حين تشتد الأزمات الاقتصادية على الشعوب الفقيرة, وتصل معاناتها إلى حد لا يمكن احتماله, تكون على استعداد لتصديق أية وعود سياسية لإنقاذ الوطن من الانهيار,وإنقاذ الناس من الجوع, وعلى استعداد للإيمان بأي نظرية ـ حتى لو كانت من صنع مجنون ـ لكي تحاول الخروج من تلك الأزمة , وهذا هو بالضبط ما حدث في الإكوادور, تلك الدولة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 12 مليون نسمة, وتنتمي إلى حزام الفقرالأبدي في أمريكا اللاتينية, الذي يضم عددا آخر من الدول مثل بوليفيا والسلفادور وكولومبيا, على الرغم من احتواء أراضيها على ثروات طبيعية مهمة للعالم الصناعي المتقدم, كالبترول والمعادن, وربما كانت تلك الأهمية هي السبب في الأزمة, أو أحدالأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة, التي عاشها الشعب الاكوادوري ولا يزال يعيشها, ويبدو أنها ستستمر إلى عقود قادمة.الأزمة الاقتصادية وانخفاض مستوى المعيشة يعتبران من العلل المزمنة في الإكوادور, على الرغم من وجود طبقة من الأثرياء, وإن كانت محدودة العدد, أحفاد المستعمرين الاسبان القدامى, وبعض الشماليين البيض الذين ينتمون إلى الولايات المتحدة, الذين يشترون كل شىء باسم التجارة وحرية تنقل رؤوس الأموال, ويشارك هؤلاء أيضا جزء من المهاجرين الجدد إلى تلك البلاد بحثا عن المال, ومنهم المهاجرون من الشام العربي, من سوريين ولبنانيين. لذلك ليس غريبا أن نجد أن معظم الطبقة الحاكمة, والطبقة الأرستقراطية والمتوسطة التي تدعم الطبقة الحاكمة لارتباط مصالحها الخاصة, كل هؤلاء ينتمون إلى أصول أجنبية في الغالب, ومن هنا يمكن تفسير عدم وجود زعيم سياسي أو اقتصادي واحد له ملامح تنتمي إلى الهنود الحمر, الذين يعتبرون سكان البلاد الأصليين, والذين تناقص عددهم بعد الاستعمار الاسباني, لكنهم لا يزالون يشكلون حوالي نصف عدد سكان الإكوادور. يضاف إلى ذلك الأمية التي تتربع على عقول معظم الطبقة السفلى, التي تعيش تحت أدنى مستوى للفقر طبقا لإحصائيات الأمم المتحدة ومنظماتها الأخرى المعنية بذلك. في ظل هذه الظروف تمكن مهووس من أصل لبناني هو (عبد الله أبو كرم) من الوصول إلى رئاسة البلاد تحت شعارات (عنز لكل مواطن) , ومن انتخبوه بالطبع كانوا من فقراء الإكوادور الذين ينتمون, سواء إلى الأقلية الهندية أو إلى الطبقة الفقيرة, التي تعتبر القاعدة العريضة للشعب, ويبحثون عن أي معجزة تنقذهم من الأزمة الاقتصادية المستحكمة التي لا تكاد تترك لهم فرصة العثور على وجبة غذائية واحدة في اليوم. لكن سرعان ما وضح أن الشعار كاذب, وأن صاحبه ليس سوى مجنون شهرة, ولم يستمر الرئيس الملقب بـ (المجنون) سوى أشهر قليلة حتى ثار عليه الذين انتخبوه ورفعوه إلى أعلى سلطة في البلاد, وتلفتوا حائرين بحثا عن منقذ جديد في الانتخابات التالية, التي أعقبت هروب المجنون بجلده وهوسه قبل عام ونصف, كان على الشعب الإكوادوري الاختيار ما بين الأستاذ الجامعي جميل معوض اللبناني الأصل أيضا, والمنتمي إلى الطبقة العليا ذات الأصول الأجنبية, والذي درس الاقتصاد في جامعة هارفارد الأمريكية, ويقوم بتدريسه في جامعة العاصمة كيتو الوطنية, ويمثل أيضا توجها جديدا بين الطبقة السياسية, التي يمكن توصيفها تحت تصنيف (الوسط) , أي أنه سياسي معتدل, لا يميني ولا يساري, وله تجربة سياسية سابقة خلال توليه منصب عمدة العاصمة, التي استخدمها للوصول إلى كرسي الرئاسة. وما بين مرشح يميني رجل أعمال