يلعب الاعلام والتربية دورين مهمين وفاعلين ومؤثرين في حياة المجتمع والدولة, فالاعلام في حقيقته يهدف الى توصيل رسالة الى المجتمع تتضمن انواعاً من المعارف والثقافات والمعلومات والحقائق والاخبار, والتربية تعلم افراد المجتمع وفق قنوات اكاديمية منظمة تهدف في نهاية الامر الى احداث تغيير سلوكي وفكري ومعرفي وثقافي وتعليمي وتربوي, بحيث يصل المجتمع بأفراده الى نوع من الرقي الفكري والتقدم التقني المنشود . واهمية العلاقة بين الطرفين تتشكل ملامحها من خلال قوة الترابط والتفاعل والتواصل والتكامل والتناسق في الادوار بينهما, حيث ترتكز (آليات) الاعلام في أساسها على تكامل الاثر التعليمي الذي تقوم به التربية, وترتكز (آليات) التربية من خلال قنوات التواصل التعليمية مع الاعلام. والتعامل والتفاعل يحدثان من خلال دائرة الربط التي تربط الدور المهم للاعلام بالتربية, على اساس ان كلاهما يهدف الى خدمة المجتمع وتنويره بما هو اصلح, وكلاهما يحاول جاهداً توظيف عناصره البشرية ووسائله الفنية وموارده المادية في خدمة قضايا المجتمع. ويتضح من ذلك أن هناك تقاربا حقيقيا بين الهدف الذي يسعى اليه الاعلام بحيث يخدم قضايا التربية, والهدف الذي تسعى اليه التربية بحيث توصل رسالتها بشكل واضح عبر وسائل الاعلام المختلفة (المقروءة والمسموعة والمرئية). وقد نكون صريحين اكثر ونقول أنه بالرغم من خطورة الدور المؤثر الذي تلعبه وسائل الاعلام في توصيل رسالة التعليم بكل محتوياتها ومجالاتها ومضامينها المختلفة, الا أنها في كثير من الاحيان قد تتناقض مع اهداف التربية, وقد تشكل نوعا من المنافسة يتطور في بعض الاحيان شيئا فشيئا حتى يصل الى نوع من الهدم المقصود أو غير المقصود. ويتمثل هذا الهدم في صور ومجالات عديدة, مثل البرامج والافلام والاغاني الهابطة والاقلام الرخيصة والافكار الهدامة وبعض ادوات الترفيه التي تعتمد في مضامينها على الاثارة الغريزية والتي تتعارض مع ابسط القيم التربوية التي يتعلمها الطالب في المدرسة. وأخطر ما يواجه سياسة التعليم اليوم اتساع دائرة النقد الصحفي الذي اصبح يرصد وبدقة كل ما يجري في سياسية التعليم ومشاريعه الاستراتيجية, والتي في اساسها اصبحت تمس هموم ومصالح المجتمع المحلي. وهذا الامر اصبح واضحا تماما من خلال مايسطر على صفحات جرائدنا المحلية ولايستطيع أي مطلع على حقائق الامور أن يغض النظر عنه. ونحن نعترف وبصراحة أن هناك خللا وعدم وضوح في صياغة بعض اهداف التربية, وأن معظم افكار الاصلاح التعليمي التي انجزت في الماضي والحاضر عبارة عن (نزوات) موجودة اليوم وغائبة غدا, وهذه النزوات تحتمها بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغالبا ما تحددها اهواء بعض المسئولين. ولا أغالي اذا قلت ان تعديل المسار التعليمي في الامارات قد (هلك) من الدراسات واللجان والمجالس المتخصصة, ونحن اليوم اصبحنا في حاجة إلى ايجاد فكر جديد يتعامل بكل صدق وامانة مع قضايانا التربوية وسياستنا التعليمية, ويراعي اهمية الاطلاع على وجهات نظر الآخرين ويتبنى اسلوب الحوار والتشاور, ويتكيف بجدية في التعامل مع كل ما يكتب أو يقال في صحافتنا المحلية على انه نوع من الفكر التصحيحي المكمل لسياسة التعليم, والذي قد يساعد المؤسسة التربوية في ايجاد حلول ومعالجات تدفع بمسيرة العمل التربوي في الدولة الى النهوض والتقدم والمنافسة, وانه لايجب ان ننظر بعين التعالي والازدراء الى وجهات النظر المعارضة على انها افكار مضادة ولايجب الاخذ بها ونخلق من هذه القصة المستمرة نوعاً من الصدام بيننا وبين الطرف المعارض. والتجارب علمتنا ان اكثر الافكار واصدقها تأثيرا كانت تأتي من الطرف المعارض, لذلك اصبحت الكثير من الدول والمجتمعات والمؤسسات ترى في وجهات النظر المعارضة اساسا في صياغة استراتيجيتها التعليمية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية, باعتبارها رؤية جديدة تحتمل الكثير من المعارف والحلول والخبرات التي قد تفيد الدولة أو المجتمع أو المؤسسة. قد يكون من اسباب انتشار مرض (النظرة الاحادية) في مجتمعنا الغياب الكبير لـ (ثقافة الحوار والتشاور) واحترام وجهات النظر الأخرى, عن أذهان الكثيرين منا, وهذا الغياب قد أوجد حالة من التفرد و(الدكتاتورية) عند بعض متخذي القرار, الامر الذي ادى لفشل الكثير من المشاريع والتجارب التنموية, وأوجد حالة من الهدر المالي والذي كلف خزانة الدولة في بعض حالاته مئات الملايين من الدراهم. قد نعترض وبشدة على بعض التجاوزات الصحفية التي اصبحت تنتهج اسلوب (التخويف) بديلا للحوار والتغيير والاصلاح, وهذا الأمر اصبح واضحاً تماما في بعض الصحف المحلية من خلال التشويهات الخبريه التي تتحدث عن بعض المشاريع أو القرارات أو الخطط التعليمية, والتي قد لاتستند الى تفاصيل ودلائل دقيقة وصحيحة عن هذا المشروع أو ذاك القرار, وما يصاحب ذلك من استغلال بعض الصحفيين لقصر تجارب بعض المسئولين, وفق اسلوب التحوير او التغيير أو الاضافة بغرض الاثارة الصحفية, وربما يصل في بعض الحالات الى تزييف بعض الحقائق والروايات على لسان هذا المسئول أو ذاك, واكبر دليل على ذلك الرسائل المتبادلة بين وزارة التربية وبعض الصحف المحلية بخصوص تصحيح او تكذيب أو تعديل او نفي بعض الاخبار والتصريحات المختلفة. والامر الآخر افساح المجال لبعض الأقلام المتحاملة والتي قد لا تحمل في كتاباتها وافكارها واطروحاتها مضامين تخدم بصدق سياسة التربية والتعليم. واقولها بصراحة أنه يوجد في الوزارة وفي الصحافة تيار خفي, يحول جاهدا ضرب العلاقة بين الطرفين وتسخيرها في سبيل أهوائه, وحتى يشعر هذا التيار بأنه مهم ويشعر السلطة بأهمية وجوده فانه يعمل جاهدا على افساد العلاقة المتميزة بين صحافتنا المحلية ووزارة التربية,بينما الواجب والضروري ان تقوم هذه العلاقة على أسس واحدة ولخدمة اهداف مشتركة, وان اختلفت الرؤى والوسائل, تحقيقا للمصلحة الوطنية التي يجب أن تكون لها الأولوية على أي اعتبار آخر. * كاتب وباحث من الامارات