شهدت اللغة العربية على امتداد تاريخها الطويل, ولاسيما عقب مرحلة الهيمنة الاستعمارية وما تلاها من مراحل التحرر الوطني, محاولات مختلفة لمناهضتها والتقليل من شأنها وتشويهها. وقد بذل اعداء العربية من اجل تحقيق غاياتهم ـ افراداً وجماعات ـ سبلاً ومناهج واساليب , مباشرة وغير مباشرة, تكسرت جميعها على نصال لغتنا الحية, ميثاق وحدتنا الروحية, مثبتة اصالة هذه اللغة وجدارتها وحيويتها. لكن المؤسف ان هذه المحاولات التي ذهبت ادراج الرياح ولم تستطع النيل من عظمة العربية, وجدت من ابنائها اليوم ممارسات وانماطا من السلوك, الواعية منها وغير الواعية, ما اعان على الاساءة اليها والحط من مكانتها وتشويه صورتها النضرة, حتى وصل الامر الى حد لا يحسن السكوت عليه, وصار واجبا علينا التحرك جميعا؛ كل من موقعه, لتفادي مثل هذه المخاطر المحدقة بلغتنا. لقد بدا واضحاً اننا اصبحنا اليوم نسعى لاهثين للحاق بركب الغرب, وهو امر محمود ان كانت غايته تحقيق التقدم العلمي. من هنا كان تسابقنا لتدارس لغته واتقانها والحرص عليها في مدارسنا وجامعاتنا, الخاصة والعامة, ايماناً منا بأن الدخول عبر بوابة الغرب لابد من ان يبتديء بمفاتيحه الاولى؛ اللغة, ولا غبار على ذلك ولا شك. لكن هذا الاهتمام وذلك الحرص ينبغي الا يتجاوز حده فيتم على حساب اللغة الام, ليكون معنى الاهتمام الا يتكلم الفتيان والشباب في جدهم ولهوهم, في منازلهم وحلقات لقائهم, إلا باللغة الاجنبية, وان يرافق ذلك طغيان طقوس من التعالي على العربية والاستهانة بها وإهمالها من قبل ادارات تلك المؤسسات التعليمية وبعض اسر الطلبة على حد سواء. دعوات مشبوهة لقد شاع في حياتنا الثقافية يوما ان العربية لغة فقيرة محدودة وقاصرة عن استيعاب المصطلحات الاجنبية واسماء المخترعات والمستجدات العصرية التي تدهمنا بها حضارة الغرب الحديثة يوما بعد يوم. ولما كانت تلك المسميات والمصطلحات الاجنبية الوافدة ابنة الحضارة الغربية ومستجداتها, فقد كان لزاما على المعنيين باللغة العربية وعلى رأسهم مجمع اللغة العربية ان ينسقوا جهودهم في مختلف الدول لاستنفار جهود العلماء والمختصين, لبحث امر تلك الالفاظ بغية اقرار الالفاظ البديلة, ابداعا وتعريباً. لكن الملاحظ على تلك الجهود, على ما لها عندنا من تقدير, ان اكثرها ضاع في ظل عدم القدرة على التنسيق الشامل المطلوب, في حين ذهب بعضها الآخر في خضم جهود عقيمة, ركنت الى نظرة تقليدية وافتقرت الى الافق اللغوي العصري الذي يأخذ في حسابه, فضلاً عن السلامة والدقة والصواب, المرونة والحيوية في الاشتقاق والنحت والابداع, النظر الى الألفاظ اللغوية بوصفها بنية حية تندرج ضمن شروط النمو والحياة والتطور. ولعل النظرة التقليدية الى اللغة وضيق الافق اللغوي من شأنهما ان يسيئا الى اللغة ويدعما المواقف المناوئة لها, الساعية الى الحط من مكانتها, فضلاً عما يمكن ان يجر عليها من مظاهر السخرية وفقدان الثقة. وليس بعيدا ما ظل ماثلاً في الذهن بإزاء ما شاع يوما عن جهود لغويينا في ايجاد بديل للفظ (السندويتش) الاجنبية! مخاطر داخلية اما اكثر المظاهر تخريبا للغة وأشدها دهشة, فهي تلك التي تعمل على تشجيع مواطني الامة في الوطن العربي على الخضوع للغة الاجنبي الوافد والسعي الى تعلم لغته والمجاهدة في مخاطبته بها, وان تطلب الامر لي اعنة ألسنتنا ودعم ركاكة ألفاظنا واعوجاج مخارج ألفاظنا. وبدلاً من انتهاج السبيل المتبع في دول العالم اجمع من ضرورة مخاطبة الاجنبي الوافد أقوام البلدان النازح اليها بلسانهم ولغة بلادهم وضرورة السعي لتعلم تلك اللغة, صرنا نسعى بطيبة خاطر وسماحة الى الرطانة