اجمعت التقييمات التي اجريت لاحداث القرن العشرين في كل مكان, على انه كان اكثر قرون التاريخ دموية وانشغالا بالصراعات متعددة الاشكال والانماط, داخل الدول وبينها اقليميا ودوليا, والمنطلق في هذه النتيجة المأساوية قبل اي مؤشر اخر, هو عدد الارواح التي ازهقت في هذه الصراعات وحروبها وحجم الموارد التي اهدرت في سياقها مقارنة بالسوابق في القرون الماضية. من الصحيح ان مسار التاريخ لم يعرف حالة السلم الشامل على كوكبنا الا لبضع سنين, لكن من الصحيح ايضا ان القرن الذي أفل, ونحن شهود على بعض من احداثه, يبقى مميزا في حروبه وفي محاولات انسانه البائس في البحث عن اجتراح ادوات الدمار جنبا الى جنب مع جهوده لاشتقاق آليات الوصول الى السلام والسكينة. المثل الصارخ على هذه المفارقة, ما جرى في منتصف القرن , فبينما كان اقطاب القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية يجهدون انفسهم في تقعيد الاطر التي يفترض ان تسهر على السلم والامن الدوليين, الامر الذي افضى لقيام الامم المتحدة, في ذلك الوقت ذاته, كان بعض اولئك الاقطاب يسعى حثيثا لتطبيق خلاصة علومه المتطورة لانتاج القنبلة النووية الرهيبة وبالفعل تمكنت الولايات المتحدة الامريكية من ذلك, وقبل ان يغلق نصف القرن ابوابه, القيت قنبلتان نوويتان على اليابان. لقد تجاورت اذن وتزامنت جهود السلام مع نوايا التفوق والاعداد للحروب المقبلة. ونحن اينما ولينا وجوهنا, فسوف نجد ان كثيرا من معضلات القرن الآفل كانت نتاجا لمعضلات تولدت في رحم الازمنة السابقة عليه. ولذلك فانه من العبث الفكري ان نتصور وقوع قطيعة فجائية بين قضايا قرننا الراحل وتلك المتصورة جدلا في القرن المقبل. ان القرون لاتجب بعضها بعضا, ولم يوجد بعد ذلك القرن الذي يقف الخلق عند اخره ويقررون للعالم بداية جديدة لا شية فيها ولاشوائن ولا ضغائن يحملونها معهم الى قرنهم المقبل, واغلب الظن انه حتى لو فعلت الانسانية ذلك, فان فطرتها التي تحوي جانبي الخير والشر, السلام والصراع سوف تطل مرة اخرى, لتفعل فعلها وتثير بين الخلق من امم وشعوب وقبائل, مختلفي الاهواء والمشارب والرؤى, قضايا اخرى تتدافع بشأنها قواهم وصولا الى الاقتتال. سيرث القرن الحادي والعشرون اعباء سلفه ومن سنن التغيير والتطور ان تستجد في القرن المقبل قضايا اخرى ربما لاتخطر لنا على بال في الوقت الراهن ومن تفاعل اوزار الماضي مضافا اليها المشكلات التي يصعب توقعها, ستتشكل اهم احداث القرن الجديد ومعضلاته. ومع ما يكتنف نظرية التوقع واستشراف المستقبل من صعوبات فان قضية توقعات القرن الجديد فرصة لاستخدام هذه النظرية في اطار بعض التحفظات الواجبة, واهمها التحوط من الايغال في التعرض للمستقبل بقدر من اليقين, وفي هذا الاطار, نستلهم من التاريخ عبرته, ونستطيع القول بان قرننا الماضي شهد تفاقم قضايا تولدت في رحم القرن الماضي التاسع عشر, كما كان ساحة لميلاد قضايا مستجدة, وفي تقديرنا ان القرن الحالي سينوء بتوابع هذين النمطين. فلنتأمل بعض النماذج. اولا: .يمثل الصراع الصهيوني العربي واحدا من ابرز الصراعات التي امتدت على مدار القرن العشرين وهو مع هذا الامتداد القرني المئوي يعود بجذوره الى القرن التاسع عشر فعادة ما يؤرخ لهذه الجذور او البدايات بعام 1882, ان الادعى لاحترام طبيعة هذا الصراع. الاجتماعي الممتد, ان نعتبر العملية السلمية الجارية له, التي بلغت اوجها في العقد الاخير, كنوع من التسوية غير التاريخية واساس هذا الحكم, الحذر ان التسوية المتفاعلة لاتقوم على العدل واداء الحقوق الى اصحابها ومن المعروف ان العدل اساس السلام المستقر. وعلى ذلك, ثمة احتمال قوي لئن يحتفل القرن الحادي والعشرين بذيول هذه التسوية المعيبة ويعاني من جرائها, وان يأخذ الصراع هيئة وصورة اخرى, وليس بلا مبرر واساس منطقي ان نتوقع للمنطقة العربية (الشرق الاوسط) قرنا يحتوي كله او بعض منه