ثري رفع شعارات مشابهة لشعارات (المجنون) عبدالله أبو كرم, ولم يكن غريبا عن الرئيس المجنون, بل كان صديقه وممول حملته الانتخابية, لكن الفارق بينهما أن رجل الأعمال الثري كان يستخدم المجنون كأداة للاستفادة من الحكومة, أي سرقة أموال الشعب من وراء الستار. ربما لهذا السبب قرر الشعب الإكوادوري اختيار الدكتور الأستاذ الجامعي جميل معوض, أستاذ الاقتصاد, لرئاسة الدولة لعله ينقذ الاقتصاد من الانهيار الكامل, إن كان هناك ما يمكن إنقاذه, خاصة أن الدكتور الأستاذ الجامعي له نظريات معروفة في الاقتصاد, لكنها تظل نظريات, لم يشاهد الشعب نتيجة تطبيقها, لكنه على الأقل يتمتع بسمعة طيبة كأستاذ اقتصاد أكاديمي, فيما يكفي رجل الأعمال علاقته بالرئيس المجنون لرفض قبوله كرئيس للدولة, لأن التصويت لصالحه ليس سوى (وضع الذئب بين الشياه) كما يقولون. لكن يبدو أن الدكتور جميل معوض لا يعرف الفارق بين شرح النظرية لطلابه في المدرجات, وتطبيق تلك النظرية على واقع معقد ومركب, لم تمض على بداية فترة رئاسته أشهر قليلة حتى كان الشارع الشعبي يغلي ضده, بعد أن بدأت عملة البلاد تفقد قيمتهابشكل مستمر, ولا يبدو أن هناك أملا في وقف هذا الانهيار, وواجه هذا الانهيار بأسهل الطرق بالنسبة له كحاكم دون حساب انعكاس ذلك على حياة الشعب, فقرر رفع أسعار مشتقات النفط في بلد يعتبر نفطيا, بل وينتمي إلى البلاد المصدرة لهذه المادة الخام. وذلك بدلا من القضاء على أسباب الأزمة الاقتصادية التي تكمن في الفساد المستشري في الحكومة, ووقف الانهيار الاقتصادي من خلال تقنين عمل البنوك التي تمارس المضاربة, ولا تلعب أي دور في دفع عجلة الاقتصاد من خلال عمليات إنتاجية, وتقنين دخول وخروج رؤوس الأموال الأجنبية التي كانت تمارس المضاربة أيضا, بل مضاربة رؤوس الأموال الخارجية كانت اخطر لأنها كانت تضارب في العملة الوطنية (السوكري) , قرر الرئيس جميل معوض إغماض عينيه عن كل هذا, واتخذ قرارا بوقف الانهيار بقروض أجنبية قدمها له صندوق النقد الدولي بشروطه المعروفة, أي القروض ليست سوى مجرد مسكن مؤقت تبدأ بعده عملية سداد الأرباح وخدمات الديون التي تكاد تمتص أكثر من نصف ناتج الدخل القومي. ثم زاد الطين بلة, أن اتخذ بعد ذلك خطوات داخلية أصابت معظم الطبقة المتوسطة, من خلال قرارات عشوائية, مثل تجميد المدخرات والودائع المصرفية لمدة عشر سنوات كاملة, مقابل فوائد تصل إلى حوالي 7 في المئة فقط, ولأن الطبقة الثرية تحتفظ بمدخراتها في البنوك الأمريكية, أو في حسابات سرية بالبنوك الأجنبية المنتشرة في جزر الكاريبي للتهرب من الضرائب, كان على الطبقة المتوسطة أن تتلقى الضربة الجديدة لأنهم هم المدخرات التي كانت توجد في البنوك الوطنية عند صدور قرارالتجميد, لأن معظم من يملكونها ينتمون إلى تلك الطبقة, بل أن معظم هؤلاء من المتقاعدين الذين يعتمدون على مدخراتهم القليلة للحياة السنوات القليلة المتبقية لهم في العمر من خلال استغلال تلك المدخرات, لأن تجميدها لفترة عشر سنوات يعني أن أكثرهم سيموتون قبل أن يروا تلك المدخرات بين أيديهم, ومن تسعفه الحياة سيجد بين يديه أوراقا لا قيمة مادية لها في ظل ارتفاع الأسعار وانهيار العملة الوطنية في مواجهة الدولار. عندما انتهت فترة الهدنة التي سادت البلاد بعد قروض صندوق النقد الدولي عادت الأزمة من جديد عندما حان موعد تسديد الفوائد, لحظتها كان الاقتصاد أكثر سوءا مما كان عليه عند الحصول على القرض الدولي, خلال