مع كل تقدم أم تعثر في المفاوضات العربية الاسرائيلية يبرز السؤال الدائم حول من يسبق من ومن يحقق اكثر من الاخر في سباق المسارات. فبين المسارين السوري وبالطبع اللبناني من جهة والمسار الفلسطيني من جهة اخرى يرى البعض ان هناك تسابقا مقصودا وغير مقصود , تسابق تؤكده طبيعة المفاوضات وطبيعة الصراع مع اسرائيل وتسابق تؤكده حالة الشك بين دول المنطقة ومتطلباتها. وتعيش الاوساط التي تراقب تطورات المنطقة في العاصمة الامريكية حالة انقسام بين من يبحث عن استمرار المسار السوري ورديفه اللبناني وبين من يفضل استمرار المسار الفلسطيني انطلاقا من ان النقاط الرئيسية في المسار السوري الاسرائيلي قد توضحت وارتسمت وانه بالامكان الانتظار.. وبينما هناك من يعتبر بأن تأخر المسار السوري امر ايجابي لان الاخطر تفجر الوضع الفلسطيني, الا ان هناك من يرى ان النجاح في المسار السوري اللبناني يعود ويجعل التسوية مع الفلسطينيين اكثر سهولة وذلك نتاج ضغط الخروج السوري اللبناني من الصراع. وهكذا تمتلئ واشنطن بالاراء والافكار الغير رسمية بين تلك التي تريد ان ترى تحركا بهذا الاتجاه أو ذاك. وبالفعل وضعت المفاوضات السورية الاسرائيلية في الاسابيع الماضية التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي في نوع من الثلاجة الطبيعية, ومن الواضح الآن ان تعثر المسار السوري الاخير عاد ودفع المسار الفلسطيني نوعا ما الى الامام.. ان عملية الدفع اذن وعملية الجمود سوف تتحكم بالمسارين وهي مرتبطة بعوامل امريكية تعبر ايضا عن مدى المقدرة الامريكية على التركيز واعطاء الوقت المطلوب للنجاح لكل مسار على حدة. ونجد بين التيارات الاسرائيلية ايضا تناقضات تؤيد السير بأحد الاتجاهات, ونرى ان معظمها يؤيد عدم السير على جميع المسارات بنفس الوقت, فهناك قوى اسرائيلية ارادت ان يتجمد المسار السوري وذلك لطبيعة الثمن السياسي الذي قد يدفعه التحالف الحاكم نتيجة اخذ قرارات صعبة باتجاه الجولان. لهذا تأتي تصريحات باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي بعدم الاستعداد لتوقيع تعهد بالانسحاب من الجولان قبل العودة للتفاوض لتعكس التوازنات الداخلية الاسرائيلية. لكن الموقف السوري هو الاخر لديه خطوطه الحمراء الداخلية والاقليمية والتي لا تسمح بمتابعة التفاوض دون التزام اسرائيلي بالانسحاب. لهذا سيطر الجمود على عملية التفاوض ولم تحقق لجنة الانسحاب التي شكلت ابان المفاوضات اي تقدم يذكر. ومع ذلك ان الخلاف السوري الاسرائيلي ليس الآن على مبدأ السلام بحد ذاته او على مبدأ الانسحاب بحد ذاته.. الخلاف الآن حول مدى الانسحاب (كل الجولان) ثم عمق وطبيعة السلام وطبيعة الاجراءات الامنية. ان عملية الجمود الآن رهن الى حد كبير بالدور الامريكي والموقف الاسرائيلي من الشرط السوري: اي الالتزام بالانسحاب من الجولان. اما على صعيد التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي فان المسألة الرئيسية في التفاوض تدور حول التوصل لمبادئ عامة حول الحلول النهائية الخاصة بالمستوطنات والسيادة والحدود واللاجئين والقدس. وهناك خطوط عريضة لحل حول القدس يشمل سيطرة ادارية فلسطينية على الاحياء الشرقية في القدس وتحويل القدس الى منطقة اكبر من حدودها الحالية لتشمل قرية ابو ديس الفلسطينية حيث بامكان السلطة ان تعلنها عاصمة لدولتها. هكذا تبرز خيوط تفاوض حساسة حول القدس. لكن مدى مقدرة الاطراف على تلبية المصالح الحقيقية والاعلانات السياسية تبقى غامضة في هذه المرحلة. فاسرائيل تسعى لاتفاق سريع حول المرحلة النهائي ة تحقق بموجبه مكاسب لقاء تنازلات فلسطينية. وبنفس الوقت تتعرض السلطة الفلسطينية المفاوضة لضغوط كبيرة وذلك لتحريك التفاوض نحو اتفاق ما.. لهذا يواجه هذا المسار ضغوطه الخاصة ومصاعبه, وقد لا ينجح في التوصل لاتفاق في فبراير المقبل. اذ من مصلحة الفلسطينيين تأجيل الاتفاق وكسب مزيد من الوقت للتوصل لاتفاق يعكس مصالحهم الحيوية. وبنفس الوقت ان القضايا الخاصة بالاتفاق المرحلي مازالت معلقة (الانسحاب من 6% من الضفة الغربية المتفق عليه والممر الامن الثاني) وقد يقع تقدم على هذه القضايا قبل وقوع تقدم على القضايا الحساسة والنهائية. في بداية القرن الجديد تقدمت المفاوضات, ولكن في بداية القرن الجديد تواجه المفاوضات تعثراتها المعروفة والمتكررة. اذ تبقى عملية السلام عملية تتم بين اعداء خاضوا الحرب تلو الاخرى, ولكنها تتم بين دولة حققت انتصارات عسكرية ودول ومجتمعات خسرت على المدى التاريخي في اكثر من مجال. لهذا ما يتم اليوم في هذه العملية السلمية يتطلب الكثير من الدقة, لكنه يجب ان يستند الى الكثير من الانصاف الذي يسمح في المستقبل بحراسة السلام وتطويره وتنميته. فالسلام الذي لا يعبر عن مصالح الاطراف يبقى ناقصا وباردا ومهددا. * استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت