في مطلع العام الحالي جاء إلى سدة السلطة الأولى في الكرملين الروسي لاعب جديد هو فلاديمير بوتين الذي سرعان ما عكف المحللون والمراقبون على رصد أبعاد شخصيته حتى أنهم بلوروها في أبعاد ثلاثة رئيسية على النحو التالي: البعد الأول: هو بوتين رجل الرؤية الإصلاحية وهي رؤية ظلت تراود ه حبيسة في صد ره إلى أن واتته الفرصة في يناير الماضي كي يتسلم زمام القيادة في روسيا بعد رجل أوروبا المريض المعاصر, وكان اسمه بوريس يلتسين, وهذا البعد في شخصية بوتين يدفعه إلى قيادة روسيا لتصبح دولة محدثة وتشكل جزءا من أوروبا. البعد الثاني: هو بوتين سليل المخابرات السوفييتية العتيدة, وأنه واحد من فلول محاربي الحرب الباردة, ولكن في سلك الاستخبارات مما يجعله ومن ثم شخصيته تتميز بالشكوك وعوامل التوجس وبارانويا الخوف من الآخر سواء كان هذا الآخر خارجيا (أمريكا وأوروبا أو حتى اليابان والصين) أو كان هذا الآخر داخليا (منافسوه متعددو الألوان والمشارب ما بين الحزب الشيوعي أو تيار الوسط بقيادة بريماكوف أو تيار اليمين القومي المتطرف). البعد الثالث: هو بوتين ربيب الكرملين والسياسي الداهية المكيافيللي النزعة, الكامن طيلة سنوات مضت وراء يلتسين أو خلف واجهته أو في ظلال شخصيته, بمعنى أنه - بوتين قادر على فنون المكائد ونصب الحبائل وسمسرة مواقع القوة واللعب على أكثر من حبل من المراوغة وتلك مهارات قد يكون الرجل استمدها من طول امتهانة لحرفة الجاسوسية. ملاحظات الايكونوميست أيا كان الوجه الذي يتسم به حكم روسيا الحالي فلا شك كما تلاحظ الايكونوميست البريطانية في أن صعود فلاديمير بوتين السريع بل الاستثنائي إلى المنصب رقم واحد في قيادة روسيا, إنما يدلك على قدرته على أن يعطي (سادته) كل ما يريدون سواء كان هذا الذي يريدونه هو: الولاء أو الكفاءة أو الموافقة المهذبة والمحسوبة على ما يريدون. مع ذلك - تضيف الايكونوميست فإن ظواهر الأمور تدل على أن بوتين ليس هو السيد المطلق أو الحاكم المطاع في الكرملين, بل أنه محاط بفلول من تركة سلفه يلتسين متمثلة في بقايا نفوذ تمتع بها ابنة يلتسين نفسه والطغمة أو العصبة المحيطة بها وقد كانوا على امتداد السنوات الاسابقة هم حكام روسيا الحقيقيون, فضلا عن شخصية مازال صاحبها يركن إلى الظل, لا من باب التو اضع, ولكن من باب رغبة الابتعاد الذكي الحريص عن الأضواء, اسمه رومان ابراموفتش وهو من بارونات النفط في روسيا وهو شخصية مازال يكتنفها الغموض رغم ما باتت تتمتع به من نفوذ في حكم روسيا المعاصرة وقد بلغ الغموض لدرجة أن صحيفة روسية أعلنت في الآونة الأخيرة عن جائزة تقدمها لمن يزودها بصورة فوتوغرافية واضحة المعالم لهذا المياردير ذي النفوذ الواسع والشخصية المعتمة بين زوايا الكرملين. ( قد نفتح هنا قوسا لكي نثبت شكوكا حول اسم هذا الرجل الخطير شبه المجهول اذ نحسب أن الأسم ينضح بنبرة يهودية ) . فتش عن الصهيونية وسواء صحت هذه الشكوك أو ظلت مجرد تخمينات وشكوك, فإن الثابت هو أن ثمة أصابع يهودية صهيونية على وجه التحديد ظلت وراء كل ما يحدث في شبه القارة السوفييتية, ثم على مستوى الاتحاد الروسي (رابطة كمنولث الدول المستقلة كما أصبحوا يسمونه ). ومن عجب أن تسبق شخصية يهودية صهيونية أخرى إلى لعب دور محوري غاية في التأثير داخل الكرملين وأن يكون هذا الدور متمثلا في تفكيك ومن ثم اسقاط وإزالة الاتحاد السوفييتي نفسه, تلك هي شخصية ألكسندر ياكوفليف الذي يصفه الدكتور أنور عبد الملك المفكر السياسي الكبير بأنه زعيم العصابة الصهيونية في قلب الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي وهو أيضا رجل الظلام وراء بريسترويكا جورباتشوف (ومعناه ا أصلا اعادة البناء ولكنها استخدمت كشعار من أجل هدم البناء ودكه من أساسه) ورجل الظلام هذا, كما