اليوم تمر بلدان العالم كافة ـ البلدان المتقدمة النمو الصناعية الاغنى في الشمال والبلدان النامية غير الصناعية الافقر في الجنوب ـ بتغيرات مثيرة لافتة للنظر, وهي تواجه ايضا تهديدات كثيرة قديمة وجديدة, وليست هذه التهديدات كلها عسكرية وامنية . ان المشاكل المقترنة بتدهور البيئة العالمية والخطر المتعاظم الذي يهددها, وظواهر اللجوء والنزوح والتشريد والهجرة, ومشاكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والانسانية والحاجة والحرمان والاكتظاظ السكاني والادمان على تعاطي المخدرات وتدني مركز المرأة والكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات والاعاصير والجفاف والتصحر ومتلازمة نقص المناعة المكتسب (الايدز), وغيرها من التهديدات الخطيرة غير العسكرية تزداد خطورة واستفحالا. وبالاضافة الى ذلك تتفاقم النزاعات والصراعات الدينية والعرقية والعقائدية في مناطق كثيرة. ولخطورة هذه التهديدات على السلم والامن الدوليين, ينبغي للمجتمع الدولي والامم المتحدة ان يدرسا اعراض هذه التهديدات وان يعملا على ازالتها. وليس من قبيل المبالغة القول ان ازالة هذه التهديدات البغيضة تتطلب اكبر قدر من المعرفة الجماعية وحسن النية لدى الدول, وتوفر الارادة السياسية لديها وتطبيق المعايير الاخلاقية والانسانية الرفيعة. لقد انتهت الحرب الباردة بين الكتلة الاشتراكية برئاسة الاتحاد السوفييتي السابق والكتلة الغربية برئاسة الولايات المتحدة الامريكية, مما ادى الى انتهاء الحرب الباردة وانخفاض احتمال وقوع كارثة نووية. وهذا الانخفاض كان من الاسباب التي ادت الى زيادة وضوح التهديدات للسلم والامن الدوليين والى تناولها ـ أو تناول قسم منها على الاقل ـ بالدراسة. ان من الصحيح القول ان الامن ليس له بعد عسكري سياسي فحسب ولكن بعد اجتماعي واقتصادي ايضا. ان التهديدات المذكورة ليس من الممكن التصدي لها الا بالاخذ بهذا المفهوم الامني الاوسع الذي يأخذ مختلف الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية في الاعتبار. الأمن والتنمية ان شمول مفهوم الامن لهذه الابعاد المختلفة يعني وجود صلة لا تنفصم بين الامن والسلم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهذه ليست فكرة جديدة. ان كل ملم بالحقائق التاريخية والسياسية والاقتصادية يعرف ان الشعب يشعر بمزيد من الامن عندما يتوفر الغذاء لعدد اكبر من ابنائه وان السلم تتعزز اركانه بتوفير الدخول المالية الكافية الوافية باغراضهم. وبالتالي, على اساس الاخذ بهذا المفهوم الامني الاوسع, من شأنه تخليص البلدان من حالة العوز والفاقة والحرمان وتعزيز السلم والامن والاستقرار على الصعيد الدولي. والعكس هو الصحيح, اي من شأن عدم ترسيخ هذه الحالة تعريض ذلك الامن والسلم والاستقرار للخطر. وبناء على العرض السابق يصح القول ان التفاوتات الاقتصادية الشديدة داخل البلد الواحد او بين البلدان المنتمية الى نفس المنطقة او نفس القارة او بين بلدان الجنوب وبلدان الشمال, من العوامل الرئيسية المفضية الى نشوب النزاعات والصراعات الدامية. ومما له صلة وثيقة بالموضوع ما ذكره بحق خافيير بيريز دي كويار الامين العام السابق للامم المتحدة في آخر تقرير له عن اعمال المنظمة عام 1991ر لقد ورد في تقريره (الوثيقة أ/46/1) انه (لن يظل اي نظام للامن الجماعي قابلا للبقاء الا اذا التمست حلول عملية لمشكلة الفقر والعوز التي يعاني منها الجزء الاكبر من العالم) . ومن نفس منطلق المفهوم الاوسع