اطلق عليها بعض الاقتصاديين الغربيين من ذوي الضمير الحي (فضيحة القرن العشرين) هذه هي مشكلة الديون الخارجية التي تهدد شعوبا بأكملها في العالم الثالث بالفناء التدريجي. والانفجار الشعبي الذي وقع في اكوادور الاسبوع الماضي واطاح بحكومة الرئيس جميل معوض سيدخل التاريخ كأعنف انفجار من نوعه تفرزه تفاعلات ازمة المديونية ـ ولغياب اية مشاورات يمكن ان يستدل بها على ان الدائنين الغربيين من حكومات وبنوك ومؤسسات مالية اخرى على استعداد لالغاء الديون عن دول العالم الثالث او على الاقل تخفيف وطأتها, فان انتفاضة اكوادور قد تتردد اصداؤها في بلدان اخرى ابتداء من منطقة امريكا اللاتينية كسابقة قابلة للاحتذاء. من كينيا والسنغال الى تشيلي والارجنتين عبورا بالاردن ومصر تتطابق ملامح المشكلة: انهيار الخدمات الصحية وخدمات التعليم وتنامي البطالة وانفلات التضخم بسبب انهيار قيمة العملة الوطنية. هذه هي النتائج. اما الاسباب فتتلخص في سبب واحد: شبه افلاس مزمن للدولة لان الجزء الاعظم من عائداتها من الصادرات يذهب الى حكومات ومؤسسات غربية دائنة. وقد يطرح سؤال: اليس من حق الدائنين بأي معيار قانوني او اخلاقي اقتضاء ديونهم عن القروض المالية التي قدموها الى الدول المدينة؟ بلى... ولكن المأساة الفضيحة هي ان الدول المدينة قد سددت بالفعل اصول القروض التي تلقتها زائدا الفائدة المتفق عليها اصلا. لكن في هذه الاثناء كانت ارقام ما تبقى سداده من هذه القروض والفوائد الاصلية تتضاعف بسبب تعثر عمليات السداد او تأخرها لعوامل واسباب طارئة. فهنا يفرض الدائنون فوائد اضافية مركبة. واجمالي مديونية العالم الثالث التي تقدر بنحو اثنين ترليون دولار هي في معظمها ـ ربما بنحو 80 في المئة على الاقل مجرد فوائد ربوية مركبة ـ وكون ان القضية تمثل فضيحة او مأساة لا اخلاقية فلأن الدول المدينة الفقيرة سددت الاصول القرضية بفوائدها الاصلية اضعافا مضاعفة. ولأن الفوائد المركبة نفسها تتضاعف عاما بعد عام بسبب عجز المدينين عن مواصلة السداد فان ارتهان الدول المدينة الفقيرة الى هذا العبء سوف يبقى الى اجل غير مسمى... الى الابد! ومثل رجل مثقل بالديون يضيق عليه الدائنون الخناق فيضطر الى بيع السيارة ثم جهاز التلفزيون ثم اثاث غرفة الجلوس فان الدول المدينة الفقيرة تضطر الآن الى بيع ممتلكاتها من شركات حكومية استراتيجية الى الدائنين بأبخس الاثمان تحت اسم (الخصخصة) . ان اكوادور ليست دولة فقيرة بحساب الموارد الوطنية المستثمرة قياسا الى عدد سكانها المحدود الذي لا يزيد على 12 مليون نسمة. فهي دولة منتجة ومصدرة للنفط. .. واضافة الى النفط فانها اكبر مصدر عالمي للموز.. كما انها تصدر السكر والبن. لكن المؤسسات الصناعية والزراعية المفتاحية انتقلت الى ملكية شركات امريكية خاصة تصدر ارباحها خارج البلاد اولا بأول. ودخل الدولة يذهب معظمه الى الدائنين. وجاءت كارثة اعصار عنيفة العام الماضي دمرت بعض وسائل الانتاج والبنى التحتية مما هبط بمستوى الدخل القومي بصورة حادة. جرى كل ذلك بينما عبء سداد الديون بقي كما هو عليه.. فاشتدت الوطأة المعيشية على الطبقات الشعبية. والانفجار الشعبي الذي وقع الاسبوع الماضي هو نتيجة تراكمات التذمر الشعبي. غير ان القصة لم تبلغ نهايتها فنائب الرئيس الذي تولى السلطة بعد هروب الرئيس معوض اعلن انه سوف يسير على سياسة سلفه.. اي مواصلة سداد الديون. لذا فان اكوادور موعودة فيما يبدو بانتفاضة شعبية ثانية قد تكون اشد واعتى. وسواء حدثت انتفاضة تالية او لم تحدث فان ما جرى في اكوادور قد يسجل في صحائف التاريخ بأنه الحلقة الاولى في مسلسل (ثورات الديون) في العالم الثالث.