هل الإبداع ممكن تحت تأثير الخمر, أو في غيبوبة دخان الحشيش الأزرق, أو عند فقدان التمييز (بين الحق والباطل أو بين التقييم والتشهير أو بين الوهم والحقيقة) الذي يسببه البانجو؟ .. هل لابد للمبدع أن يكون مسطولا .. مخدرا .. غائبا عن الوعي حتى يبدع فنا أو شعرا أو أدبا أو فيلما ؟ طوال الأسبوع الماضي وأنا مشغول بهذه القضية ومتورط في مناقشتها مع فنانين وصحفيين وكتاب من جنسيات مختلفة عبر شبكة الإنترنت, وقد كان علي أن أدلي بشهادتي أمام هذه المحكمة الإلكترونية التي وفرها بسرعة البرق التطور العلمي والتكنولوجي في وسائل الاتصالات, لم أضع على عيني عدسات ملونة, ولم أقبل أن أكون شاهد زور. كان رأيي أن الابداع عملية تستلزم اليقظة الكاملة, وتتطلب أعلى درجة من المسئولية والبصيرة والمعرفة, وإلا كانت النتيجة خرافات وهلاوس وشخبطة غير مفهومة كالتي يرسمها المجانين. لا يمكن للكاتب أن يجمع بين القلم والكأس, ولا يمكن للشاعر أن يجمع بين انفعالاته وسيجارة البانجو, ولا يمكن للفنان التشكيلي أن يمسك الفرشاة بيد و(تذكرة) الهيروين باليد الأخرى, إن الإبداع تحت المؤثرات الوهمية هو مغامرة غير مضمونة النتائج, ربما ترضي غرور المبدع, لكنها تثير سخرية وشفقة كل من يتلقاه. إن الخمر تسد مسام المبدع, وتجعل أصابعه اليمنى مثل اسلاك الزجاج سريعة الإنكسار, فيبدو إبداعه مجرد قطع متناثرة, غير مستوية, وغير مفهومة, ربما تثير الانتباه, لكنها في النهاية لا تعيش, ولا تعمر, ومصيرها معروف, سلة النفايات. وكان رأيي أن الإبداع هو لافتة تحد في وجه القبح, فلا يمكن أن نرفع هذه اللافتة في وجه القبح ونحن نترنح, ولا تقدر سيقاننا على حملنا, والإبداع هو إحداث خلخلة في نظام الأشياء وترتيبها, فلا يمكن أن يكسر المبدع قشرة الكون ويفتتها وهو عاجز عن لملمة شتات نفسه. إن الشاعر الذي يجافيه شعره عليه أن يبحث عن قضية حقيقية تعيده إلى نفسه وتعيد شعره إليه, لا أن يبحث عن مخدر, والفنان الذي تجف الألوان في يديه, عليه أن يغير رتابة الحياة من حوله حتى تستعيد ألوانه أنفاسها وحيويتها, لا أن يغرق في الخمر, والكاتب الذي يصاب قلمه بالصدأ, عليه أن يراجع مواقفه, لا أن يذهب إلى حي (الباطنية) , وراقص البالية الذي ترهل, عليه أن يتدرب من جديد ليسترد رشاقته, لا أن يبيع نفسه من أجل (شمة) هيروين. لقد عرفت طوال أكثر من ثلاثين سنة في بلاط صاحبة الجلالة أهم المبدعين في العالم العربي, عرفتهم عن قرب, وعشت في حياتهم, ونجحت في فرز ما هو حقيقي وما هو من صنع الخيال ومن صنع الخصوم. إن نزار قباني الذي وصفوه بشاعر (الفضيحة) وذبحوه من الوريد إلى الوريد كان لا يسهر خارج بيته إلا نادرا, كان يشعر حتى آخر يوم في حياته بنوع من الإكتفاء الذاتي, يجعل التسكع في المقاهي والبارات المكتظة بالرجال والذباب عملا ترفضه طبيعته, وكان يؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة له طقوسه ومراسيمه وطهارته وكان من الصعب عليه أن يفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجاد من طقطقة أحجار (النرد) أو طقطقة أحجار (الجوزة) , وكان يكتب في الصباح على مكتب أنيق, نظيف, وحوله لوحات تشكيلية متنوعة الألوان والمذاهب الفنية, ولم يكتب إلا وهو بكامل ملابسه, فهو في انتظار ولادة قصيدة, ويجب أن يستقبلها أنيقا, معطرا. وكان فنان الكاريكاتير حجازي يستيقظ مبكرا, في الفجر, ان يومه يبدأ بالرسم, بالتعبير عن الناس, ليس في يومه ما يبدأ به أهم من ذلك, كان يدخل مكتبه قبل أن يصل السعاة, فترسم ريشته الساخرة ما يشعر به, يرسم موظفا في عيادة طبيب عيون يقول له: (لا يا دكتور الحول مش وراثي في