بقدر ما تحرص الدول المصدرة للنفط داخل أوبك وخارجها على كبح جماح معدلات الانتاج النفطي من أجل ابقاء اسعار النفط العالمية مرتفعة بقدر ما يجب ان تحرص على الحيلولة دون حدوث انفلات سعري يمكن ان يؤدي الى نتائج معاكسة فيتحول الصعود السعري الى هبوط.لقد وصلت أسعار النفط العالمية الآن الى مستوى لم تبلغه منذ تسع سنوات. قبل عامين فقط دقت اجراس الانذار في الدول النفطية عندما نزل متوسط السعر الى 10 دولارات فقط للبرميل مسجلا هبوطا بنسبة النصف تقريبا. ومن فرط الجزع الذي أصاب الدول المنتجة جميعا تبلور للمرة الاولى اتفاق بين المنتجين داخل اوبك وخارجها للتعاون الاجماعي ازاء السوق النفطية العالمية. ونتيجة لذلك انبثق اتفاق على امتصاص الفائض في السوق النفطية عن طريق خفض معدلات الانتاج وفق حصص معينة, وبالتدرج اخذت الاسعار في الارتفاع. ثم تسارع الايقاع في الشهور الاخيرة حتى بلغ متوسط السعر الآن اكثر من 26 دولارا للبرميل بزيادة تبلغ اكثر من الضعف ونصف الضعف, والمؤشرات تفيد بأن هذا المسار التصاعدي سوف يتواصل.. اكثر من ذلك فان بعض خبراء سوق النفط العالمية يقولون ان التصاعد يتجه الآن صوب مستوى 30 دولارا وقد يصل الى 40 دولارا. هنا مكمن الخطر رغم هذه الاخبار السارة فجبهة الدول الصناعية المستهلكة للنفط قد تتحرك باتخاذ تدابير مضادة كرد فعل كما حدث في سبعينيات القرن الماضي, ولذا فان المطلوب من الدول النفطية ـ وفي مقدمتها دول الخليج العربية ـ ان ترصد بدقة ديناميكية الطلب والعرض في السوق العالمية لكي تتخذ اجراءات ملائمة بشأن معدلات الانتاج ضد احتمال انفلات سعري غير محسوب يمكن ان يفرز اثارا سلبية. اذ من البدهيات ان اية زيادة في اسعار النفط الخام تنعكس تلقائيا على كلفة الانتاج في الدول الصناعية المستهلكة للنفط, وربما تستطيع هذه الدول ان تتعايش وتتلاءم مع زيادات سعرية متتالية.. ولكن الى حد معين, وذلك عندما تتصاعد كلفة الانتاج الى درجة خطيرة تهدد باحتمالات الخسارة للمصانع. متى وكيف تصل الدول الصناعية الى هذه النقطة التي عندها سوف تفكر حتما في تدابير رد الفعل؟ هذه هي المسألة التي يجب ان ينكب عليها اقتصاديو دول الخليج بغرض تحديد الحد السعري الاقصى لبرميل النفط الذي يحتمل ان يؤدي تجاوزه الى تهابط الطلب العالمي على النفط فتبدأ الاسعار في الانحدار. لقد كان في تجربة (الفورة النفطية) في السبعينيات درس بليغ ينبغي استرجاعه الآن مع تبلور الفورة الجديدة التي نرى شواهدها الآن. فعندما بلغت اسعار النفط مستوى 40 دولارا للبرميل عند نهاية السبعينيات اخذت ردود الفعل في الدول الصناعية تفرز تأثيراتها الفعلية. فقد اتخذت تدابير تقشفية واسعة النطاق ادت الى خفض الطلب الغربي على النفط. ومن ناحية اخرى ضاعفت الدول الصناعية من اسعار منتجاتها السلعية المصدرة الى اسواق الخليج وغيرها. ورويدا اخذت اسعار النفط في الهبوط مع مطلع الثمانينيات الى ان وصلت الى حالة انهيار سعري في منتصف العقد تدنت فيها اسعار النفط الى اقل من 10 دولارات للبرميل. اجل ان التصاعد الراهن في اسعار النفط اخبار سارة دون شك. لكن المهم المحافظة على الاسعار مرتفعة ومستقرة لأطول حد ممكن.. وبالتالي عدم السماح لها بالانفلات. ولنستذكر على الدوام ان المعادلة السعرية لأية سلعة تتكون من عنصرين: عرض وطلب.. لا عرض فقط.