للامن, المفهوم الذي يرى الامن شاملا لمختلف الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية, من الخطأ الفاحش القول ان القضايا الاجتماعية الاقتصادية مسألة ثانوية بالمقارنة بالعملية الاساسية الجارية في المحافل السياسية. والواقع انه اذا لم نعالج المشاكل الاقتصادية فانها تتحول بسرعة الى مشاكل سياسية عسكرية. فالصراخ من الجوع يحدث ما هو اكثر من كسر الصمت. هذا الصراخ يقوض السلم والامن في نهاية المطاف. ولذلك كان من السليم عقد قمة عالمية للتنمية الاجتماعية. ونرى ان مفهوم الامن البشري الذي تعبر عنه تلك التنمية الاجتماعية يشير اشارة مباشرة الى المهمة السامية البالغة الاهمية التي تواجه الحكومات والمجتمعات. الا وهي توفير الغذاء والكساء والسكن الوافي بالغرض للجميع بالاقتران بتعزيز التقدم الاجتماعي المنسق مع البيئة ـ التي تتهددها الاخطار من صنع الانسان ـ ودعم المؤسسات التي تستجيب لأنبل التطلعات التي يعتز بها البشر. وحتى لو اجرينا تحليلا مقصورا على مقارنة التكلفة بالفائدة لوجدنا ان من الاوفر لنا ان نعالج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية اليوم قبل الغد, وذلك لان من شأن التأخر في علاجها ان يؤدي الى دفع ثمن الاضطرابات الاجتماعية التي تحدث نتيجة لذلك التأخر, ونحن في الواقع لا يمكننا ان نتجاهل هذه الحقيقة. ومن البديهي القول بأن المشاكل الاقتصادية التي تواجهها بلدان العالم لا يمكن تناولها الا اذا عالجنا اولا الاسباب الكامنة وراءها. ان من الصحيح ـ كما اسلفنا ـ ان جميع البلدان في العالم واجهت ولا تزال تواجه صعوبات اقتصادية, غير ان شدة هذه الصعوبات تواجهها بلدان الشمال, فالاداء الاقتصادي في البلدان المختلفة يفتقر الى التوازن. وثمة فجوة في النمو الاقتصادي بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة النمو. وهذه الفجوة واسعة وعميقة, وتزداد اتساعا وعمقا بسرعة. وبينما نرى ازدياد النمو الاقتصادي لبلدان الشمال, نلاحظ انخفاضا كبيرا في ذلك النمو في قسم من بلدان الجنوب, بل نرى توقف النمو او التراجع الاقتصادي في كثير من هذه البلدان. وفي الواقع ينقسم العالم الى اثرياء وفقراء الى بلدان اثرى متقدمة النمو في الشمال, وبلدان افقر نامية في الجنوب. لقد خلص المؤتمر الثاني المعني بأقل البلدان نموا الذي عقد في باريس في سبتمبر ,1990 الى الاستنتاج السليم بأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي لتلك البلدان في مجموعها قد تدهور خلال عقد الثمنانينيات, فباستثناء بلدان قليلة جدا قامت بأداء اقتصادي افضل كان متوسط النمو الاقتصادي السنوي اما ضئيلا جدا او سلبيا. ولا تزال هذه الحالة المفتقرة الى التوازن والمتسمة بالاحتلال البنيوي (الهيكلي) تفضي الى التوترات وزعزعة الاستقرار, التي تؤدي بدورها الى تفويض دعائم المجتمع الدولي. ومن الوهم الاعتقاد بأن اي بلد, مهما كان ثراؤه او عظمته, يمكنه ان يعيش معزولا ومحاطا بار خبيل من الفقر والحرمان اللذين تعاني منهما البلدان النامية الفقيرة التعيسة. المسئولية الجماعية ومن المنطلق الانساني وكذلك من منطلق الفائدة الاقتصادية على الصعيد العالمي, ينبغي للبلدان المتقدمة النمو ان تسهم اسهاما اكبر في التنمية الاقتصادية للبلدان النامية. وتستلزم وحدة الجنس البشري ـ التي انا احد المؤمنين بها ـ ان يسهم جميع اعضاء الاسرة البشرية في تحسين حالة هذه الاسرة. ومن شأن تحقيق النمو الاقتصادي في البلدان النامية ان يعود