العائلة لكن كل أول شهر أشوف المرتب وأشوف المسئوليات اللي ورايا عيني تحول) .. ويرسم كاتبا يجلس على مكتبه ويرفع سماعة التليفون ويقول لزميله: (ضروري المثقف يتصل بالجماهير .. بس ما تعرفش نمرة تليفون الجماهير كام؟) .. ويرسم مواطن فقير يقول لمواطن مثله بينما يحمل كل منهما طبق فول: (يا أخي أنا مندهش من الناس اللي شايلين فلوسهم في بنوك سويسرا .. أفرض مثلا واحد منهم عايز يشتري بخمسين قرش فول .. يسافر سويسرا مخصوص يجيب خمسين قرش ويرجع؟) .. ويرسم مسئولا في المالية يقول لباقي أعضاء لجنة الضرائب: (ملايين المصرين الغلابة عايشين على الستر .. أيه رأيكم في ضريبة جديدة أسميها ضريبة الستر) .. أن مثل هذا الوعي لا يمكن أن يعبر عنه حجازي دون أن يكون في كامل لياقته النفسية والعقلية, بل أكثر من ذلك تحرر حجازي من كل القيود الوظيفية والعائلية حتى يشعر بحريته الإبداعية كاملة, وعندما شعر أنه لا يريد أن يعبر عن نفسه بالكاريكاتير, تفرغ لرسومات الأطفال ولم يشأ أن يهدم المعبد على تاريخه الجميل كما يفعل عادة الذين يفقدون دورهم وإبداعهم فينتقلون من صفحات الأدب والفن إلى صفحات الحوادث والوفيات. ولم يحرم الدكتور جمال حمدان على نفسه المؤثرات الصناعية الوهمية وإنما حرم على نفسه كل ما يشغله عن ذكر العمل والمعرفة, فعزل نفسه بعيدا عن الناس, ولم يكن أقرب الناس إليه يخاطبونه إلا بخطابات ورسائل يدوسونها من تحت الباب, وفي اليوم التالي يتلقون الرد عليها, وقد قفزت في الهواء فرحا عندما جاء إلي ناشر كتبه يوسف عبد الرحمن بالجزء الثالث من موسوعته (شخصية مصرية) التي صدرت طبعتها الأولى في عام 1984 وعليها إهداء بخط يده, وعندما وجدت في الإهداء كلمة (كاتب) , وكلمة (صحفي) مقرونة بأسمي وبأوصاف طيبة شعرت أنني حصلت على شهادة تقدير من نوع خاص لا يتكرر, ومازلت أحفظ الرسالة الشفهية التي حملها بنفسه الناشر يوسف عبدالرحمن, الكتابة ليست زهرة نتباهى بها وإنما هي صليب من المتاعب نحمله على أكتافنا, وقد حمل الدكتور جمال حمدان صليب الكتابة على كتفه ودفع الجزية المفروضة عليه من خصومة كاملة ومشى على سطح مشتعل من النيران ومات بإنفجار موقد الغاز, لكنه ترك وراءه ما يخلده, فالزبد يذهب جفاء, ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس, لقد سهر الليالي من أجل أن نصبح جميعا على وطن واحد أفضل وأجمل نحبه ويحمينا, ندافع عن شرفه ويضمنا في أحضانه. وقد عملت لسنوات طويلة مع فتحي غانم, الروائي الذي كان يشعر بالخجل أمام كاميرات التليفزيون, ولكنه كان يشعر بالقوة وهو يخلق أبطاله, كان يستيقظ من نومه يصرخ هؤلاء الأبطال طالبين الحياة ومصرين على الخروج للدنيا, فيقوم من فراشه إلى مكتبه ويمسك كراسة رسم ويشخبط فيها خطوطا ودوائر متداخلة, هو الوحيد الذي يرى فيها صورة شخصياته الروائية, ثم يبدأ في كتابة تاريخ حياة كل شخصية وملامحها وثقافتها ولو كانت مستوحاة من الواقع كتب باللغة الفرنسية اسمها الحقيقي, ثم يعود للنوم, وبعيدا عن القاهرة, في شقته المتواضعة بالإسكندرية (حتى ولو في الشتاء) يبدأ في كتابة الرواية. وعلى العكس كان زميل وصديق فتحي غانم, أستاذي صلاح حافظ, كان لا ينام إلا بعد أن ينتهي من واجباته الصحفية, أنه المبدع التلميذ الذي يؤجل كل شيء إلى الغد إلا الكتابة الصحفية. وفي العادة يستيقظ محمد حسنين هيكل في الخامسة صباحا, ويمارس رياضة الجولف لمدة ساعة ونصف الساعة, ثم يتناول إفطاره, ليكون على مكتبه في تمام الثامنة والنصف, ولمدة ثمان ساعات دون إنقطاع, مستقبلا ضيوفه, أو غارقا في كتاباته, لقد ألزم نفسه بالنظام منذ وقت بعيد, لأن كل إنسان (على