر, اذ تثير حيرة كبيرة وهواجس كثيرة, وذلك لان سرعة التغيير المصاحب لها اصبحت مذهلة, ولنا ان نتساءل اليوم ما هي ابعاد العولمة وتأثيراتها بالنسبة للدول العربية وما هي الكيفية التي ينبغي لنا ان نتعامل معها؟ ما هو اثر العولمة على تحرير النشاط التجاري وانتقال رؤوس الاموال وتسخير التقنيات وتنقل العمالة في البلاد العربية؟ كيف يمكن للبلاد العربية الاستفادة من التحولات الاقتصادية العميقة التي تجتاح العالم؟ وكيف ينبغي لها ان تتعامل مع البيئة التجارية العالمية الجديدة المتسمية بالانفتاح وبتعاظم التكتلات الدولية؟ لقد انتشر مفهوم العولمة بالتزامن مع تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي واجراءات التحرير التجاري التي انتهجها العديد من الدول وكذلك تسارع التقدم في قنوات ووسائل الاتصال, ومع تزايد استخدام التقنيات المصرفية الحديثة في المراكز والاسواق المالية. الدولية ان مفهوم العولمة يقوم على انفتاح النشاط الاقتصادي بالدرجة الاولى واندماج اسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وانتقال رؤوس الاموال والتقنيات والثقافات, مما يؤدي الى اختراق الحدود والى القضاء على عزلة الدولة القومية واندماجها مع العالم الخارجي, وذلك بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي للدولة. وللعولمة تجليات متعددة اقتصادية وسياسية وثقافية واتصالية, تجليات اقتصادية تظهر اساسا في نمو وتعمق الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصاديات القومية, في وحدة الاسواق المالية, وفي تعميق المبادلات التجارية في اطار نزعت عنه قواعد الحماية التجارية بحكم ما نتج عن آخر دورة للجات, وانشاء منظمة التجارة العالمية, المؤسسات الدولية الاقتصادية كالبنك الدولي وغيره. وتثار بالنسبة الى التجليات الاقتصادية للعولمة مشكلة ازمة الدولة القومية وتأثير العولمة في مفهوم وتطبيقات فكرة السيادة الوطنية, من ناحية اخرى تثور المناقشة حول دور الدولة في ظل العولمة الاقتصادية, من ناحية تأكيده او تغيير صورته, بالاضافة الى اسئلة شتى حول صلاحية نظام حرية السوق ليكون اساسا للتنمية في مختلف بلاد العالم, والمخاطر التي يمكن ان تنجم من التنمية الوحيدة البعد والتي تركز فقط على الجانب الاقتصادي. وهناك تجليات سياسية للعولمة من ابرزها سقوط الشمولية والسلطوية, والنزوع الى الديمقراطية والتعددية السياسية, واحترام حقوق الانسان. وفي هذا الصدد تثار عدة اسئلة: هل هناك نظرية وحيدة للديمقراطية هي الديمقراطية الغربية؟ هل هناك اجماع على احترام مواثيق الانسان؟ للاسف الشديد هناك ازدواجية المعايير في تطبيق قواعد حقوق الانسان, وذلك بسبب هيمنة بعض الدول والاستخدام المعيب لفكرة التدخل, والذي يؤدي الى اصدار قرارات باسم الشرعية الدولية لحصار بعض الشعوب. ومن ناحية اخرى هناك تجليات ثقافية عالمية, والسؤال هنا: هل تؤدي الثقافة العالمية حال قيامها وتأسيسها الى العدوان على الخصوصية الثقافية مما يهدد هويات المجتمعات المعاصرة؟ واخيرا هناك عولمة اتصالية تبرز اكثر ما تبرز من خلال البث التلفزيوني عن طريق الاقمار الصناعية, وبصورة اكثر عمقا من خلال شبكة الانترنت التي تربط البشر في كل انحاء المعمورة, وتدور حول الانترنت اسئلة كبرى ولكن من المؤكد ان نشأتها وذيوعها وانتشارها ستؤدي الى اكبر ثورة معرفية في تاريخ الانسان. ان العولمة ليست خيارا انما هي حقيقة واقعة علينا ان نعيشها ونتعايش معها والتي فرضها هذا التقدم التقني الهائل وتطور المعلوماتية, الامر الذي سارع في تغيير معايير الانتاج عالميا وفي العلاقات التجارية والدولية. وربما من المفيد ونحن نتعامل مع العولمة, ربطها بما يجري حاليا في العالم من تحولات. فالكل يلاحظ ويشعر بأن البشرية دخلت قرنا جديدا والفية جديدة في التاريخ وهي مقبلة على عالم جديد وربما حضارة جديدة ومختلفة كل الاختلاف عن كل ما عرف حتى الان. ان البشرية تعيش وقائع حياتية وفكرية جديدة والمجتمعات تتكيف مع تقنيات جديدة وثقافة عالمية جديدة, وتجدر الاشارة هنا الى ان عالم التسعينيات مختلف تماما عن عالم الستينيات وان نهاية القرن تختلف عن بدايات القرن, فكل ما حدث في عقد التسعينيات من تطورات وتحولات اقتصادية وسياسية وعلمية ومعلوماتية مذهل ومدهش ومثير وغير اعتيادي. ان هذا هو اقل ما يمكن ان يقال على هذا العقد الذي شهد تحولات فجائية وسريعة وخارقة في سرعتها على الخارطة الحياتية والفكرية المعاصرة, فقد اصبح هذا العقد اكثر ترابطا من اي وقت اخر. فلقد برزت فجأة وسائل وتقنيات جديدة تزيد من ترابط الدول والاقتصاديات والمجتمعات والافراد في العالم, فالفضائيات والفاكسات وشبكات الانترنت والبريد الالكتروني ووسائل الاتصالات والمواصلات السريعة. ان الامر المؤكد والذي لم يعد يقبل الشك هو ان عالمنا يصغر وينكمش يوما بعد يوم. لقد تقلصت المسافات واقتربت الدول, الشرق اصبح اكثر قربا من الغرب والشمال اصبح متداخلا مع الجنوب, والحدث السياسي او الرياضي او الذي يقع هنا يسمع ويشاهد في اللحظة نفسها هناك بحيث لم يعد هناك فرق كبير بين هنا وهناك, لقد اصبح الجميع جيرانا في عالم واحد وسكان قمر كوني واحد, البشرية تعيش في قرية عالمية واحدة, ان الثورة العلمية والتكنولوجية التي تكتسح العالم حاليا هي وليدة العولمة والتي تستمد طاقتها وحيويتها من هذه الثورة, وعلى ذلك فالعولمة ليست اكثر من استفادة الدول والمجتمعات الاستفادة القصوى من معطيات هذه الثورة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وعالم الكمبيوتر وغيره من المجالات الاخرى التي عرفتها البشرية في هذا القرن, فالكمبيوتر يتجه من السريع الى الاسرع ومن الصغير الى الاصغر ومن الرخيص الى الارخص, وشبكات الانترنت تحولت الى عملاق يوحد العالم ويقدم بيانات ومعلومات بتكاليف اقل وبوضوح اكثر وعلى مدار الساعة ودون تدخل من قبل الدول ولقد فتحت هذه المستجدات افاقا معرفية جديدة لفهم ادق التفاصيل في الكون والحياة والمادة. ولعل الاشكالية التي تفرضها العولمة بالنسبة لنا في الدول العربية تنبع من تأثيراتها الحالية والمحتملة على الاقتصاديات العربية, وهي اكثر من غيرها مطالبة بالتعامل مع هذا الوضع لما تتميز به اقتصادياتها من خصوصية تختلف عن بقية الدول وهي: ارتباط الدول العربية بالعالم الخارجي بصفتها مصدرة اساسية للموارد الطبيعية ومستوردة اساسية للسلع الغذائية, الزيادة السكانية المطردة وارتفاع البطالة الناجمة عن تدني المستوى التقني للانتاج والادارة في ظل منافسة دولية متقدمة, واخيرا عمق المشاكل السياسية والاستراتيجية والامنية في الوطن العربي, تفرض على الدول العربية انتهاج موقف متفاعل مع العالم بما يقلل من عزلتها ويزيد من منافع الاتصال المباشر مع القوى الاقتصادية العالمية. لا تبدو العولمة حادثا جديدا وليد ثورة