باللغة الاجنبية التي يلوكها الاجنبي وان لم تكن لغته الام او يتعدى فك الخط فيها. بل تعدى الامر ذلك ليصل الى ان نتعلم لغته الثانية لتسهيل مهمة مخاطبته وفهمه والاعلان في المحلات والاماكن العامة والحدائق عما نريده ونعلن عنه بتلك اللغات. ومما يتصل بهذه المظاهر الغريبة ان السماح للوافد الأجنبي في التخاطب بلغته وحماستنا لمحادثته بلغته الثانية, وعدم اشتراطنا تعلمه ـ ولا نقول اتقانه ـ لغتنا, ادى في احوال كثيرة اخرى الى نتائج خطيرة. فمن هؤلاء الوافدين اصحاب اللغات الاعجمية الاخرى ممن يعملون في خدمتنا وتربية ابنائنا وناشئتنا, ويقضون معهم اوقاتاً اطول مما نقضيه مع هؤلاء الاطفال احيانا. ولك ان تتخيل حجم النتائج السلبية التي تترتب على الازدواجية اللغوية التي ينشأ عليها الطفل في ظل وجود هؤلاء ممن لا يعرفون اللغة العربية او يفقهون منها لفظاً او مفردة. وفي ظل وجود هذه المظاهر ووجود اجواء اخرى تفتقر الي التخطيط المنهجي والتوعية الثقافية والبرامج التفصيلية للحفاظ على لغتنا وتحبيبها لناشئتنا وتسهيلها للتداول, نكون قد عملنا على خلق مشكلات اضافية تزيد من حجم الاعباء المترتبة على كاهل المؤسسات الثقافية والمجامع اللغوية والجمعيات والمنظمات ذات الطبيعة اللغوية والثقافية في حياة المجتمع والامة, بدلاً من الاخذ بيدها ودعم مناهجها والافادة من برامجها في تذليل الصعوبات وتجاوز العوائق والمشكلات التي تسعى تلك المنظمات الى مواجهتها وايجاد الحلول المناسبة لها. خطوة رائدة ولعل الخطوة الرائدة التي قام بها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة لتأسيس جمعية اللغة العربية, تكون نقطة البدء لتصحيح المسار الملتبس, والانطلاقة الاولى لوضع (استراتيجية) ثقافية شاملة تعتمد على جهود المؤسسات والجمعيات والمراكز ذات الاهتمام الثقافي والادبي واللغوي المشترك, لانجاز المقررات والخطوات التفضيلية لتلك (الاستراتيجية) وفق خطوات واقعية قابلة للتحقق على شكل برنامج طموح يبدأ من نقطة الصفر صعودا نحو الخطوات النهائية الطموح وخلال جدول زمني محسوب, تعمل على متابعته ودعمه لجان رئيسية واخرى متفرعة (ثابتة ودورية) , كل من موقعه, وفي ظل اشراف مركزي وتقويم دوري. هكذا يكتسب القرار الجريء لصاحب السمو حاكم الشارقة القاضي باعتماد اللغة العربية وسيلة وحيدة للتخاطب في دوائر الدولة الرسمية بمختلف اشكالها بدلاً من اللغات الاخرى, يكتسب مضمونه الحقيقي وفاعليته المرجوة بوصفه ترجمة عملية لأبرز اهداف الجمعية. ان من اولى المهام التي ينبغي ان تظل ماثلة في اذهاننا ان وضعاً على هذا المستوى من الخطورة والالتباس, لا يمكن تصحيحه من خلال مقررات عليا ونيات طيبة وبرامج فوقية فحسب. كما ان هذه البرامج والمقررات لا يمكن لها ان تجد الحلول الناجعة لمعضلاتنا المزمنة بمعزل عن عمل يستظل بتقاليد روح الفريق والتخطيط المنهجي (الجمعي) . فما نحتاجه في هذه المرحلة هو تداعي جهود الامة لتفادي تلك المخاطر وعدم التفريط بأي منها. آليات مقترحة ورغبة منا في الاسهام في وضع قرار صاحب السمو حاكم الشارقة موضع التنفيذ وتفعيل دوره, وصولاً الى جني ثمراته المرجوة, فاننا نقترح عددا من الخطوات والآليات التي يمكن ان تحقق تلك الاهداف؛ منها: 1ر تشكيل الجمعية لجنة عامة مشتركة تضم ممثلين عن المنظمات والهيئات والجمعيات والمراكز ذات الطابع الثقافي مثل: الادباء والكتاب, الاكاديميين, الخبراء التربويين, الصحفيين, رؤوساء القنوات والبرامج الثقافية (التلفزية والاذاعية) ؛ غايتها تدارس وضع العربية من جوانبه المختلفة للخلوص الى تشخيص ابرز المخاطر والمشكلات, كل في حقل نشاطه, واقتراح التوصيات المناسبة. 