عام ونصف من الحكم فقدت العملة الوطنية 197 في المئة من قيمتها مقابل الدولار, بل أن العملة الوطنية أصبحت في مهب الريح خلال الأسابيع الأخيرة, والدليل على ذلك أنها فقدت خلال الشهر الماضي فقط نسبة 20 في المئة من قيمتها في مواجهة الدولار, فيما تبلغ نسبة التضخم في الاسعار حوالي 60 في المئة سنويا, وهي أعلى نسبة تضخم في العالم كله تقريبا. ولأن الرئيس جميل معوض لا يزال يعتقد في تطبيق نظرياته الاقتصادية دون النظر إلى الأسباب الحقيقية للازمة التي تعيشها بلاده, قرر أن يكون الحل على الطريقة الأرجنتينية, أي دخول دائرة السيطرة الاقتصادية الأمريكية من أوسع أبوابها وهو (باب الدولار) , أي استخدام الدولار كعملة وطنية, فيما تبقى العملة الوطنية (السوكري) كعملات صغيرة للتعامل بها كعملة مكملة للعملة الأمريكية صاحبة السيادة. اعتمد الرئيس في ذلك على نظرياته التي تعلمها من خلال الممارسة السياسية التي ترى في قبول الهيمنة الأمريكية وعدم معارضتها الحل الوحيد لأي أزمة في الدول الفقيرة المغلوبة على أمرها, وكانت أول خطوة على هذا الطريق تقديم عرض مغر للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام أراضي الإكوادور كقاعدة عسكرية بديلة للقواعد التي فقدتها في بنما بعد الخروج من ارض القناة هناك, على الرغم من أن هذا القبول يتعارض مع رفض البرازيل والبيرو, بل وكولومبيا, ورغم تردد الأرجنتين ـ في ظل رئاسة الرئيس منعم ـ لقبول جنود أمريكيين على أراضيها. لكن مشكلة تطبيق الدولار كبديل للعملة الوطنية لا تكمن في قبول أو رفض الولايات المتحدة صاحبة العملة, بل في أن الأسباب الحقيقية للازمة لا تزال تراوح مكانها, والتي تتمثل في الفساد المستشري في الإدارة المدنية, وتواطؤ الشرطة والجيش مع الحكومة, وفساد السلطة التشريعية التي يسيطر عليها التجار والأثرياء أصحاب المصالح الخاصة, ومصالح إدارات البنوك والمصارف العاملة في الإكوادور, التي تلتقي بلا شك مع مصالح من يسيطرون على دول أمريكا اللاتينية ويحركونها عبراستخدام الدولار. لذلك يرى المحللون أن الطريق الذي اتخذه الرئيس جميل معوض طريق خاطىء ولا يقدم حلولا للمشكلة, بل عليه أن يتخلى عن نظرياته وقدرته على التحالف مع الجيش والشرطة لفرض تلك النظريات على شعب لا يريد سوى رغيف الخبز, وان يحاول أن يتوصل مع ممثلي الطبقات العريضة إلى صيغة تجعله يتخلص من الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الأزمة الاقتصادية, وان كان هذا من الصعوبة بمكان بحيث يتطلب أجيالا من اجل التوصل إلى حلول لها, لأن الوضع السياسي معقد أمامه, خاصة أن الذين أيدوه وحملوه على اعتقاهم فقدوا الثقة فيه, وكما تقول إحدى اللافتات التي رفعها المتظاهرون ضده: (سيدي الدكتور أنت لا تصلح رئيسا للبلاد) , أو تلك الأخرى التي تقول: (نريد رئيسا لا أستاذا جامعيا) . حل المشكلة الاقتصادية في الإكوادور ليس مستحيلا, لأن البلاد لا تختلف عن غيرهامن دول أمريكا اللاتينية التي عانت خلال سنوات طويلة وخرجت من تلك الأزمة باستخدام حلول جذرية تجعلها على الأقل قادرة على التطلع إلى المستقبل بأمل, كماحدث في الأرجنتين والبرازيل والمكسيك, وهكذا اطاحت سياسات الرئيس جميل معوض الاقتصادية بمستقبله السياسي. وبدل أن ينجح هو في القضاء على الأزمة الاقتصادية التي اختاره الناخبون ليقضي عليها قضت هي عليه واقصته من كرسي الرئاسة. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا