ليس من الصعب ادراك ان المواقف الاسرائيلية مؤخرا دلالة واضحة على القدرة التفاوضية العالية التي يتمتع بها الاسرائيليون خاصة وانهم يدركون ان مسئولياتهم الاولى والاخيرة هي العمل من اجل احراز اكبر قدر ممكن من التقدم بأقل قدر ممكن من التنازلات وهنالك طواقم اسرائيلية استشارية متخصصة تساند المفاوضين في بلورة مواقفهم ومطالبهم وتنازلاتهم وكذلك استراتيجيتهم في توقيت الموافقات او الرفض او حتى التحاور. وبالتالي فان العمل من اجل اضعاف الموقف العربي سواء الموحد او المتجزء يكمن كأحد الاهداف الاستراتيجية التي تسعى اليها اسرائيل للتقليل من المخاسر السياسية الناجمة عن التنازلات التفاوضية التي لابد من تقديمها للوصول الى اتفاقيات دولية لحمايتها وانهاء تهديدات الحرب ضدها. ولعل التلاعب الاسرائيلي المستمر في توقيت وتزامن مسارات المفاوضات المختلفة يأتي لصالح المصالح الاسرائيلية اولا ويقلل من المكاسب العربية التفاوضية لذلك فان انعدام التناسق والتنسيق العربي خلال هذه المرحلة المصيرية التي ستحدد معالم الخارطة بالمنطقة لفترة طويلة سيؤدي الى مخاسر عربية جسيمة في الاراضي والسلطات والقدرات الاقتصادية اضافة الى خلق وتفاقم مشاكل داخلية عديدة. ان مجالات التنسيق التي من المفترض ان تكون من أولويات جامعة الدول العربية لاتنحصر في التنسيق من اجل عقد قمة عربية فقط بالرغم من الاهمية السياسية الكبيرة التي يمثلها انعقاد مثل هذه القمة, وذلك للتخفيف من تأثير الضغوطات التي تمارس على العرب لتقديم المزيد من التنازلات عن العديد من حقوقهم ومصالحهم فالتنسيق ضروري مثلا في بلورة موقف عربي موحد من القدس وكذلك من تصفية المقاومة اللبنانية وكذلك السيادة السورية غير المنقوصة على اراضيها في الجولان كما ان العديد من الدول العربية لها مصلحة في اعادة اللاجئين الفلسطينيين لديها الى فلسطين والتخفيف من النفقات العسكرية الباهظة التي تعيق برامج التنمية والنهضة التقنية والاقتصادية وكل هذه عوامل يجب ان تصب في نهاية المطاف في نهر التنسيق العربي الجاف نسبيا كما ان هذه الدول مطالبة من الان بالبدء في التخطيط لتطبيق استراتيجية اقتصادية عربية موحدة للحد من الخسائر الناجمة عن السماح للاسرائيليين بالدخول الى اقتصاداتنا التي تعاني اصلا من عجز في الصادرات. لكن الماكينة السياسية اليهودية مازالت نشيطة ومازالت لديها القدرة في ضرب مصالح الدول العربية ببعضها وتفكيك وحدة مستقبلها ومصيرها ولذلك فاننا قد شهدنا في شهر يناير تأجيل المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية وكذلك الانسحابات الاسرائيلية من 6% من الضفة الغربية اضافة الى اعلان باراك عن نيته تأجيل موعد اطار الحل النهائي لمدة شهرين اضافيين ان كل هذه التأجيلات من شأنها اعطاء الموقف الاسرائيلي صلابة اقوى في ظل رفض الحكومة الامريكية التأثير بقوة على الاسرائيليين وهي تقترب من الانتخابات الرئاسية المقبلة, وبما ان التوجهات لدى كافة الاطراف العربية المعنية بالمفاوضات الان لاترقى الى مستوى نبذ الخلافات وترجيح المصالح طويلة المدى فان الخطط الاسرائيلية بعدم التنازل عن اكبر قدر ممكن محكوم لها النجاح وبنسبة كبيرة وهذا ما يمكن استيضاحه من الابتسامات العريضة التي اصبحت تظهر على وجه باراك. ان لعبة الوقت كم اقدم الا لاعيب السياسية المعروفة وهي بالتأكيد من الالاعيب التي يجيد الاسرائيليون لعبها, فهم لم يعلنوا قيام دولة اسرائيل مثلا الا بعد ان اكملوا اعداد كافة مؤسساتها, وقد استغرقهم ذلك مايزيد عن 30 عاما بين وعد بلفور واعلان قيام الدولة بالفعل بينما قضاها العرب وهم يتابعون بصمت مايحدث وهم لايملكون مايمنعونهم به كما لعبها الاسرائيليون في اجتياح لبنان عام 1982 اثناء منافسات كأس العالم لكرة القدم للتقليل من انفعال الجماهير العربية وغير ذلك الكثير من المواقف التي تدل على قدرات عالية للتعامل مع عامل الوقت. ويمكن اعتبار ان المناورات الاسرائيلية التي تحاول اظهار ان باراك يتأرجح بين سياسة (سوريا اولا) وسياسة (الفلسطينيين اولا) من ضمن الاعيب الوقت التي يريد باراك من وراءها ضرب فرص التعاون او التنسيق الفلسطيني ـ السوري بالرغم من انه يدرك انه في واقع الامر لابد لاسرائيل في النهاية بأن تتفق مع كلاهما, اذ ان عدم الاتفاق مع اي منهما يعني سلاما منقوصا وبالتالي يشكل خطرا على أمن اسرائيل, والمصلحة الكبرى الاخرى التي يرجوها الاسرائيليون من وراء هذه المناورات هو احتفاظهم بالارض والموارد لاطول فترة ممكنة والاستفادة منها بشكل واسع. كاتب فلسطيني