2ر تشكيل لجنة تنفيذية منبثقة عن اللجنة الرئيسية مهمتها ترجمة التوصيات والمقررات التي تخلص اللجنة الاولى اليها الى برنامج عمل تفصيلي محدد. 3ر العمل على ادخال بعض توصيات اللجنة المشتركة في المقررات الدراسية, ولا سيما فيما يتعلق منها بتسهيل تدريس العربية وتحبيبها للناشئة. 4ر السعي الي استصدار قرار يقضي بضرورة تعلم الاجنبي الوافد اللغة العربية في بحر ستة اشهر, لا يتسلم عمله داخل البلد الا بعد ثبات اهليته من قبل لجنة خاصة فرعية تتبع اللجنة الرئيسية. 5ـ السعي الي استصدار قرار يحظر عمل المربيات الأجنبيات ما لم تكن إحداهن تحسن اللغة العربية نطقا ومحادثة على الأقل. 6 ـ زيادة الحرص على سلامة تلفظ العربية ودقتها عند اخوتنا وأخواتنا المذيعين والمذيعات, بفتح دورات نصف سنوية تهدف إلى رفع كفاءة المذيعين والمذيعات وتطويرها. 7 ـ الاهتمام الخاص بمتابعة المدرسين والمدرسات في مراحل رياض الأطفال والمراحل الابتدائية والتوكيد على الدقة في الاختيار والتعيين. 8 ـ دعوة النشاط الثقافي (التلفزي والاذاعي) الأكاديميين إلى التقدم ببرامج ثقافية (لغوية), هدفها تحبيب العربية لأبنائنا وناشئتنا بأفضل السبل وأكثرها يسرا وتشويقا مع تخصيص مكافآت تشجيعية للفائزة منها. 9 ـ دعوة كتاب السيناريو والمخرجين وتشجيعهم لوضع تلك البرامج موضع التنفيذ وفق أفضل العروض. 10 ـ التنسيق مع الوزارات ذات الشأن بغية تشكيل لجان متخصصة للنظر في المناهج الدراسية (اللغوية) بدءا من رياض الأطفال وانتهاء بالمراحل الثانوية بغية تشذيبها من المباحث والموضوعات اللغوية التي تحشى بها عقول الطلبة دون ان تكون لها دواع عملية أو استعمالات واقعية في حياتنا, وهي المباحث التي عادة ما تكون سببا في تنفير الناشئة من لغتنا وشكواهم من صعوبتها وتعقيدها. 11ـ دعوة الكتاب والأدباء لتقديم البرامج الدرامية (الثقافية والعلمية), بالتنسيق مع الجهات ذات الشأن, ضمن اطار تشويقي وترفيهي يتوجه إلى الفتيان والأطفال. 12ـ تشجيع الأدباء والكتاب ذوي الاهتمامات الثقافية الخاصة بالأطفال واقامة المسابقات لأحسن الكتب تأليفا للأطفال, قصة وشعرا, وتقديم مكافآت تشجيعية للفائزة منها. 13ـ التوصية بالاهتمام بالطلبة المتفوقين في العربية وتكريمهم دوريا ووضعهم مع أقرانهم في أنشطة ثقافية وأدبية جمعية والتنويه بهم اعلاميا. 14 ـ التشجيع على تقديم البرامج الدرامية الخاصة بالشخصيات اللغوية في تراثنا العربي وترجمة حيواتهم بأسلوب درامي شائق مع تخصيص مكافآت مجزية لأصحابها. 15 ـ زيادة نسبة برامج المسابقات اللغوية ذات الصفة الثقافية العامة في برامجنا الاذاعية والتلفزية, بغية اشاعة المعلومة اللغوية الصحيحة وغرسها في أذهان الناشئة. 16 ـ التوصية بضرورة اعتماد المدرسين والمدرسات في مرحلتي الابتدائية ورياض الأطفال على وسائل الايضاح المتقدمة الشائقة. 17ـ السعي لدعوة الفنانين العرب المبدعين إلى مسابقة اعداد فيلم (كارتوني) عربي يعتمد أسلوبا حكائيا عن احدى قصص التراث العربي ومغامراته وبطولاته ذات العبرة الايجابية وبلغة عربية ملائمة للناشئة, يخصص للفائز منها مكافآت تشجيعية. 18 ـ السعي إلى استقطاب الأطر والمؤهلات العربية واحلالها في المؤسسات الادارية إلى جانب الأطر الأجنبية, رغبة في احداث موازنة من شأنها ان تحد من أثر طغيان العنصر الأجنبي وتأثير لغته في العمل والشارع. 19 ـ اطلاق التسميات العربية المرتبطة بشخصيات رجالات تراثنا الثقافي (اللغوي وسواه) على شوارعنا وساحاتنا ومبانينا الجديدة, اشاعة للمعلومة وتعريفا بها. * ناقد وأكاديمي عراقي