كثر الحديث, في الكتب ومختلف اجهزة الاعلام, من صحافة واذاعة وتلفاز, خلال السنوات الاخيرة, وبشكل لم يسبق له مثيل, عن الاحادية والتعددية, حتى غدا هذا الحديث من موضوعات الساعة الحساسة, واحد اسباب ذلك, اقتران الاحادية بعدة ظواهر ممقوتة, مثل الحكم الفردي والصحافة المقيدة والتوجيه الاعلامي الهادف, مقابل ارتباط التعددية بظواهر مشرقة وايجابية, مثل الديمقراطية وحرية الكلمة, واذا وضعنا الاحادية بجذورها العميقة تحت مظهر التقصي, لوجدنا انها تعنى في الاصل الانانية وحب الذات ورفض الرأي الاخر ونكران حقوق الاخرين, اما التعددية, فانها رديفة الغيرية والاعتراف بمصالح الغير, وتقبل النقد والرأي المضاد. ومن الوجهة الفلسفية, فان لكل مسألة من المسائل, او حدث من الاحداث عدة جوانب يمكن للانسان من خلالها ان ينظر اليها ويحكم عليها, وسنقدم الآن بعض الامثلة الواقعية البسيطة المستقاة من صميم حياتنا العملية, لتوضيح ذلك: فهناك مثلا: رياضة المصارعة الحرة التي يمكن النظر اليها ايجابيا, بوصفها فنا جميلا يرمز الى الشجاعة وحب المغامرة والاستعداد للتضحية في سبيل نيل المجد الرياضي. وفي المقابل, يرى الكثيرون من الناس في هذا الفن, ظاهرة سلبية وضربا من الحماقة التي تقود الى اضرار جسدية جسيمة قد تصل الى حد لقاء احد المتصارعين حتفه, فاذا طرحت احدى الصحف الرياضية مثلا, رأيا يؤيد احدى النظريتين الايجابية او السلبية, واصرت على هذا الرأي, وحاولت اقناع القراء بصحته, بشتى الطرق, ودون مبررات كافية فان الصحيفة تكون قد نهجت نهجا احاديا, اما اذا عرضت الصحيفة وجهتي النظر معا, واجرت موازنة بينهما, وناقشت المسألة من مختلف جوانبها, في ضوء جميع الاحتمالات, حتى تخرج بنتيجة توضح محاذير المصارعة الحرة ومخاطرها, ومن ثم تخلص الى ترجيح كفة المحاسن اوالمساوئ, فان هذا يشير الى ان الصحيفة قد سلكت مسلكا تعدديا. ومن الامثلة الاخرى, عادة الاكثار من تناول الاغذية التي يجوز استحسانها, لانها تؤدي الى مد الجسم, بما يحتاجه من المعادن والفيتامينات والعناصر الغذائية المختلفة, والى وقايته من كثير من الامراض. كما يمكن ادانتها, لانها تقود الى ارهاق اجهزة الجسم كالمعدة والكليتين والقلب والكبد, والى زيادة كميات السموم والفضلات فيه. وهنا ايضا فان التشبث باحدى وجهتي النظر والتعصب لها وتأييدها بصورة مطلقة, يشير الى الاحادية, اما مناقشة فوائد التغذية المكثفة ومضارها, وصولا الى حكم معقول, فهو من علائم التعددية. ولنترك الآن الامثلة العامة, لنلج باب الاقتصاد, وهنا نجد ان الاحادية تعني التوجيه الاقتصادي الذي يتيح للدولة الهيمنة على جميع مرافق الاقتصاد والتجارة والتحكم بالخزينة العامة والدخول الفردية للمواطنين. اما التعددية, فتسمح بالاقتصاد الحر والمنافسة الايجابية واشتراك جميع المواطنين في النشاطات الاقتصادية, ولننتقل الآن الى الميدان السياسي, وهو الاهم, وفي هذا المجال نستطيع القول ان الحكم الفردي, او سيطرة الحزب الواحد, هو اتجاه احادي في حين ان تعدد الاحزاب, او الحكم الليبرالي الديمقراطي, هو مسلك تعددي, وفي المضمار الانتخابي, فان وجود مرشح واحد للرئاسة وبدون اي منافس, يعني الاحادية السياسية, بينما يدل ترشح عدة مرشحين, على التعددية, واذا انتقلنا الى الصحافة السياسية, نجد ان الاحادية منها, هي تلك التي لاتسمح بالنظر الى الامور والتطورات والاحداث, الا من خلال منظار واحد, فهي دائما تصب في مصب واحد وتدور حول محور بعينه, وتركز على اتجاه بذاته, وتحاول اقناع القارىء بأفكار محددة معينة دون سواها, انها تلجم عقله وتسد عليه منافذ التفكير الحر, وتفوت عليه فرصة تقليب الامور على مختلف وجوهها وهي تسعى الى ترسيخ انطباعات معينة في ذهنه, بصرف النظر عن الحقائق القائمة على الارض, وباختصار فانها تدفعه نحو اتجاه واحد, بعيدا عن جميع الاتجاهات الاخرى وهذا النوع من الصحافة او الاعلام خطير للغاية, لانه يؤدي الى تجميد الفكر العربي وابقائه حبيسا ضمن قوقعة واحدة لايستطيع تخطيها والخروج منها نحو آفاق ارحب واوسع, اما الصحافة التعددية فإنها تقترن بالحرية والسماح بطرح مختلف التوجهات ومناقشة كافة الآراء وبالتالي النظر الى الاحداث وتقويم التطورات بمناظير متعددة, ان التعددية, سواء في الحياة الاجتماعية او السياسية او الاعلامية او الاقتصادية هي ضرورة من ضرورات الحضارة الحديثة وركيزة اساسية من ركائز المجتمع المدني الذي يسعى العرب الى اقامته بل انها من اهم علائم الديمقراطية. وبتعبير اخر, فإن الاحادية تعد آفة من آفات حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لانها تفرض علينا الايمان بما لانؤمن به وتدفعنا الى تأييد توجهات لانؤيدها, وتقودنا الى التهليل والتصفيق عنوة لزعماء لايروقون لنا, ولا نتوسم فيهم الخير والاخلاص, اما التعددية فإنها رديفة الحرية والانطلاق إلى الرحاب الواسعة, وهي التي تفتح ابواب الحقيقة على مصراعيها, وتسير بمجتمعاتنا على طريق التقدم والارتقاء.