ماذا يعني الصلح بين جماعة البشير وجماعة الترابي الذي تحقق الاسبوع المنصرم على يد (هيئة الشورى) ـ اعلى هيئة في تنظيم حزب (المؤتمر الوطني) الحاكم في السودان؟في كلمة واحدة يعني هذا التصالح بناء على التعديلات التي اجريت على بنود النظام الاساسي للحزب لرسم حدود دقيقة فاصلة بين الحزب والدولة بما يحجم سلطان الحزب على الدولة انتصار البراغماتية على التزمت الايديولوجي, ولكن مع عدم التقليل من اهمية هذا الحدث وتأثيره المرتقب على مجمل السياسات الداخلية والخارجية للنظام الحاكم فان الازمة التي نشأت بين الرئيس البشير ود. الترابي وحلها على النحو الذي رأينا تبقى شأنا (عائليا) ـ- اي امرا ينحصر في دائرة حزب (المؤتمر الوطني) وما يترقبه الناس هو ان يكون هذا التصالح بداية لا نهاية لاستئناف المساعي والتدابير التي يجب ان تفضي الى تصالح وطني شامل على الصعيد الاعرض بين الحكومة والمعارضة. واذ لا يتسع المجال لاستعراض تفاصيل التعديلات التنظيمية التي ارتضاها كل من جماعة البشير وجماعة الترابي في اطار هيئة الشورى فاننا نكتفي بالقول ان هذه التعديلات تتناغم مع القرارات الحاسمة التي سبق ان اتخذها وانفذها الرئيس البشير قبل نحو شهر ونصف الشهر لالغاء (ازدواجية السلطة) . هذه القرارات كانت تعكس انقلابا في التوجه العام للسياسة الداخلية والخارجية لصالح النهج البراغماتي على حساب التزمت الايديولوجي مع الاحتفاظ بالطابع الاسلامي العام. والهدف من الجولة الخارجية التي قام بها الرئيس البشير ابتداء من دول الجوار ـ ليبيا ومصر وإريتريا ـ عبورا باليمن وانتهاء بدولة الامارات العربية المتحدة ـ هو شرح هذا التغيير باعتباره تدشينا لنهج جديد للسودان على صعيد العلاقات الخارجية. هذا النهج يعتمد مبدأ الالتزام الصارم بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الاخرى مقابل عدم تدخل الآخرين في الشأن السوداني. وليس معنى ذلك ان حكومة الرئيس البشير لم تكن ملتزمة بهذا المبدأ وانما معناه ان عهد التدخل الايديولوجي الذي كان يمارسه د. الترابي وجماعته في آلية السياسة الخارجية بما يتناقض مع الخط الدبلوماسي للحكومة في اي ظرف معين قد انتهى. هذا بالتحديد هو مغزى الرسالة التي ابلغها الرئيس البشير لرؤساء الدول التي زارها مؤخراً. ومع اهمية هذا التطور فانه يبقى حدثا ثانويا على هامش القضية الاعظم... وهي قومية الحكم. فالمأمول هو ان الحكومة بوسعها الآن بعد ان تخففت من عبء الازمة وخرجت منها الى طريق جديد ان تستأنف التواصل مع قادة المعارضة لاستكمال مشروع المصالحة الوطنية صوب تحقيق هدف قومية الحكم في اطار ديمقراطي تعددي شامل. ان البند الفوري على الاجندة هو عقد مؤتمر للحوار الوطني يضم ممثلي الحكومة مع قادة المعارضة قاطبة ودون استثناء. ورغم ما يعلن ويكرر عن توافر حسن النوايا على الجانبين الا ان الانطباع العام السائد حتى الآن هو ان الامور تسير ببطء. فقادة (التجمع) المعارض مشتبكون في مجادلات وتبادل اتهامات بشأن المبادرات الخارجية المطروحة: هل الافضل المبادرة المصرية الليبية المشتركة ام مبادرة (إيقاد) ؟ ام ان الافضل من كليهما دمجهما في مبادرة موحدة او التنسيق بينهما؟ ورغم ان نشاط الوسيطين المصري والليبي لم يتوقف فانه لا تتوافر مؤشرات ايجابية يمكن ان يستدل بها بأن هذه المجادلات سوف تحسم في أمد منظور. ان التجادل دليل حيوية من حيث المبدأ. لكن يخشى ان يكون صحيحا ما ورد على لسان السيد الصادق المهدي رئيس (حزب الامة) من ان هناك اطرافا في (التجمع) المعارض لا تريد اصلا حلا سياسياً.