عندما يحتك العربي مع الواقع السكاني في بلدان اوروبا والولايات المتحدة, فان بين مايفاجئه الاعداد الكبيرة للجاليات العربية في تلك البلدان وتتأكد المفاجأة عندما يتأمل العربي المعطيات السكانية لتلك البلدان, حيث يكتشف بالأرقام الدقيقة الوجود العربي هناك والذي يتجاوز الملايين من العرب ممن استقروا في تلك البلدان , حيث بعضهم يحمل جنسيتها, وبعضهم ينتظر املا في ان يحوز على الجنسية. ورغم احساس البهجة الذي يجتاح العربي, وهو يرى اخوانه وابناء جلدته وقد صاروا موجودين في الاهم من بلدان العالم وعواصمه الكبرى وان بعضهم يحتل مواقع مهمة من النواحي العلمية والاقتصادية واحيانا في الحياة الاجتماعية, الا ان احساس البهجة سرعان ما يضعف ويتلاشى مترافقا بسؤال عما قاد هذه الملايين من العرب الى هذه البلاد الغريبة والبعيدة, والى هذه العواصم التي لاتشبه عواصمنا من قريب او بعيد, ويتساءل العربي عما جعل الملايين ودفعهم لان يغادروا اوطانهم ويلجأوا الى بلدان واوطان جديدة في وقت تتأكد وتتضاعف حاجة بلدانهم لهم بما يملكون من خبرات وامكانيات. ونظرة عاجلة الى الواقع تبين ان في قائمة العرب المقيمين والمستقرين في بلدان اوروبا وامريكا عربا ينتمون الى كل البلدان. بعضهم جاء من سوريا, واخرون من الاردن ومصر والسودان وغيرهم ممن قدموا من ليبيا ومن اليمن والمغرب غير ان الارقام الاكبر جاءت اساسا من العراق ومن الجزائر ومن لبنان ومن فلسطين. وبطبيعة الحال فإن من المفهوم ان يكون بين عرب المهاجر الاوروبية ـ الامريكية فلسطينيون ممن طردهم الاسرائيليون من وطنهم بعد ان استولوا على ارضهم وممتلكاتهم ولم يعد لدى الفلسطينيين وطن يقيمون فيه ولا بلد محدد ينتمون اليه ويكسبون منه عيشهم فتشتتوا في مختلف البلدان وهو امر يرضي ويستجيب للحل الدولي المتقاطع مع المصلحة الاسرائيلية في توطين الفلسطينيين حيث هم ومنعهم من العودة الى وطنهم حاليا وفي المستقبل. وغالبا فان من المفهوم ايضا, وجود الملايين من العراقيين المنتشرين في المهاجر بعد ان ضاقت عليهم الحياة في بلادهم ومنعت وجود الحد الادنى من مستلزمات الحياة الانسانية من غذاء ودواء وكساء فصار العراقي جائعا وعاريا, ولايجد حاجته وحاجة اطفاله المرضى من الدواء, وكان هذا مكملا لسياسة الطرف الثاني والذي تمثله ممارسات الدولة العراقية, والتي اثقلت على مواطنيها بسياسات التهور والارتجال فقادت العراق من حرب خاسرة الى حرب مدمرة, بينما كانت تحاصر مواطنيها, وتمنع عنهم الحقوق الانسانية الاساسية ومنها الحق بالمشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والحق بالتعبير عن الذات الفردية والاجتماعية الى جانب مصادرة الحقوق الاخرى والتي صارت من بديهيات الحياة المتحضرة في العالم المعاصر وفي كل الاحوال فإن في نتائج ما اصاب العراق والعراقيين تهميش لامكانيات عربية هائلة, وتدمير لقدرات احد اهم مواقع القوة العربية. وقد يكون من المفهوم سبب وجود اعداد كبيرة من الجزائريين ومن الصوماليين وبدرجة اقل من السودانيين حيث ان بلاد هؤلاء العرب جميعها دخلت اتون الحرب الاهلية فصار القتل فيها مجانيا او شبه مجاني, وهو حال يتشابه مع احوال بلدان عربية اخرى, دخلت نفق الحرب الاهلية, واستطاعت ان تخرج منها, كما هو حال لبنان والذي دفع خلال عقد ونصف من سنوات الحرب الاهلية اكثر من مليون من مواطنيه للهجرة الى اوروبا وامريكا واستراليا. غير ان فهم ظروف وشروط وجود ملايين الفلسطينيين والعراقيين والجزائريين وغيرهم من المهاجرين او دفعوا للهجرة, ممن اجتاحت او تجتاح بلادهم حميات وسياسات القوة والاجبار والاكراه الدموي وهو مايدفع الى التدقيق في ظروف وشروط المقيمين في المهاجر من ابناء البلدان العربية الاخرى الامر الذي يقود الى القول ان هذه البلدان وان نجت من الدخول في متاهات السياسات الدولية, والعبور الى دموية الحرب الاهلية, فانها لم تستطع توفير حدود مناسبة للحياة لقطاعات واسعة من سكانها, ولاسيما الفئات الفقيرة والوسطى وحيث ان الاولى محدودة الامكانيات والخبرات بخلاف الفئات الوسطى, فان الاخيرة لجأت الى المهاجر بحثا عن حياة وظروف افضل لحياتها ومستقبلها. لقد ادت الظروف والمعطيات على اختلافها وتناقضها الى نتائج متماثلة ومتقاربة في كل الاحوال فصار من العرب ملايين من المقيمين في المهاجر الاوروبية ـ الامريكية والارقام تتحدث عن اكثر من اربعة ملايين عراقي, وعن مليون لبناني, ومثلهم من الفلسطينيين واكثر من ذلك من المصريين وبين هذا الرقم وذاك الملايين من السوريين والاردنيين والتوانسة والمغاربة لدرجة انه صار من حق من يتأمل الارقام, ويعاين الواقع, ويحلل الظروف ونتائجها, ان يتخوف من المستقبل واحتمالاته فيما يتصل بموضوع هجرة العرب الى الشتات الاوروبي ـ الامريكي وحصولهم على جنسيات تلك البلدان, ولعله مما يزيد هذه المخاوف, نزعة الكثيرين من ابناء النخب العربية, وتوجههم الى الحصول على جنسيات امريكية ـ اوروبية وينطبق الامر في ذلك على ابناء الفئات الحاكمة ايضا مما يتطلب بحثا ودراسة مدققة للظاهرة ونتائجها الظاهرة والمبطنة على السواء. كاتب سوري