يضيف الدكتور عبد الملك, لا يرد ذكره إلا نادرا وهامشيا لدى العارفين. وليس اعتباطيا أن يرفع زعماء هذه العصابة الصهيونية شعار الحرب المطلقة في الشيشان فيقول كبيرهم شوبايس وهو رئيس وزراء أسبق في ولاية يلتسين: ان تدمير الأرهاب في بلاد الشيشان هو بطبيعة الأمر قاعدة استمرار دعمنا بوتين (أنور عبد الملك (طريق البترول الجديد) الأهرام القاهرية 25/1/2000). ولقد عمدنا إلى وضع خط تحت لفظ الإرهاب بوصفه المصطلح الأثير لدى أدبيات الصهيونية وقاعدتها في إسرائيل وهي تطلق باستمرار على كل عناصر وقيادات حروب وحركات التحرير الوطنية من فلسطين إلى الشيشان كما أنها أفلحت في حمل أمريكا على وضع القائمة أياها التي تصنف دولا بعينها معظمها في الشرق الأوسط ومنها إيران وليبيا وسوريا بأنها دول راعية للإرهاب (حسب المفهوم الصهيوني) واصفة تلك الاقطار بأنها دول شريرة أو الدولة الوغد (روج ستيت) . مجتمع مرهق ولقد جاء بوتين إلى السلطة وعينه على انتخابات يونيه من العام الحالي وهي الانتخابات التي تأتي بعد سنوات من المعاناة والانهيار وفواجع ما سمى بمرحلة التحول في روسيا إلى قوانين السوق, في حين أن التحول خلال حكم يلتسين أودى بروسيا كما تقول الموند دبلوماتيك الفرنسية (عدد ديسمبر 1999) إلى أن أصبحت بغير دولة وبغير اقتصاد, ويبدو أن المجتمع الرو سي قد أثخنته جراح كل هذه الضربات على مدى ما يقرب من عقدين من الزمن لدرجة أنه أصيب كما يقول المراقبون بحالة من فتور الهمة أو الهمود والأرهاق العام وهو ما لاحظه جان رضواني - الموند دبلوماتيك الفرنسية (عدد نوفمبر 1999) حين قال: أن المرء يفاجأ عندما يلاحظ أسوار العزلة التي بات يعانيها الروس المعارضون لحرب الشيشان المشتعلة, وعندما اندلعت الحرب الأولى في تلك المنطقة اثارت حركة رفض واسعة النطاق بين قطاعات الجماهير, ولكن حرب الشيشان الراهنة لم تجد معارضة سوى من لجنة أمهات الجنود المقاتلين إضافة إلى بعض النشطاء في حركة حقوق الإنسان ناهيك بطبيعة الحال عن عناصر سياسية أو دبلوماسية ازعجتها ردود فعل المجلس الاوروبي إزاء روسيا ولاسيما بعد قرار المجلس في 24 يناير بتعليق جزء من مساعدته الاقتصادية المقدمة إلى موسكو بسبب مواصلتها الحرب في الشيشان. ثم جاء بوتين إلى السلطة ليفاجأ ولعله لم يفاجأ حقا بتصدع رهيب اصاب البنى الاجتماعية في روسيا حيث اتسع نطاق الهوة الرهيبة الفاصلة بين معيشة النخبة المحظوظة وبين مستوى حياة السكان بعامة, وحيث يوضح الاستاذ توماس جراهام وقد ألمحنا إليه في حديث سبق أن النسبة بين أعلى الدخول وأدنى الدخول فغرت فاها فأزدادت من نحو خمسة إلى واحد عام 1992 لتصل مع نهاية التسعينيات إلى نحو عشرين إلى واحد, وحيث أصبح نصف سكان روسيا (التي كانت دولة عظمى) يعيشون تحت خط الفقر المعتمد رسميا وزاد من فداحة الوضح كما يلاحظ البروفيسور جراهام ( مجلة كرينت هيستوري الأمريكية) أن تقطعت خطوط التواصل بين النخبة وقواعد جماهير المجتمع الروسي وحلت محلها أسوار من العزلة, فضلا عما نلاحظه نحن من جانبنا كاتب ـ السطور ـ من تغير مفهوم النخبة فلم تعد هي صفوة أو زبدة المجتمع بفضل مواهبها الفكرية أو العلمية أو الفنية الابداعية أو التكنولوجية (كان العلماء والرياضيون والفنانون المبدعون يحظون بأعلى الدخول وأرفع صنوف الرعاية والتكريم في المجتمع السوفييتي بكل سلبياته) بل أن النخبة الروسية الحالية تحولت إلى حيث تتألف في معظمها من مليارديرات الصدفة واثرياء الاحتكارات وبارونات المافيا وأباطرة الفساد الحكومي ومن يلوذ بهم من عتاة المجرمين ومن فلول المنحرفين الذين لم يتورع أي منهم عن بيع أسرار الدولة القومية ـ سوفييتية كانت أم روسية ـ بما في ذلك أرشيفات محفوظاتها ومجاميع وثائقها ومستنداتها التاريخية الثمينة إلى الغرب (المؤسسات البحثية والمخابراتية والاكاديمية الأمريكية بالذات) لقاء حفنة تنقص أو تزيد من الدولارات. الحرب والمكانة الدولية وعندما جلس بوتين على مقعد السلطة الأول في موسكو كان عليه بوصفه رجل مخابرات سابقا أن يمارس نفس اللعبة القديمة وهي شغل الناس بحرب ولو محدودة شبه مضمونة النتائج لعلهم يلتهو ن بها ويمضون في متابعة فصولها بعيدا عما آلت إليه الأوضاع الداخلية - الاقتصادية بالذات. ولا بأس من تشغيل ماكينة بروباجندا داخلية تستر الخسائر ولو كانت فادحة وتتغنى بالانتصارات ولو كانت رخيصة تتمثل في مواجه جيش دولة كانت عظمى بالامس القريب, ضد مقاتلين يخوضون حروب عصابات ويتسلحون بأسلحة خفيفة في معظمها ولا يملكون من موارد القتال وعدة الحرب سوى إرادة من حديد يستمدونها من الإيمان بالله والوطن والأمة التي ينتمون إليها. ولقد بلغ من الإيغال في هذه الدعايات التي تمارسها موسكو بصدد حرب الشيشان وتوقدها بغير شك عناصر صهيونية تمرست بهذا النوع من الميديا الأمريكية ذاتها الحد الذي جعل المراقبين الغربيين أنفسهم على نحو ما أوردته إذاعة لندن يوم 24/1/2000 يشككون في مصداقية الدعاية الروسية التي تقلل من خسائر الجيش الروسي البشرية ويؤكدون أن القتلى من قوات موسكو التي تحرص دعايتها على وصفها بالفدرالية هم اضعاف ما تذيعه البيانات الروسية الرسمية. سلبية العالم الإسلامي لقد جاء بوتين إلى الحكم تحت شعار استعادة هيبة روسيا وقد تضعضعت خلال سنوات يلتسين وهذا هو السر في إمعانه, رغم الخسائر المادية والبشرية في حرب الشيشان وقد أملى له في حبال هذا الغي السياسي الذي ساعد فيه ما أبدته دوائر العالم الإسلامي ـ هل نقول والعربي أيضا ـ من تخبط وسلبية بل واستضعاف مما دفعه إلى المزيد من الاستئساد على مقاتلي ذلك القطر المسلم المزخم بالجراح , وفي مثل هذه المواقف لن تجدي صلصلة السيوف, فلا أحد يطلب أن نخوض حربا ولكن لن يجدي أيضا مجرد بيانات الشجب أياها ومشاعر الاستنكار, ولكن يجدي استدعاء السفراء والتلويح بمقاطعة اقتصادية والدعوة إلى اتخاذ اجراءات دبلوماسية وسياسية واقتصادية جماعية تشكل في مجموعها رسائل بليغة يمكن أن يصل وقعها إلى أسماع الحاكمين في الكرملين. على المستوى الخارجي كان على بوتين أن يسلك سبيلا آخر يعيد به فيما يتصور وجه روسيا الذي كان بوصفها دولة كبرى أو على الأقل دولة يحسب لها حساباتها في موازين القوى العالمية, هذا هو الذي يفسر الوثيقة التي اذاعتها موسكو في منتصف يناير الحالي وقد جاءت في 21 صفحة وتحمل عنوانا هاما يقول: مفهوم الأمن القومي تحمل الوثيقة رسالة في ثناياها موجهة إلى كل من يهمه الأمر ومفادها أن روسيا مازال لها أنياب نووية وأنها مازالت تشكل تهديدا نوويا إذا لزم الأمر. مع ذلك فقد قفزت جريدة واشنطن بوست الأمريكية إلى جوهر المسألة حين قدمت الوثيقة على النحو التالي: ها هي موسكو, وقد غرقت في أوحال الشيشان, تعود إلى شعارات الحرب الباردة الموجهة ضد الغرب فتهدد باللجوء الى الخيار النووي (والإشارة إلى الأوحال أصبحت جزءا من أدبيات السياسة الأمريكية المعاصرة التي دأبت على توصيف ورطة أو غلطة أمريكا في حروب جنوب شرقي آسيا بأنها مستنقع فيتنام). والوثيقة في غاية الأهمية وقد أشرف على صياغتها بوتين نفسه في إطار تطلعه إلى روسيا جديدة وقد صادق عليها وعينه بداهة على انتخابات التثبيت الرئاسية في صيف هذا العام. وعلينا أن نقف مليا عند الوثيقة المذكورة وهو ما فعله خبراء الشئون الروسية في الغرب أهل الكرملينوجيا كما يسمونه .. فإلى ختام هذه الأحاديث إن شاء الله. (لفظ الإرهاب بوصفه المصطلح الأثير لدى أدبيات الصهيونية وقاعدتها في إسرائيل وهي تطلق باستمرار على كل عناصر وقيادات حروب وحركات التحرير الوطنية من فلسطين إلى الشيشان) .