التحقيق مع الرئيس الاسرائيلي عيزرا وايزمان, وربما محاكمته لاحقاً بتهم الاحتيال وتلقي الرشاوى, مصيبة كبيرة للوطن العربي وسابقة خطيرة في المنطقة, لأنه من غير المألوف ولا المقبول أن يتم التحقيق الجنائي أو غيره من أنواع التحقيق, بما في ذلك التحقيق الصحفي, مع وزراء ومن في مستواهم , فكيف اذا تعلق التحقيق برئيس مرة واحدة؟ اسرائيل طبعاً دولة اليوم في المنطقة, أي في الشرق الأوسط كما يسميه الغرب أو المنطقة العربية كما نسميه نحن, وليست دولة في أمريكا الشمالية أو الجنوبية أو أوروبا أو حتى في افريقيا, لكي تكون محاكمة الرئيس فيها أمراً مألوفاً واعتيادياً وغير مثير للدهشة, اذ ليس من عادات المنطقة ولا تقاليدها السياسية التحقيق أو محاكمة الرؤساء كما أسلفنا, فهؤلاء عادة هم الذين يحققون مع الناس ويحاكمونهم ويسجنونهم وليس العكس, ما يجعل اسرائيل بهذه السابقة تخترق التقاليد العريقة للمنطقة وتفضحها أيضاً, فكيف يمكن ان نصدق نحن وغيرنا أن دولة من دول المنطقة تحاكم رئيسها وتحيله الى التحقيق؟ طبعاً ذلك لا يحدث ولن يحدث بما في ذلك في الحلم, فمن يجرؤ حقيقة على أن يحلم بذلك ثم يسلم برأسه, غير أننا نبقى مع الرئيس الاسرائيلي المتهم بتلقي مبالغ مالية من تاجر أقمشة مقابل خدمات استشارية اضافة الى أموال اخرى من حزب العمل مقابل دعمه تشكيل حكومة وحدة وطنية بزعامة بيريز, علاوة على التهرب من الضريبة وتهم أخرى في السياق نفسه, ارتقت عند الاسرائيليين الى مستوى الفضيحة. وهناك في التفاصيل فضائح في الفضيحة من نوع حصول الرئيس على أموال عن طريق شركة تأجير سيارات هو أحد المساهمين فيها وسجلت في دفاتر الشركة على أساس انها قرض, وغير ذلك من قروض وتبرعات وهبات وهدايا, يرى الاسرائيليون انها محرمة ومحظورة على السياسيين خاصة اذا تمت نظير خدمات مباشرة أو غير مباشرة, يستحق عليها من ارتكبها المحاكمة, ما جعل الرئيس أمام منعطف خطير بين العزل أو الاستقالة من المنصب, وهو على كل الأحوال لن ينجو من المحاكمة في حال ثبوت تلقي الهدايا والرشاوى والاحتيال. غير ان الفضيحة الحقيقية عند دول الشرق الأوسط لا عند الرئيس الاسرائيلي, ذلك لأن هذه معرضة ولأول مرة في تاريخها الحديث على الأقل لزلزال سياسي كبير يقلب المعادلات السياسية التي عاشت عليها دهوراً ويخترق تقاليدها الراسخة في احترام وتقدير الرؤساء بل والخوف منهم وعدم القدرة على اتهامهم بأي اتهام ولو كان من قبيل ان الرئيس متهم بحالة حب مثلاً, وذلك في حال نجح الاسرائيليون في محاكمة رئيسهم وعزله بتهم الهدايا تلك, فتكون اسرائيل هذه بحق وحقيق الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط على حسب ادعاءات الغرب وتبجحاته. وبما أنه ليس عندنا زعماء عرب في منطقة الشرق الأوسط يمكن محاكمتهم يوماً لأسباب من نوع الرشاوى أو الهدايا أو الاختلاس, فأغلب زعمائنا يشاركون شعوبهم الفقر والحاجة ويركبون معهم المواصلات العامة, فان فضيحة اسرائيل عملياً يمكن ان تهدد سمعتنا مجدداً بوصفنا دولاً غير ديمقراطية, طالما أن اسرائيل دولة في المنطقة تخترق سقف السياسة فيها وتسمح بمحاكمة رئيسها على نحو ما يجري حالياً لعيزرا وايزمان, فتكشف عن دول المنطقة الأخرى الستر والغطاء. والنصيحة بجمل, لذلك على العرب ألا يسمحوا بمحاكمة الرئيس الاسرائيلي, فتكون ممارسة الضغوط على اسرائيل والقيام بوساطات قوية للحيلولة دون المضي قدماً في التحقيق مع وايزمان وتقديمه للمحاكمة هي عين العقل العربي المطلوب من الدول العربية درءاً للفضيحة, خاصة منها الدول التي فاضت على جوانبها الديمقراطية, فاذا لم تخش هذه اليوم على سمعتها في العالم وعند مواطنيها, فعلى الأقل يمكن أن تخشى يوماً يهتف فيه مواطنوها بصوت واحد: تحيا اسرائيل, نقول ذلك ونحن نعرف أن الأعمى لا صبح له ولو بات سهراناً!