بالفائدة الاقتصادية على البلدان المتقدمة النمو. فمن شأن تحقيق ذلك النمو في البلدان النامية ان يزيد حجم التبادل التجاري على الصعيد القاري والصعيد العالمي, مما يعود بالنفع على اقتصادات جميع البلدان. ومن الوسائل البالغة الاهمية لتحقيق النمو الاقتصادي في البلدان النامية التعاون الاقتصادي بين هذه البلدان والبلدان المتقدمة النمو, وشغل البلدان النامية لمكانها الصحيح الجديرة به في نظام مالي وتجاري عالمي, لا يقوم على الهيمنة الاقتصادية والمالية لحفنة من البلدان على سائر البلدان التي يموت ابناؤها جوعا ومرضا وفقرا, ولكن يقوم يقينا على مراعاة المصالح الاقتصادية الحقيقية المشروعة لبلدان العالم كافة. ومن شأن هذا التعاون واحتلال المكان الصحيح ان يمكنا البلدان من الاسهام الوافي بغرض الانتاج العالمي. ولا يمكن ان يتحقق هذا التعاون وشغل المكان السليم الواجد الا بأن تقوم البلدان المتقدمة النمو والبلدان النامية باجراءات التكيف البنيوي (الهيكلي) الاقتصادي. ان اجراءات التكيف التي ينبغي للبلدان المتقدمة النمو ان تقوم بها اهم واكثر الحاحا واكبر مغزى من تلك التي ينبغي ان تقوم بها البلدان النامية, وذلك بالنظر الى سيطرة البلدان المتقدمة النمو على الاقتصاد العالمي وبالتالي الى تسييرها وتوجيهها له, وايضا في موازاة ذلك الى اضعاف وتهميش دور البلدان النامية في العملية الاقتصادية العالمية. ولذلك سنتناول فيما يلي اجراءات التكيف التي يتعين على البلدان المتقدمة النمو ان تضطلع بها, ومراعاة لضيق الرقعة لن نتناول الا بعض هذه الاجراءات. السيناريو البديل من شأن وجود نظام تجاري دولي منصف ومنفتح ان يعزز ويشجع النمو الاقتصادي العالمي, ومما يتناقض مع انصاف وانفتاح هذا النظام اخذ البلدان المتقدمة النمو بتدابير تقييدية وحمائية في التجارة الدولية, وتقف هذه التدابير او الحواجز الحمائية المفروضة على التجارة العالمية حجر عثرة امام جهود البلدان النامية الرامية الى تصدير سلعها الى اسواق بلدان الشمال المصنعة الكبيرة. وتؤدي هذه الحواجز, بالتالي, الى تقليص حجم حصيلة البلدان النامية من الصادرات, والى التخفيض الكبير لاسعار سلعها التصديدية, مما يحد من امكانيات نمو هذه البلدان, ومن شأن ازالة هذه الحواجز التجارية وبالتالي تحرير التجارة العالمية ان يخلقا تدفقا في التجارة العالمية, مسهما في النمو الحقيقي للاقتصاد العالمي. والبديل قائم. فالتاريخ والوضع الراهن يبينان بجلاء ما يمكن ان يحدث لو ساد الانكماش او الكساد الاقتصادي العالمي العميق والمطول. من شأن هذا الانكماش ان يؤدي الى نتائج, منها استفحال البطالة والتضخم النقدي المروع, والمجاعات وانتشار الجريمة واستشراء الفوضى الاقتصادية, واستغلال المستغلين للبؤساء والبائسين ووقوع الاقتصادات المتحطمة في ايدي المضاربين, وتعريض السلم والامن العالميين للخطر. ولكن الحالة لا ينبغي ان تكون على هذا النحو, فهي ليست حتمية. يمكن الاسهام الاكبر في تحقيق النمو عن طريق تحرير التجارة على الصعيد العالمي. ومما يزيد الحالة الاقتصادية السائدة في البلدان النامية سوءا, زعزعة اسعار السلع الاساسية التي تصدرها هذه البلدان التي تعتمد اعتمادا كبيرا على حصائل هذه السلع في حياتها الاقتصادية. فافريقيا. التي تشكل السلع الاساسية الاولية نسبة عالية من صادراتها تضررت اقتصاداتها تضررا بالغا نتيجة الآثار الضارة المترتبة على هبوط اسعار تلك السلع. ان لزعزعة اسعار السلع الاساسية وهبوطها اسبابا