في منتصف مايو ,1960 استدعى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر, محمد حسنين هيكل, إلى لقاء بمنزله بمنشية البكري, كان ـ كما ذكر هيكل بعد ذلك ـ واحدا من اصعب لقاءاتهما, وقال له الرئيس ان البلد مقبلة على تحولات اجتماعية كبيرة , بعد تأميم (بنك مصر) و(البنك الأهلي المصري) , وأن خطة التنمية الاقتصادية لا يمكن تنفيذها من دون سيطرة الدولة على وسائل المال وادوات الانتاج, وان الحكومة لا تستطيع ان تسيطر على الاقتصاد ثم تترك الاعلام تحت سيطرة مجموعة من الافراد والعائلات التي تملك وسائل التأثير في الرأي العام, وأنه ـ لذلك ـ سيصدر قرارا بقانون يؤمم به الدور الصحفية الاربع الكبيرة في مصر وهي (الأهرام) و(اخبار اليوم) , و(دار الهلال) و(دار روزاليوسف) لتنضم بذلك إلى (دار الجمهورية) التي كانت الحكومة تملكها بالفعل منذ تأسيسها عام 1953ر وحاول هيكل, أن يثني الرئيس عن قراره, إذ كان يخشى على حرية الصحافة واستقلالها من الاثار التي سوف تترتب على تحولها إلى ادارات حكومية, ولما فشل حاول انقاذ ما يمكن انقاذه, وقبل (عبدالناصر) تغيير عنوان القانون من (تأميم الصحافة) إلى (تنظيم الصحافة) ومع انه رفض نقل ملكية الصحف إلى العاملين بها, أو تقاسم الملكية بينهم وبين الحكومة, الا انه وافق أن تنتقل الملكية إلى الشعب ممثلا في (الاتحاد القومي) ـ الذي كان آنذاك التنظيم السياسي الوحيد ـ بدلا من ان تنتقل إلى الحكومة ممثلة في وزارة الاعلام ـ التي كانت تعرف آنذاك بوزارة الارشاد القومي ـ كما وافق على أن تظل ارباح الصحف فيها, وان يستخدم نصفها لمشروعات الاحلال والتجديد, ويوزع النصف الاخر على العاملين بها, في شكل خدمات ومكافآت. وبذلك انتهت المناقشة بتهذيب شكل القانون, لكن ذلك لم يغير من الحقيقة, وهي ان الحكومة قد اصبحت تمتلك ـ وبالتالي تتحكم ـ في توجيه الصحف ـ إذ كان الجميع ـ بما فيهم عبدالناصر ـ يعلمون ان الشعب لم تكن له صلة بـ (الاتحاد القومي) , وكان يتعامل معه باعتباره ادارة حكومية, لا تختلف عن (مصلحة الشطب) و(ادارة عموم الزير) . وكان هيكل يتوقع ان يغضب الصحفيون, لان نقل ملكية الصحف إلى هذا الاتحاد ـ الذي لا هو اتحاد ولا هو شعبي ولا هو قومي ـ سيؤدي إلى تدخله في توجيه سياساتها التحريرية, لذلك اصر على أن يعيد كتابة المذكرة التفسيرية للقانون, بما يشير إلى أن الهدف منه هو تعميق الديمقراطية وصيانة حرية الصحافة من ضغوط وشرور رأس المال.. الخ, هذا الكلام الخائب الذي تعودنا نحن الصحفيين ان نكتبه ونحن نقول: لله يا زمري! وفي صباح اليوم الذي اذيعت فيه نصوص القانون, دعا هيكل كل اسرة تحرير (الاهرام) ـ التي كان يرأس تحريرها ـ إلى اجتماع عام, ولما كان يخشى ان تلصق به تهمة اهدار حرية الصحافة باعتباره الصحفي الاكثر التصاقا بالقمة وتأثيرا فيها, وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك, فقد حرص على ان يبدأ الاجتماع مشيرا إلى أنه لم يكن متحمسا للقانون من ناحية المبدأ, وان لديه مخاوف من ان يحاول الاتحاد القومي فرض هيمنته على الصحافة, وان على الصحافيين ـ في اطار الوضع الجديد ـ ان يقاتلوا من اجل الحفاظ على استقلالهم, لكن الصحفية الراحلة (جاكلين خوري) وكانت من ابرز محرري (الاهرام) أيامها قاطعته متسائلة: مش متحمس ليه يا أفندم, مع ان الوضع الجديد أحسن للمهنة وللصحفيين مئة مرة من الملكية الخاصة للصحف. وتحولت دهشة هيكل إلى ذهول, حين اكتشف انها كانت بما قالته تعبر عن رأي عام بين محرري (الاهرام) وبين الصحفيين جميعا. وهكذا تكرر ما حدث قبل ذلك عام ,1954 حين خرجت المظاهرات العمالية, تحتج على اعلان مجلس قيادة الثورة, اطلاق الحريات وعودة الجيش إلى ثكناته واعادة الحكم للمدنيين تحت ضغوط فئات من النخبة المثقفة كالمحامين والصحفيين ورجال القضاء والمشتغلين بالعمل السياسي, ولما علم (خالد محيي الدين) عضو مجلس قيادة الثورة الوحيد الذي كان يؤيد هذه المطالب, بنبأ هذه المظاهرات قال: اياك ما يكونوش هتفوا بسقوط الديمقراطية؟ وكان ذلك ما حدث بالفعل, إذ هتف العمال: يسقط المثقفين, تسقط الحرية. وبعد اقل من ست سنوات, كان (الصحفيون) ينضمون إلى (العمال) في الهتاف بسقوط المثقفين والحرية بما في ذلك حرية الصحافة. وكما كانت مخاوف العمال ـ في عام 1954 ـ من ان تؤدي عودة الجيش إلى ثكناته إلى الغاء ما حصلوا عليه من مكاسب قليلة, حتى ذلك الحين, كان على رأسها القانون الذي يحظر فصلهم تعسفيا, ويكفل لهم الحق في التعويض, في حالة حدوث ذلك, وراء هتافاتهم بسقوط الحرية ولعن سنسفيل جدود المثقفين, فقد كانت آمال الصحفيين بأن يسفر نقل ملكية الصحف إلى الحكومة, إلى استقرارهم في العمل, وإلى كفالة حقوقهم في الترقي, وراء انضمامهم إلى العمال في الهتاف بسقوط الحرية, وتأييد قانون تأميم الصحافة الذي ضمن لكل منهم أن يكون ـ على رأي المرحوم عزيز عثمان ـ صاحب قيمة ومركز ووظيفة ميري مربوط على الدرجة الثامنة ومرشح ياخد التاسعة ده ـ طبعا ـ غير العلاوات. وجرت في النهر مياه اكثر من الهم على القلب, سيطرت الحكومة على معظم أدوات الانتاج, وبعد تأميم الصحف اممت معظم الانشطة الاقتصادية, واستبدلت لافتة (الاتحاد القومي) بلافتة (الاتحاد الاشتراكي) وانتقلت اليه ملكية الصحف, باعتباره الاسم الحركي الجديد للحكومة, وساهمت معه ـ وغالبا بدونه ـ في حملة التعبئة الاجتماعية الشاملة لانجاز خطة التنمية, والحفاظ على مكاسب العمال والفلاحين والصحفيين, وانجاز مرحلة التحول الاشتراكي العظيم, ثم وقعت هزيمة 1967 وخرجت مظاهرات الطلاب والعمال تهتف امام مجلس الأمة, وكان الرئيس السادات يرأسه ايامها: (أنور.. أنور.. يا سادات أين قانون الحريات, و(عاوزين صحافة حرة.. العيشة بقت مرة) . واجمع الكل على أن غياب الحرية ـ وخاصة حرية الصحافة والإعلام ـ هو سبب الفساد والسرقة والنهب والهزيمة, وبعد قليل اقتنعوا بأن من الحكمة تأجيل كل ذلك, إلى حين ازالة آثار العدوان. وما كادت آثار العدوان تزال, بعد حرب اكتوبر 1973 ولو جزئيا, حتى هبط الالهام فجأة على الرئيس السادات فقرر بعد ان زاره المستر (كيسنجر) ان يحولها من اشتراكية علمية إلى رأسمالية انفتاحية, وان يدير ظهره للكرملين ليضرب تعظيم سلام للبيت الابيض, بعد ان ثبت له ان الدولار وشه اخضر, بعكس الروبل الاحمر الذي يقطع الخميرة من الدار. وكان منطقيا وقد كفت الحكومة عن سيرها الاشتراكي الاحمر البطال, وقررت ان تسير في الطريق الرأسمالي الاخضر المستقيم, ان ترفع يدها عن الصحف ووسائل الاعلام, كما يحدث في البلاد الرأسمالية المحترمة, ولكنها هي التي باعت القطاع العام, وخصخصت كل شىء من الابرة إلى الصاروخ ومن الطرق العامة إلى التليفونات والخير لقدام, قررت ان تحتفظ بملكية وسائل الاعلام, ورفعت شعار: مس قلبي ولا تمس اعلامي, ووجدت دائما من يساندها, ليس فقط من الرأسماليين الذين يخشون ان تكشف الصحف الحرة عن أن العيشة بقت مرة, أو المسئولين الذين يعتقدون ان من حق كل صاحب سلطة ان يفعل ما بدا له, من دون ان يكون مسئولا عن طريقة ممارسته لها امام الرأي العام, أو الفاسدين الذين يتهمون الصحف عادة بالالحاد, لانها لا تتبع المثل الشعبي الذي يقول: (ربنا أمر بالستر) , ظنا منهم انهم المقصودون بهذا الستر أو المتزمتين الذين ما يكاد الواحد منهم يسمعك تطالب بحرية الصحافة والاعلام حتى يصيح في وجهك: حرية آه .. ولكن في حدود الثوابت, فإذا سألته متلطفا ان يحدد هذه الثوابت, قدم لك دليلا اضخم من دليل تليفونات الأمة العربية وقال لك: كل ما هو وارد في هذه القائمة أو المنفلتين الذين يظنون ان حرية الصحافة والاعلام لا تتحقق الا بأن يطيحوا في عباد الله بالحق والباطل, وبأن يهدروا كل حق للاخرين, بما في ذلك حق الناس في صيانة حرمة حياتهم الخاصة, وحقهم في الا يخدش احد حياءهم أو يهين ما يعتبرونه مقدسا. ولكن ـ كذلك ـ من الصحفيين ورجال الاعلام انفسهم, الذين يكونون عادة أول من يهتف: مش عاوزين حرية ولا هباب! .. بعد شهور قليلة من صدور القانون 93 لسنة ,1995 الذي اصبح اشهر من نار على علم, باعتباره ابرز حوادث القرن الماضي, فيما يتعلق بحرية الصحافة, دعا نقيب الصحفيين ابراهيم نافع, إلى عقد المؤتمر العام للصحفيين, بعد ان طلب الرئيس مبارك من مجلس النقابة ـ حلا للازمة ـ ان يقدم مشروعا لقانون بديل يعبر عن وجهة نظر الصحفيين, وشارك في مناقشات المؤتمر اكثر من الف صحفي, توزعوا على اربع لجان, انهت كلها اعمالها بسرعة من دون خلافات تذكر, فيما عدا لجنة واحدة, احتدت داخلها المناقشات, وعجزت عن اتخاذ قرار بتوصياتها حتى قبيل لحظات من انعقاد الجلسة الختامية, هي لجنة (مستقبل الصحف القومية) لأنه كان من بين اعضائها اقلية محترمة تطالب بخصخصة الصحف القومية, التي انتقلت ملكيتها منذ العام 1998 إلى مجلس الشورى, لان الحكمة من ذلك اصبحت في خبر كان, ولانها اكبر الدور الصحفية واكثرها تأثيرا في الرأي العام. اما والحكومة, تملك فضلا عن ذلك, وطبقا للقانون, الحق وحدها في البث الاذاعي والتلفزيوني, فقد كان معنى ذلك ـ في رأي هؤلاء ـ ان الكلام عن حرية الصحافة, هو مجرد كلام, وان الصراع الفكري والسياسي في المجتمع, يدور بين الفيل والنملة, وبين البلدوزر والموتوسيكل, وان تحويل مصر إلى مجتمع ديمقراطي يحترم فيه الناس تعدد الآراء والتيارات وينضج فيه الرأي العام بحيث يستطيع ان يميز بين الابيض والاسود, هو مجرد امل كاذب كعشم ابليس في الجنة. وفي مواجهة هؤلاء كانت هناك اغلبية محترمة من الصحفيين يدافعون باستماته عن بقاء الصحف القومية في حوزة الحكومة, لم ادهش حين وجدت من بينهم عددا من كبار الصحفيين الذين قفزوا من الدرجة الثامنة إلى الدرجة المئة, ممن يحصلون على الماهية من الصراف على العلاوة على الانصاف, فضلا عن البدلات والسفريات وما خفى كان اعظم, اما الذي اذهلني, وازعجني, فهو ان معظم المتشبثين بأن تظل كف الحكومة ناشبه في اعناق الصحف, كانوا من الصحفيين الشبان, الذين لايزالون في الدرجة الثامنة, ولم يحن دورهم بعد في الحصول على التاسعة, بل وكان من بينهم كثيرون ممن يعملون في صحف احزاب المعارضة, ويحلمون باليوم الذي ينصفهم فيه زمانهم, فيجدون عملا في صحف الحكومة, الاكثر رواجا, والاسخى اجرا, والاكثر استقرارا, فيحصلون بانتظام على الماهية مع العلاوة على الانصاف من سعادة الصراف, ويأتي عليهم الدور لكي يأكلوا من (عيش السرايا) . وانهت اللجنة اعمالها من دون ان تتفق على توصياتها, واقترحت طرح الموضوع على المؤتمر ليبث فيه, ولأن الاتفاق على القضية الساخنة ـ وهي تغليظ العقوبات في قضايا النشر ـ كان شاملا, فقد خشيت لجنة الصياغة ان ينتهي الخلاف حول مستقبل الصحف القومية بتفجير المؤتمر, فقبلت اقتراحا تقدم به الاستاذ (مكرم محمد أحمد) بتأجيل مناقشة القضية إلى دورة خاصة للمؤتمر تعقد بعد عامين. ومر عام يا (سعاد) وعام ـ على رأي حافظ ابراهيم, ولم تنعقد هذه الدورة بل ولم ينعقد المؤتمر لمناقشة أي شىء من اصله. وفي هذا الاسبوع اعلن وزير الاعلام (صفوت الشريف) ان الحكومة في سبيلها إلى انشاء منطقة اعلامية حرة, يتاح فيها للمستثمرين ـ الاجانب طبعا ـ انشاء المطابع واصدار الصحف واقامة القنوات الفضائية, وانها ستخصخص اربع من القنوات المتخصصة بما تملكه فتصبح بذلك متخوصصه, وستطرح اسهمها في البورصة, وقال البعض ان السبب في ذلك ان القنوات الفضائية المصرية تعاني من نقص في السيولة بسبب تكاليف اطلاق القمر الصناعي المصري وانشاء البنية الاساسية لمدينة الانتاج الاعلامي, وقال اخرون بل السبب ان مصر حريصة على ريادتها الاعلامية, وانها تسعى لمنافسة اقطار عربية اخرى مثل (الاردن) والبحرين تتجه إلى اقامة مشاريع مشابهة لجذب الاستثمارات. ولم يقل احد ان الهدف هو تحرير الاعلام, أو اطلاق حرية اصدار الصحف وانشاء القنوات الفضائية, بل ان وزارة الاعلام حرصت على ان تؤكد ان السيادة الاعلامية لمصر على ارضها باقية, وان الصحف القومية لن تخصخص, وان قانون الشركات الذي ينص على ضرورة موافقة مجلس الوزراء على انشاء شركات اصدار الصحف, سيظل قائما, وان الرقابة على المطبوعات الاجنبية مستمرة وفي منتهى الانسجام, ومعنى الكلام ان حرية الاعلام مكفولة للمستثمرين الاجانب. وما كاد المسئولون في الحكومة يتحدثون عن هذه المنطقة الحرة حتى اندفع الجميع في وقت واحد يحذرون من اضرار الحرية التي ستجلبها هذه القنوات الفضائية ومن سيطرة رجال الاعمال على البلد ـ وكأنهم غير مسيطرين فعلا ـ ويطالبون بوضع الضوابط للحفاظ على صحة الاستاذ (ثوابت الامة) والحذر من مؤامرات (الموساد) و(السي اي ايه) و(السي إن إن) , واتخاذ كل اجراءات الحجر الصحي التي تحول دون تسلل الانفلونزا الديمقراطية القاتلة عبر الفضاء. ومنذ اكثر من ربع قرن وانا اقول ان لعبة الانفتاح في الاقتصاد والشمولية في السياسة ليست مشي على ساق ونصف, ورقص على واحدة ونص, وانها لن تجلب سوى الكوارث. واقول ان تخييرنا بين (الخبز) و(الحرية) هو شر مطبق ومطلق ولا يجوز لنا ان نقع فيه, وان الذي لا يملك حريته لايستطيع الحصول على خبزه, والعكس صحيح, ولكن لا حياة لمن تنادي. ورحم الله (حافظ ابراهيم) الذي قال: وشعب يفر من الصالحات ـ او من الحريات ـ فرار السليم من الاجرب! وكفاية كده