يواصل كتاب د. مسعود ضاهر تعداد اسباب النهوض الياباني والغرق العربي, فيوجز ما في مسيرة اليابان من التجزئة الداخلية الى التاريخ القومي ومسيرة العرب من التاريخ القومي الى التجزئة الداخلية: اتجاه معاكس منذ وعي الحضارتين بالتحديات الخارجية المحيطة بهما , اليابان تدرج.. متمسكا بديانة الشنتو التي هي نوع من البوذية اليابانية ـ من الشاتات الى الدولة المركزية المستقرة والقوية يتوجها امبراطور موقر, نوع من الصلة الروحية بين الناس والى جانب ذلك سعى اليابانيون الى انشاء مدن كبرى اصبحت اقطاب تنمية كيوطو ـ طوكيو ـ لوزاكا ـ ناجازاكي ـ هيروشيما. في حين شهدت مدننا العربية: القاهرة ـ دمشق ـ بغداد ـ تونس ـ الجزائر ـ بيروت انحسارا في الحركة الاقتصادية وانعزالا عن وظيفة خلق التنمية. بل ان حاكما كالخديوي اسماعيل جعل منها صورا مشوهة لباريس التي فتن بها, فانتقلت قشور المدينة الفرنسية في اواسط القرن التاسع عشر الى القاهرة وتجسدت فكرة العلامة عبدالرحمن بن خلدون في تقليد المغلوب للغالب في سائر شئون حياته. انتصرت قوى التوحيد السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري ـ في اليابان على قوى التجزئة انتصرت قوى التجزئة في العالم العربي على قوى التوحيد. وجاء السقوط السياسي نتيجة لذلك ففتح حكام العرب في اوسط القرن التاسع عشر باب الديون وفتحت مصارف بريطانيا وفرنسا خزائنها لهذه الاسر الحاكمة المدللة وغرقت مصر وغرقت تونس في الديون, وجاء السيناريو هنا وهناك متشابها حيث عجزت هاتان العاصمتان عن تسديد الديون, فشكلت باريس ولندن اللجان المالية لاستردادها ما واستقرت تلك اللجان في الدواوين والوزارات تتصرف وتجمع الضرائب وتفرض املاءاتها على باشا مصر وباشا تونس وتحولت اللجان الى حماية ووصاية ثم الى استعمار واحتلال, في نفس الآونة اوصد اليابان ابوابه وانكفأ يعمل ويصد المهاجمين تارة فرنسيين وتارة انجليز وتارة روسا ـ ولم يستدن الامبراطور الياباني بفلس واحد. وتولدت لدى اليابانيين ثقافة العمل المضني والجهد المثالي والتضحية الارادية ونشأت المصانع والمدارس واعطت السهول غذاء اليابان وشهد اليابان ولادة تطور اشكال اصيلة من الرأسمالية النشيطة المسئولة وذات الحس الاجتماعي وبرز لديهم شعور قومي رفض كل انواع التعامل التبعي مع الاجانب. واستفاد اليابان من علوم الغرب واكتشافاته وكان سر النهضة هو شعور اليابانيين بأن الغرب سبقهم في العلوم ومن الحتمي اللحاق به فجاءت حركة التحديث يابانية حرفة ذات منطلقات ثقافية عريقة في التراث الياباني, تماما. والغريب ان العالم العربي شهد في نفس المرحلة ـ اي اواسط القرن التاسع عشر ـ حركة اصلاحية رائدة منذ رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي ثم جمال الدين الافغاني ـ الذي كان فكره عربيا رغم اصله الايراني ـ والشيخ محمد عبده ـ لكن هذه الاسئلة المطروحة على الحضارة العربية جاءت وظلت بلا اجوبة الى اليوم. وتغلبت على هذه الاصوات الجهورية القوية اصوات الحكام العرب الذين دخلوا الى قصرهم وخرجوا من عصرهم.. وظلوا على عروشهم الى نهاية القرن التاسع عشر حين سقطت بلدانهم تحت نير الاحتلال الفرنسي والانجليزي المباشر, ذلك الاحتلال الذي كرسته معاهدة سايكس ـ بيكو (وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا) يوم 16 مايو 1916 تمهيدا لاقتسام تركة الرجل المريض المخدوع وزرع اسس الاحتلال من خلال استعمار تونس والمغرب لضمهمها الى الجزائر المستعمرة منذ 1830 ومن خلال حفر قناة السويس كشركة فرنسية مزروعة في قلب مصر والشرق العربي الى سنة 1956ر ولابد من الاشارة الى ان اليابان تمكن من ارساء مؤسسات تتراوح بين الدينية والدستورية لرقابة الحكام في حين ضعفت الرقابة الشعبية على الباشوات والملوك العرب, بالاضافة الى استقرار المحاكم المختلطة لدى تبعاته ورواسبه الى اليوم في ظل غياب فكر قانوني وسياسي عربي اصيل. اذا ما استثنينا محاولات محمد علي في انشاء مجلس للشورى ومحاكم عصرية ومحاولات الوزير خير الدين باشا التونسي صاحب كتاب اقوم المسالك في معرفة اصول الممالك في انشاء دستور عمل الامان. وآلت التجربتان الى الفشل الذريع بعد الرجلين. خلاصة القول ان هذا الكتاب المقارن بين النهضتين يضع اطار نظريا للتفكير عسانا ونحن نودع القرن العشرين تستطيع ان نتجاور وان نستحضر سلطان العقل لكي لا يكون القرن المقبل مثل الذي سبقه والذي قبله: يبابا سرابا على بني يعرب!