على مظاهر لعدم الاستقرار واستمرار التباغض ,التشاحن بين الغزوة الصهيونية وكيانها (اسرائيل) والامة العربية. فاذا صح هذا الاحتمال ـ ونرجح صحته بقوة ـ فسوف يكون الصراع الصهيوني العربي من انماط الصراعات الاجتماعية الممتدة (عابرة القرون) , اذا جاز التعبير. ثانيا: وعلى مشارف العالم العربي, الى الشمال, عرف القرن العشرين بؤرة صراعية اخرى تخلقت في حمأة مخلفات صعود وهبوط الامبراطوريات البائدة كالدولة العثمانية وامبراطورية النمسا والمجر انها البلقان الاوروبي, تلك المنطقة التي اعادت بصراعاتها العرقية المختلطة بالدين والقومية ذكريات النزاعات البدائية واحقاد الماضي في اكثر قارات العالم تقدما ورقيا وقد حدث في القرن العشرين مرتين, في اوله وفي آخره, ففي البلقان اشتعلت شرارة الحرب العالمية الاولى وفيها تكشفت منذ بضع سنين مواجع القارة العجوز بين الصرب والبوشناق والكروات.. ومن الاهم في الجوارين القريب والبعيد. ومرة اخرى, قد يقال بان حروب البلقان انتهت الى حالات من السلم قبل ان يغلق القرن دفاتره, ولكن المتابعين لهذه الحالات, يدركون حجم المشابهة بين تسويات (الشرق الاوسط) وتسويات البلقان, ولابد انهم قلقون من عمليات التسكين التي استخدمت بقوة في المنطقتين, وبعضهم يصرح بلا مواربة ان هذه المسكنات لاتكفي للاطمئنان الى المستقبل فيهما معا. وباقتضاب, ثمة امكانية للزعم بان نيران البلقان ـ في البوسنة وكوسوفو مثلا ـ التي خبئت بقوة الاطراف الخارجية في خاتمة القرن الماضي قد يكون لها اوار فيكشف بفعل رياح تهب في هذا القرن. ثالثا: النموذج الثالث من الصراعات التي سيستقبلها هذا القرن اسفا, ذلك في تقديرنا, ان القوى الاستعمارية وضعت الجينات الاولى لعدد لا حصر له من الحروب في قارتي آسيا وافريقيا بخاصة قبل ان ترحل عنهما بفعل ثورة التحرير معظم هذه الجينات يتعلق بخطوط الحدود وتوزيع الموارد والادوار بالنسبة للدول التي تحررت, تلك الدول التي خطت بغير منطق عبر مصالح المستعمرين متعددة الاصول الاستراتيجية, والاقتصادية, والسياسية.. ومع ان هذه الدول المحدثة سعت جهدها, ومازالت لدرء واصلاح مفاسد هذا المنطق الظالم, الا انها لم تسلم كلية من عوائده, لقد ازهقت ارواح كثيرة بفعل سوءات مخلفات العهد الاستعماري خلال العقود الاخيرة من القرن العشرين فيما عرف بالعالم الثالث وليس هناك ما يشجع على توقع نهاية وشيكة تشكل قطيعة مع مسار هذه العقود الدامية الى اجل يصعب تحديده في القرن الحادى والعشرين. ويتصل بهذه النماذج واسبابها, تلك الفروق الشاسعة بين الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في جنوب العالم وشماله, اذ ان قرون الاستعمار اورثت الجنوب هموما مقيمة على صعيد هذه الاوضاع وسوف تكون هذه الهموم ضمن تركة هذا القرن, وقرون سابقة اخرى في الحقيقة, التي ستنتقل الى القرن الجديد, ولعل هذا الملمح من ابرز ما يدخل في باب التوقعات المتفق عليها. سيرث القرن الحادي والعشرون تركة مثقلة بالاشكالات وعلى ما تقول خبرة القرن العشرين فان شرعة القانون والتنظيمات الاممية التي سهرت عليها, قد لايقدر لها مجددا ان تحكم مسار العلاقات الدولية ولعلها لن تتغلب علي نزعة الطغيان التي تعظمها القوة وليس بلا دلالة على صدقية هذه القناعة من ان التطور المذهل في القوانين ,التنظيمات الدولية, الذي طال كل صغيرة وكبيرة على الصعيد الدولي, لم يستأصل هذه النزعة ولا قضى على المشكلات المفضية الى الحروب, ولانزع فتائلها. ولهذا بالذات, من المقدر ان تتعرض الامة العربية لمحنة تجعل وجودها ذاته موضعا للتساؤل في هذا القرن, ان لم تتدارك واقعها الراهن وتتحسب عاجلا للمخاطر التي تنتظرها على قارعة هذا القرن, واول قواعد التدارك المطلوب الاجابة عن السؤال: كيف تصبح هذه الامة فاعلة في عالم القرن الحادى والعشرين, وليس مفعولا به كما حدث على مدار القرن العشرين, الا قليلا منه.