(تحرير السودان في نظر قرنق هو الطريق الى (السودان الجديد) والعبارة الاخيرة ليست بأقل عتمة من الاولى رغم بريقها اللفظي الايحائي.ورغم حرص قرنق على عدم التوسع في تعريف (السودان الجديد) الا ان ما توافر من تصريحات متناثرة متباعدة من هنا وهناك تعطي في اجمالها وصفة نظرية ذات اساس عنصري . قبائل الجعليين والدناقلة والشايقية بفروعها في شمال الخرطوم وداخل الخرطوم نفسها... وقبائل الكواهلة في الجزيرة.. وقبائل كردفان من كبابيش وحوازمة وجوامعة ومسيرية وبديرية وشنابلة وحمر وغيرهم.. وقبائل الرزيقات والمعاليا في دارفور مع بطون البقارة كافة المنتشرين بين كردفان ودارفور... كل هؤلاء وغيرهم من القبائل التي يرجع اصلها الى الجزيرة العربية حاصل جمعهم انهم لا يشكلون في السودان الا اقلية من مجموع سكانه! هكذا تقول نظرية (السودان الجديد) .. وهي مدعومة باحصائية رقمية لا اعلم مصدرها يدعي فيها قرنق ان نسبة هذه (الأقلية) من اصول عربية تبلغ اقل من 40 في المائة بالمقارنة مع (الاغلبية) غير العربية, وهم اهل الجنوب زائد اهل جبال النوبة والانقسنا والبجه في الشرق (علما بأن اغلبية قبائلهم ترجع اصولها الى الجزيرة العربية) . فكيف اذن ـ تتساءل النظرية ـ يستقيم ان تستأثر الاقلية بالهيمنة على الحكم والثروة؟ هنا نأتي الى (السودان الجديد) والجدة في تصور قرنق هي (تصحيح) هذا الوضع بأن يقلب رأسا على عقب حتى تكون (الاغلبية) غير العربية هي صاحبة الهيمنة في الحكم والثروة. لماذا اقول انها نظرية عنصرية؟ لان قرنق يطرح اولا العروبة كدم وعرق لا كثقافة وحضارة... ولانه ثانيا يتجاهل الاسلام كدين وثقافة واسلوب حياة.. مع ارتباطه بالتراث العربي.. ولو اخذنا بهذا المعيار الاخير فان الاغلبية في السودان تنتمي الى الثقافة الاسلامية العربية. وفي كل الاحوال يبقى سؤال: لماذا الحرب؟ اذا كان جون قرنق يريد تصحيح الوضع الثقافي ـ السياسي السائد في السودان فانه يكون بازاء معركة حضارية لا معركة عسكرية, والمعركة الحضارية ادواتها الدعوة والعمل السياسي السلمي لا (الكلاشنكوف) . لقد كان السودانيون الشماليون يتوقعون ان يلقي قرنق السلاح فور سقوط نظام نميري ويكون حزبا سياسيا ليدخل لعبة التنافس الديمقراطي في ظل التعددية والحريات. لكنه لجأ الى المماطلة الفاضحة. علل مقاطعته للحكم الانتقالي بانه لن يتعامل مع (جنرالات نميري) , سوار الدهب وجماعته قائلا انه يفضل التعامل مع الحكومة الشرعية التي تأتي بها الانتخابات. ولكن ما ان اقتربت الانتخابات حتى اعلن مقاطعته لها مقدما, وعمد الى خلق ظروف اصعب في الجنوب لمنع العملية الانتخابية هناك حتى تكون لديه ذريعة جاهزة برفض الاعتراف بالحكومة الحزبية الديمقراطية التي تفرزها الانتخابات وقد كان. فقد اعلن على الملأ ان الحكومة الائتلافية المكونة من الحزبين الكبيرين ـ حزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي ـ في رأيه ليست شرعية. وذهب ابعد من ذلك فرفض ان يقابل رئيس الحكومة الصادق المهدي لانه لا يعترف بشرعيته. واشترط الا يقابل الصادق المهدي الا بصفته الحزبية كرئيس لحزب الامة رافضا صفته الرسمية كرئيس وزراء. اكثر من ذلك رفض قرنق النظام الديمقراطي برمته معتبرا اياه غير شرعي. في هذه الاثناء كان قرنق منهمكا في تصعيده العسكري الى ان احتلت قواته الكرمك مما اضطر زعيم الحزب المؤتلف في الحكومة الديمقراطية محمد عثمان الميرغني الى الشخوص الى بغداد بطلب عون عسكري عراقي لتحرير الكرمك وقد كان.