المعلومات الراهنة في هذا المجال لكنها حققت قفزة نوعية في عصرنا الحالي, وعلى الرغم من مشاركة اوروبا واليابان ودول اخرى في مفاهيم الاقتصاد الحر الا انها لا تقبل الهيمنة الدولية, واذا كانت العولمة قد اقامت مؤسساتها الدولية كمنظمة التجارة العالمية والتكتلات الاقتصادية الكبرى والبنك الدولي فذلك لفرض الدول الغنية سيطرتها على الدول الفقيرة, بل تأمر الدول الغنية ومحاولاتها لتهميش دور هذه الدول على خريطة الاقتصاد العالمي, وظهر ذلك بوضوح خلال مؤتمر سياتل لمنظمة التجارة العالمية ولعبة الكبار مع الصغار وتلك النهاية الدرامية التي انتهى بها هذا المؤتمر. صحيح انه يعد انتصارا للدول الفقيرة ولكن المستفيد الاكبر هي الدول المتقدمة, فقد ادركت الدول النامية انها وقعت في شراك الدول المتقدمة ومدى الظلم الذي وقعت فيه حينما تصورت ان المخرج الوحيد من ازماتها الاقتصادية هو الانضمام الى هذه المنظمة وتحرير التجارة, بل قامت حكومات بعض الدول الفقيرة برفع الدعم عن بعض المنتجات ارضاء للمنظمة الامر الذي ادى الى الحاق الضرر بها وهددها بالقضاء على ما سبق وما حققته في مجال التنمية, بل ساعد ذلك على ارتفاع نسبة البطالة ذلك الشبح المخيف ومفجر القلاقل والحروب والذي يهدد البشرية كلها والذي يقف عقبة امام تحقيق اي تنمية نتيجة لتفشي ظواهر مثل الفقر والجوع والحروب والامراض وعمالة الاطفال, وايضا الى وجود ظواهر اجتماعية لا اخلاقية مثل ظاهرة العنف والتطرف والتفرقة العنصرية والادمان. وبدلا من قيام الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة المتضررة من تحرير التجارة ومحاولة مساعدتها في التغلب على ازماتها الاقتصادية من خلال فتح الاسواق امام الدول النامية لتصدير منتجاتها وكذلك مساعدة الدول النامية على تحقيق النهضة التكنولوجية وذلك من خلال استفادة هذه الدول من خبرات الدول المتقدمة في مجال تكنولوجيا المعلومات, نجدها تضع العراقيل امام هذه الدول لمحاولة منع تدفق صادراتها في الوقت الذي تقوم فيه الدول الغنية بإغراق اسواق الدول الفقيرة بمنتجاتها وبالتالي القضاء على المنتجات المحلية وزيادة نسبة البطالة في هذه الدول. كذلك تقوم الدول المتقدمة بتصدير كل ما هو رديء من التكنولوجيا واجتذاب الايدي العاملة المؤهلة وذلك من خلال الاغراءات المالية التي تقدم لهم, والنتيجة حرمان الدول النامية من سواعد ابنائها وبالتالي حرمانها من مواكبة التقدم التكنولوجي ومنافسة الاسواق العالمية حتى تظل باستمرار تبعيتها للدول المتقدمة وحتى تظل فقط اسواق الدول النامية مفتوحة على مصراعيها امام منتجات الدول المتقدمة, وكذلك فرص العمل متاحة فقط لابناء هذه الدول وبالتالي الحد من ظاهرة البطالة التي تعاني منها معظم الدول المتقدمة وان كانت نسبة البطالة في هذه الدول اقل بكثير من الدول النامية تعاني من ارتفاع نسبة البطالة وخصوصا مع وجود الثورة التكنولوجية التي ادت الى تقلص الايدي العاملة في كثير من المجالات, بل ومحاولات الدول المتقدمة المستمرة لتهميش دور الدول النامية والعمل على محوها من خريطة العالم. والامر الذي يثير الدهشة ونحن ندخل القرن الحادي والعشرين ان نصف سكان العالم يعانون فقرا مدقعا, بل وارتفاعا في نسبة البطالة وايضا تزايد اعمال العنف والوحشية, فالقرن العشرون كان من اكثر القرون هلاكا للبشر في التاريخ الانساني, وامام ثورة المعلومات وهذا التدفق في المعرفة والتكنولوجيا ونحن نتجه الى الاقتصاد الكوني, نجدنا امام مزيد من البطالة اذ ان 80% من سكان العالم سيكونون في يوم فائضين عن حاجة سوق العمل وهو تقسيم جديد يضاف الى التقسيم الذي يوزعهم الى 20% من السكان يقيمون في دول صناعية, بينما 80% يقيمون في دول متخلفة. وفي ختام هذا الحفل الرباعي والمائدة المتضخمة بالمشاكل والتحديات, ومع بزوغ شمس الالفية الجديدة وبداية عصر جديد, عصر التكتلات الاقتصادية القوية عصر الاقتصاد الكوني عصر المصالح المشتركة اين العرب من كل ذلك؟ اين التكتل الاقتصادي العربي او منطقة التجارة الحرة او اي شكل من اشكال الاندماج لمواجهة تحديات المستقبل والمتمثلة في انفتاح الاسواق؟ لماذا لا تكون هناك تجارة الكترونية عربية؟ هل كلها مجرد احلام تذهب ادراج الرياح ام انها واقع يجب تحقيقه ام نترك الامور كلها للدول الكبرى كي تقرر المصير؟ لا يخفى عليكم ان القرن الحادي والعشرين يفتح ابوابا واسعة على تحولات وتبدلات في الافكار والقيم والعلوم والتقنيات المتطورة, وهذا ما يجعل المجتمعات السياسية في كل اقطار العالم وخصوصا العالم الثالث, امام تحديات خطيرة ومشكلات تكاد تكون مستعصية, ويضعها وجها لوجه في مواجهة غير متكافئة بين ما تفرضه التكنولوجيا الحديثة وتقنياتها العصرية المعقدة وبين واقع المجتمعات في الدول النامية, ونحن في العالم العربي منها, وما تمتلكه من قدرات وامكانات على احداث التغيير المرتجى, املا في مواكبة حركة العصر بالسرعة المطلوبة لتعويض ما فاتها, ومن اجل احداث نقلة نوعية في اوضاعها الاقتصادية والادارية والاجتماعية, وفي وقت نرى فيه الدول المتقدمة تجتاح عبر الفكر والاقتصاد والتكنولوجيا واشكال التعاون المختلفة الحدود السياسية والجغرافية لبعضها البعض, وتقفز فوق الكيانات السياسية والجغرافية للدول النامية لتحدث, بما تحمل من افكار وما تملك من تكنولوجيا متطورة, تغييرا في كثير من المفاهيم والقيم التي قامت عليها تلك المجتمعات وتحل محلها مفاهيم مغايرة وتفتح عصرا جديدا في القرن الواحد والعشرين, وتطرح مفاهيم لم تكن متداولة او حتى مألوفة, باتت تشكل اليوم عناوين المرحلة المقبلة كتعبير العولمة وغيرها من أشكال التعاون والتكتلات المالية والاقتصادية, على الصعيد العالمي او على الصعيد الاقليمي, ولن يكون اخر ما في السلسلة من التغييرات ما تم من توحيد للعملة بين دول الاتحاد الاوروبي والذي اعتبر ايذانا بانبلاج فجر عصر جديد لا يمكن التكهن بنتائجه وثماره المستقبلية على المستوى السياسي او على المستوى المالي والاقتصادي. ولن يستطيع العالم العربي ان يبقى بعيدا عن هذا التفاعل او محصنا وخائفا من ان تمسه رياح التغيير, فالمنطقة العربية بموقعها الاستراتيجي وثرواتها المختلفة واسواقها المستقبلية المحتملة لن تكون قادرة على التقوقع او العزلة او الانغلاق وليس في مصلحتها ذلك, وبالتالي لا يمكن ان تبقي نفسها خارج مد الاقتصاد العالمي. وفي مواجهة كل هذه التحديات, نتمنى ان نرى تكاملا اقتصاديا عربيا وان نشهد ميلاد السوق العربية المشتركة والعمل على تعزيز اواصر التضامن والتعاون والتنسيق فيما بين شعوبنا لتصبح اقدر على التنافس على الصعيد الدولي, وكذلك تعزيز رأس المال البشري وتنميته وذلك لضمان تحقيق تنمية قابلة للاستمرار على المدى الطويل, والتعاون بين القطاع العام والخاص. * باحث من الامارات EMAIL: A426MAK@EMIRATS.NET.AE