منذ انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة, عادت الجزائر الى سابق عهدها ـ وان كانت ببطء ـ من ناحية تكثيف نشاطها السياسي على الصعيد الدولي, وقد بدأت بمؤتمر منظمة الوحدة الافريقية الذي عقد الصيف الماضي. صحيح ان هذا المؤتمر كان مقررا من قبل ذلك, لكن درجة الاستعداد والاستقبال ومستوى الحوار الذي تقدمت به الجزائر كان اعلانا صريحا على العودة بناء على تجربة الماضي, وانطلاقا من افريقيا , مثلما كانت الزيارات المتتالية لكثير من السياسيين العرب والمسئولين خصوصا من الدول الخارجية هي الاخرى مبشرة بعودة النشاط الجزائري في محيطه العربي, او على الاقل القبول بها, والمساهمة في حل مشاكلها, وقد اتبع كل هذا بزيارات عديدة قام بها الرئيس بوتفليقة الى عدة دول اوروبية هدفها جميعها توضيح صورة الجزائر, وبالذات تلك الزيارات التي كانت في اطار المؤتمرات الدولية والشراكة الاقتصادية. وفي نهاية الشهر الجاري سيعقد اجتماع لوزراء الداخلية العرب في اطار دورته العادية, والتي جاءت بطلب من الجزائر, وستتبع في شهر فبراير المقبل باجتماع اتحاد البرلمانات العربية, كما سيتم انعقاد المؤتمر القومي العربي في ابريل, الذي ستشارك فيه كثير من اقطاب المعارضة العربية. منها ما هي معارضة لموقف معينة, مثل مسألة السلام مع العدو الاسرائيلي, ومنها ماهي معادية للانظمة نفسها, المهم ان هناك نشاطا سياسيا محموما ستشهده الجزائر يعتقد انه سيساعدها على تكريس وجودها في محيطها العربي ويرجح المراقبون ان تحظى بمساندة وزراء الداخلية العرب لما تقوم به من مصالحة وستقدم في الوقت ذاته تجربتها للاخرين حول كيفية مواجهة الارهاب, خصوصا بعد تبني الامم المتحدة لبعض المواقف الدولية التي طالبت بسن قانون يتابع الجماعات الارهابية, وطرق مصادر تمويلها, غير ان اهم ما سيميز هذا الاجتماع هو ذلك اللقاء الذي سيحدث لأول مرة بين السلطات المغربية والجزائرية في الجزائر على مستوى وزيري الداخلية منذ غلق الحدود بين البلدين في 1994 ويعتبر الملاحظون هذا بمثابة خطوة جديدة على مستوى تطوير العمل الدبلوماسي في بعديه العربي والاقليمي, وهو ما يجعلنا نطرح السؤال التالي: ما الذي يمكن حدوثه بعد الزيارة المرتقبة لوزير الداخلية المغربي (احمد الميداوي) الى الجزائر؟ لن يكون لمشاركة وزير الداخلية المغربي في اجتماع مجلس وزراء الداخلية العرب المزمع انعقاده في الجزائر أي تأثير, ذلك لأن هذا الاجتماع يتعلق بالقضايا العربية المشتركة, وعلى وجه الخصوص الجانب الامني, ولا علاقة له بما ينتظر حدوثه على المستوى الثنائي بين البلدين, وقد يساعد هذا الاجتماع على ازاحة العامل النفسي الذي يقف وراء تراجع العلاقات بين البلدين, لكن ليتم ذلك بشكل نهائي يقتضي بالضرورة استجابة المغرب الى المطالبة الجزائرية وحل المشكلات العالقة في اطار شمولي, هكذا علق احد الدبلوماسيين الجزائريين اجابة عن السؤال السابق, والواقع ان الجزائر طرحت هذا منذ تعيين اليوسفي رئيسا للحكومة المغربية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني, لكن ترى ماذا تعني الشمولية في حل المشكلات العالقة بين البلدين, او ما تطلق عليه الدبلوماسية الجزائرية بالمقاربة الشاملة؟ حسب رأي بعض المطلعين والمقربين من عملية صنع القرار في الجزائر, وهو نفس ما ذهب اليه وزير الخارجية الجزائري السابق (احمد عطاف) ان المقاربة الشاملة تعني دراسة ومتابعة ومحاولة حل كل المشكلات السابقة, بما في ذلك المشكلة الاساسية التي عطلت الاتحاد المغاربي, ووسعت الهوة بين الجزائر والمغرب, ونقصد بها الصحراء الغربية, وهو الطرح الذي لم تقبل به المغرب الى حد الآن, ولذلك لم تتحقق اية نتائج رغم الجهود المضنية التي تقوم بها عدة اطراف عربية خصوصا على مستوى دول الخليج العبري, وتحديدا الامارات العربية المتحدة والسعودية, حتى ان بعض المصادر تتحدث عن تمويل اي لقاء او مشاريع مشتركة من طرف دول عربية بهدف انجاح التقارب وتجاوز الازمة, وبغض النظر عن صحة هذه التصريحات من عدمها, فان الواضح هو محاولة اطراف عربية فاعلة تجاوز الوضع الحالي, والعمل على ترشيد العلاقات بين البلدين, وانهاء سنوات التوتر وكان منتظرا حدوث الكثير بعد وفاة الملك الراحل ومشاركة الرئيس بوتفليقة في جنازته, لكن لم يتحقق شيء, بل على العكس من ذلك ازدادت العلاقات تعقيدا, ومن غير الواضح بعد ان كانت مرشحة للحل في المستقبل المنظور. من ناحية اخرى فان زيارة الوزير المغربي احمد الميداوي المنتظرة قد سبقتها رسالة منه الى وزير الداخلية الجزائري محمد يزيد زرهوني, والتي رأى فيها المراقبون محاولة جادة لتقريب وجهات النظر بين الوزيرين في البلدين, ويرجع بعض المراقبين عودة العلاقات بين البلدين وفتح الحدود الى مشكلات امنية بالدرجة الاولى ويستندون في ذلك الى الاتهام الذي وجهته الجزائر الى المغرب خلال السنوات الماضية, وايضا في شهر اغسطس الماضي حين اقدمت عناصر من الجماعات الاسلامية الجزائرية على مجزرة في بني ونيف بولاية بشار الحدودية, واحتموا بعدها بالاراضي المغربية, وهو ما ظلت تنفيه المغرب الى الآن, وفي الوقت نفسه اكدته الجزائر وعلى لسان رئيسها بوتفليقة. هكذا تبدو زيارة الوزير المغربي ورغم انها تأتي في اطار اجتماع عام لوزراء الداخلية العرب ـ ذات مغزى سياسي, وتبين ان المشكلة بين البلدين (الجزائر والمغرب) ذات بعد امني لكن هذا لا يقلل من وجود ابعاد اخرى للازمة السياسية بين البلدين, مثلما يؤكد على ضرورة تطوير العمل الدبلوماسي ورغم اهمية الزيارة ـ كما ذكرت انفا ـ للبلدين معا, الا انها لا تحل عى اساس اللقاء بين وزيري الداخلية, وانما تتطلب عملا مشتركا هادفا تشارك فيه القيادات المسئولة على اعلى مستوى, اما ان تظل المغرب تطرح المشكلة على اساس حل الازمة الاقتصادية الطاحنة في المنطقة الحدودية, والتي ارتبطت اساسا بالسواح الجزائريين, او تظل الجزائر ترى فيها أزمة تتعلق بالمواقف والقرارات, فان ذلك سيطيل من الازمة ولا يجعلها قريبة من الحل. واذا كان من الصعب حل مشكلة الصحراء الغربية, والتي هي اساس الاختلاف بين البلدين دون تدخل اطراف دولية, فانه ايضا من غير المقبول ان يظل البلدان يعيشان في معزل عن التطورات الحاصلة في العالم والتكتلات التي تعطي فرصة للدول القوية على المواجهة والاستمرارية فما بالك بالدول الصغيرة والضعيفة المحتاجة الى مزيد من التكاتف, لذا فان مواصلة طريق البحث عن حل للمشكلة بالحفاظ على المصالح الخاصة لهذه الدولة او تلك, وعدم الاهتمام بالجيران او بالطرف الاخر, فان زيارة وزير او عدمها لن تغير من واقع الامر شيئا, غير انها في الوقت ذاته تعتبر خطوة على طريق التقارب وفتح مجال للحوار حتى لو كان طريقه طويلا وشاقا, الا انه مهما طالت مدة الاختلاف والصراع, فان العودة الى التعاون والمشاركة, وحل المشكلات ان لم يكن بقناعة داخلية فبظروف يفرضها الوضع العالمي العام ستتحقق لا محالة, واعتقد ان البلدين ـ الجزائر والمغرب ـ باتا يدركان انه لا مفر من ازالة الخلاف بينهما, خصوصا بعد تدخل اطراف عربية فاعلة. * كاتب جزائري مقيم في مصر