من اهمها النزعة الحمائية التجارية التي تجنح اليها البلدان متقدمة النمو والتي تؤدي الى تقليل صادرات البلدان النامية واغلاق الاسواق في وجهها, مما يؤدي الى زعزعة اسعارها وتخفيضها. وبالاضافة الى لزوم تحرير التجارة الدولية من اللازم ان تؤيد البلدان المتقدمة النمو الآليات المختلفة المصممة لتثبيت اسعار السلع الاساسية, بما في ذلك السلع الزراعية, على مستوى معقول ومنصف اقتصاديا. ومما يعرقل ايضا النمو الاقتصادي في البلدان النامية خدمة الديون الخارجية الكثيرة والكبيرة الواقعة او المفروضة على هذه البلدان. وكان انهيار اسعار السلع الاساسية الناشىء عن التدابير التجارية الحمائية التقييدية احد العوامل الرئيسية في نشوء مديونية البلدان النامية. لقد انهكت بلدان نامية كثيرة, بل الاغلبية الساحقة منها, بما دفعته من اموال طائلة خدمة للديون الخارجية. وقد فرضت حكومات هذه البلدان ـ بدافع تحقيق التنمية ونتيجة حث البلدان والمؤسسات الخارجية الدائنة ـ على شعوبها البائسة تضحية كبرى تجلت في عدة امور, منها قطع او تخفيض المعونة الحكومية والتحول في النشاط الاقتصادي من القطاع العام الى القطاع الخاص. ان تراكم الديون على البلدان النامية, ولا سيما اقل البلدان نموا, ولزوم الغاء هذه الديون او تخفيضها او تخفيض كلفة خدمتها من المسائل الشائكة الخلافية الملحة, وذلك بالنظر الى استفحال خطر النتائج المترتبة على تلك الديون وخدمتها. ومن الممكن واللازم ان يخفف عبء الديون وخدمتها عن كاهل البلدان النامية بطرق مختلفة منها تقديم البلدان المتقدمة النمو للمعونة المالية الى البلدان النامية. وفي الواقع التزمت بعض البلدان المتقدمة النمو بتقديم هذه المعونة, وخصصت هذه البلدان 0ر7 في المئة من دخلها القومي الاجمالي لهذه المعونة غير ان كثيرا من تلك البلدان, رغم التزامها, قللت حجم معونتها او اوقفتها كلية, مما اثر تأثيرا سلبيا بالغا في آفاق النمو الاقتصادي في البلدان النامية. ومما يحول دون تحسين البلدان النامية لحالتها الاقتصادية القيود الكبيرة المفروضة من جانب البلدان المتقدمة النمو على وصول البلدان النامية الى التكنولوجيا, وخصوصا التكنولوجيا المتطورة. ومن الجلي ان التكنولوجيا يمكنها ان تؤدي دورا هاما في تحقيق النمو الاقتصادي للبلدان النامية. ان نقل التكنولوجيا من البلدان المتقدمة النمو الى البلدان النامية من شأنه ان يكون احد العوامل الجوهرية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. والصعوبة التي تواجهها البلدان النامية في الوصول الى التكنولوجيا دلالة على الخلل القائم بالفعل بين اقتصاديات البلدان النامية والمتقدمة النمو. ومما له صلة ايضا بتوقف النمو الاقتصادي في كثير من البلدان النامية الافريفية الجفاف الشديد الذي اصابها في الماضي على سبيل المثال, كانت زمبابوي, الواقعة في منطقة الجنوب الافريقي, تصدر كميات كبيرة من الذرة البيضاء, ولكن تعين عليها في سنة 1992 ان تستورد ما يزيد على 13 مليون طن من الحبوب لاسباب منها الجفاف. هذه العوامل كلها وغيرها ادت الى نشوء ظاهرة لها اثر سلبي في النمو الاقتصادي في البلدان النامية, وهي ظاهرة التدفقات السلبية للموارد من هذه البلدان الى البلدان المتقدمة النمو. ومن نافلة القول ان هذه الظاهرة تلحق بالغ الضرر باقتصادات العالم النامي الذي هو في مسيس الحاجة الى الاموال الاستثمارية لتنشيط النمو الاقتصادي. * استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة.