ها قد وصلنا وبأسرع مما كنا نتصور الى اليوم الذي يشتمنا فيه الاسرائيليون ويتطاولون علينا ويصفوننا بأقذع الصفات, حتى والسلام لم يبدأ بعد وبيننا وبينهم حالة حرب على أكثر من جبهة, فيزعم بيريز, عراب الشرق الاوسط الاسرائيلي الجديد, اننا دول فقيرة وقذرة تحيط بدولة ثرية ونظيفة, هي اسرائيل . وبيريز رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ووزير الخارجية سابقاً ووزير التعاون الاقليمي حالياً, طالب في المنتدى الاقتصادي بدافوس, كعادته في طروحاته التي تسبق الأحداث, بادراج قضايا التعليم والتربية على جدول أعمال المؤتمر الاقتصادي المقبل للشرق الأوسط, في اشارة واضحة منه الى تكريس التطبيع قبل السلام, فرد عليه عمرو موسى بوصف مصر هي الدولة المضيفة للمؤتمر بأن مصر تعرف ماذا تدرج على جدول الأعمال والمؤتمر أساسا اقتصادي, فرد بيريز في وقاحة: لا نريد أن نكون (أي الاسرائيليين) جزيرة ثراء وسط بحر من الفقر, أو بلداً نقياً يغرق في منطقة ملوثة! طبعاً موسى, الوزير الذي يكرهه الاسرائيليون, رد فوراً بكلام قوي وبما ينبغي ان يسمعه متعجرف كبيريز, فقال له: أنت لم تأت الى هنا لتعلمنا, وأنتم لستم أغنى الناس أو وحدكم الأغنياء ولديكم فقر في بلادكم, فنعتبر رده كافيا تماماً, لولا أن هناك في المنتدى الاقتصادي من يصدق أساساً وجهة نظر بيريز, من أمريكيين وأوروبيين, والا ما كانت السياسة الاسرائيلية كلها تصل الى هذا المستوى من الصلافة والوقاحة حتى وهي تسعى الى نيل سلام من جيرانها الذين تصفهم اليوم بالقذارة؟ ولن نسأل أي سلام ممكن وأي سلام متوقع مع مثل بيريز من الاسرائيليين, وهذا على كل حال افضلهم ثقافة وأكثرهم حماسا للسلام على طريقته, فاذا كان يرانا بالأوصاف تلك, فكيف يرانا اذن الحاخامات والمتعصبون الذين يعيشون على أوهام وخرافات دينية متطرفة؟ الأرجح أننا لسنا أكثر من مقلب قمامة في الوطن العربي كله بالنسبة لهم, ولسنا أكثر من برميل زبالة كمواطنين عرب, ومع ذلك فمطلوب منا ان نصنع سلاما معهم وأن نقيم علاقات طبيعية ونعيش معاً في مكان واحد. ونبقى مع بيريز, فهو وسياسيون اسرائيليون من أمثاله من حزبي الليكود والعمل معاً يقفزون الى الأمام لقطف ثمرات سلام لم يحصل بعد, فاذا كان المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط المواكب لعملية التفاوض من بنات افكار بيريز أساساً, فانه اليوم يريد تحقيق ما عجز عنه المؤتمر من تطبيع اقتصادي وثقافي وتعليمي, مربوط بالسلام, بوصف هذا التطبيع يساعد على السلام ويدفع اليه. وهكذا فان بيريز وأمثاله يريدون قطف ثمرات سلام لم يتحقق, وهو لن يتحقق اذا حصلوا على التطبيع من دون ثمن كما يريدون, ولا يكفي ان يزعم بيريز بأن انتظار السلام يفوّت على المنطقة فرص العولمة وايجابياتها, فيحرض على التطبيع قبل السلام, فيما كان من الاجدى بمن يعتقد نفسه داعية سلام حقيقياً ان يحرض على السلام أولاً لا على التطبيع, كما يفعل بيريز. غير اننا نختم بالرد على صفاقة بيريز لا على اطروحاته الفكرية, فهو اذا كان يعتقد اننا فقراء فذلك شرف لنا, لأننا لم نمد أيدينا لنشحذ المساعدات من أمريكا كما تفعل اسرائيل, كما اننا نعيش من عرق جبيننا وبسواعدنا لا من عرق جبين الامريكيين دافعي الضرائب كما يعيش الاسرائيليون الذين يتلقون مليارات الدولارات سنويا مساعدات واعانات, هي سر بعض تفوقهم اليوم, اما اذا كان يعتقد انه يعيش او يخشى من أن يعيش في محيط قذر, ففي ذلك ادانة لبيريز نفسه الذي سعى وأمثاله من اليهود من الشتات العالمي لكي يأتي اليه فيعيش فيه, فكيف يسعى النظيف الى بيئة قذرة ما لم يكن هو نفسه قذراً من الأساس فجاء يبحث عما يفتقده من نظافة؟