حد قوله) يتحرك في زمن محدد, في يوم مساحته 24 ساعة, وأمامه مهام لا حدود لها, عليه القيام بها, ولو لم يحسن استغلال هذه الرقعة من الزمن خلال تنظيم جيد فإنه لن يستطيع أن يفعل شيئا. ويذكر هيكل أن أغلب الذين عمل معهم أو عملوا معه كانوا يشتكون من النظام الذي يتبعه, وهو يعتقد أن النظام ليس مهما في الصحافة فقط ولكن في الفن وفي الخلق الأدبي وفي أي شيء آخر, والمثال الحاضر الذي نعرفه هو نجيب محفوظ الذي يمشي يومه كالساعة, ويكتب رواياته في مواعيد ثابتة, وربما لهذا السبب هو أكثر الأدباء إنتاجا, ولو كان النظام في الأدب سنة فانه في الصحافة فرض .. لماذا؟ .. يجيب هيكل: (لأنك في الصحافة مرتبط بلحظة معينة لابد أن تذهب فيها إلى الجريدة إلى المطبعة لتدور الماكينات, إذن أنت مقيد بلحظة نهاية معينة, كأنه توقيت معركة ينبغي أن تكون كل عملياتك مرتبة من قبل بحيث تصبح الجريدة معدة في لحظة محددة .. فضلا عن هذا أنا واحد من الناس يعتقد أن التكريم الحقيقي للوقت هو أن تشغله بما هو نافع وإلا لن يكون ما تفعل تضييع وقت.. بل تضييع حياة.. أو تضييع عمر في النهاية) . ولا جدال أن هذا الوعي هو ما جعله يحدد بدقة أهدافه.. ومعاركه.. فلا يتورط في معركة لم يختر توقيتها, أو يرد على هجوم يعتقد أن صاحبه لا يستحق ذلك. أن الوعي لا الغيبوبة هو الذي يجعل المبدع يبحث عن شكل وراء شكل, ولون وراء لون, ويخوض تجربة وراء تجربة حتى يصل إلى العمل الخالد, الذي لا يصيبه العطب ولا يموت سريعا بين يديه بمجرد أن يولد, لوحة (الموناليزا) لليوناردو دافنشي, لوحة (الجرينكا) لبابلو بيكاسو, كتاب (النبي) لجبران خليل جبران, موسوعة (شخصية مصر) للدكتور جمال حمدان, (في ظلال القرآن) لسيد قطب, كتاب (رأس المال) لكارل ماركس, كتاب (تفسير الأحلام) لسيجموند فرويد, وغيرها من الأعمال التي حفظت البشرية, فحفظتها البشرية. وتدخل في الحوار عبر الإنترنت طبيب نفساني متخصص في الموضوع, هو الدكتور البريطاني جيمس بيتر الذي أجرى دراسة ميدانية عن المبدعين المدمنين للحشيش في الهند, وتوصل إلى نتيجة مذهلة وهي أن الحشيش تسبب في ضياع الثروة العقلية والإبداعية لأكثر من ثلاثة أرباع المبدعين الذين شملتهم العينة, فالحشيش يحطم خلايا القدرات العليا التي وهبها الله لعقول الشعراء والأدباء والفنانين والصحفيين, لكن, أخطر ما يسببه الحشيش الاحساس الكاذب الذي يسيطر على مدمنه بأنه لايزال قادرا على التأثير والعطاء, بينما هو في الحقيقة لا يفعل إلا ما يثير الرثاء وكل ما يضيفه في الوقت غير المناسب تحت تأثير المخدر يخصم من رصيده الذي كونه في الوقت المناسب وهو في كامل وعيه. ان الموهبة نعمة من عند الله لا يجوز إهدارها أو العبث بها وإلا كان ذلك نوعا من الكفر والخطيئة, ولقد كانت أم كلثوم مستعدة أن تضحي بكل ما تملك من ثروة وهناء عاطفي مقابل أن تظل حنجرتها صافية وشفافة مثل الماس, وبسبب خوفه على صوته كان محمد عبدالوهاب لا ينفعل وهو يتكلم حتى لا يشرخ حباله الصوتية, وكان يخشى البرد حتى أصيب بمرض الوسواس القهري, فقد كان يعتقد أن العدوى يمكن أن تنتقل إليه عبر أسلاك التليفون, ولايزال مغني الأوبرا الشهير بافاروتي يمتنع عن الكلام لمدة اسبوع على الأقل قبل الغناء, وربما كان واحدا من القلائل الذين غنوا دون أن يشربوا قطرة خمر واحدة منذ أن عرف قيمة صوته, وكان بيكاسو يقول: (إن نشوة الخمر لم تكن في يوم من الأيام وسيلة إقناع بالرسم .. ولكن نشوة الخمر تأتي بعد ذلك وأنا أتأمل لوحة انتهيت منها) . فهل بعد ذلك نصدق كل من يكتب وهو مسطول وغائبا عن الوعي أو مترنحا بين الوعي والغيبوبة؟ أفيقوا يرحمكم الله.