لكل نهضة جانبان لا ينفصلان, هما التحرر الاجتماعي والتحرر السياسي. التحرر الاجتماعي يعني تحرير الانسان من الموروثات والافكار الجامدة التي تكبل انطلاقته وتقيد حركته وتجعله يعيش بمبعدة عن عصره.اما التحرر السياسي فهو يعني اقامة انظمة الحكم على اساس من الحرية والعدل , وبمفاهيم عصرنا فهي تعني انظمة الديمقراطية والمواطنة واحترام حقوق الانسان. وبتكامل الحريتين يصبح من الممكن الحديث عن تقدم حقيقي في اي مجتمع, وصولا الى انجاز نهضة شاملة. مشكلتنا اننا طوال تاريخنا العربي الحديث كنا نركز فقط على الجانب السياسي, ونهمل الجانب الاجتماعي او لا نعطيه الاهمية التي يستحقها. واذ نجحنا في تحقيق بعض المكاسب في الجانب الاول بما في ذلك طرد الاستعمار واجبار الانظمة العربية على تحقيق بعض الاصلاحات هنا وهناك. لكننا لم نفلح قط في مراكمة عوامل وشروط النهضة. وحتى الاصلاحات السياسية التي تحققت سرعان ما جرى تهميشها وتبديدها او الالتفاف عليها بواسطة انشوطة التخلف الاجتماعي والفكري وتوابعها العشوائية والريفية والطائفية. الواقع ان الحرية لا تتجزأ, فهي واحدة, مثلما ان الانسان هو في ذاته كل واحد, لا يمكن الفصل بين عاطفته وقلبه وعقله وبين سلوكه وعاداته وقيمه الاجتماعية. ولو شئنا ان نشبه الحريتين الاجتماعية والسياسية لقلنا انهما مثل الرجلين بالنسبة للانسان. من الممكن بالطبع ان يحتفظ الانسان برجل واحدة, لكنه لن يستطيع المشي بها وحدها. وهكذا فان القول بالتحرر الاجتماعي وحده او بالتحرر السياسي وحده, لن يؤدي بنا الى اية نهضة, وانما الى الدوران في حلقة مفرغة من الاحداث وردود الافعال حولها وعليها. ولن نجانب الصواب اذا قلنا بأن واقعنا العربي منذ عصر النهضة الاولى (بدايات القرن التاسع عشر) انما كان يعاني من هذا التشوه بالذات. وهو الذي افضى مع الوقت الى انطفاء نور النهضة العربية واحداث القطيعة معها, ومن ثم اعادة المجتمع العربي القهقرى الى الوراء. وليس من قبيل المصادفة اننا نواجه اليوم ذات الاسئلة التي كان يطرحها رواد عصر النهضة على اختلاف توجهاتهم, من امثال رفاعة رافع الطهطاوي ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي وعبدالله النديم واحمد لطفي السيد وقاسم امين وطه حسين وسلامة موسى وغيرهم, وسواء فيما يتعلق باختيار نظام الحكم والذي هو في الغالب النظام الديمقراطي بقواعده المؤسسة على التعددية وتداول السلطة والاقتراع الحر, او في ميدان التقدم الحضاري والتحرر العقلي وفصل الدين عن الدولة. ان البرجوازيات العربية الناشئة والنخبة المستنيرة حولها, ظلت تحمل على عاتقها قضية التحرر الاجتماعي, وهي خاضت معارك فكرية وثقافية مشرفة. لكنها في الوقت نفسه تصرفت ازاء التحرر السياسي بالكثير من السلبية, ربما خوفا على مصالحها وارتباطاتها الطبقية. وعلى العكس من ذلك. ففي حين ان الطبقة الوسطى والبرجوازيات الصغيرة كانت تمور بالثورية والرغبة في التغيير السياسي ومقارعة الاستعمار, فانها ظلت متخلفة من الناحية الفكرية والاجتماعية. وهي وقفت في جميع المعارك التي خيضت في هذا الميدان موقفا سلبيا, وداعما لقوى التخلف. ان الانفصام او التناقض بين هذه الفئات الاجتماعية في موقفها من التحرر الاجتماعي والسياسي, كان يعني في واقع الامر ان كلا منها انما كانت تسير في اتجاه مختلف, جارة خلفها المجتمع وراء الافكار والمواقف التي تعتبرها هي الاولوية وهي الهامة في جدول اعمالها. وما ان انجلى غبار المعارك التحررية, حتى تبين ان الخسارة هي من نصيب الجميع, المجتمع وقواه وفئاته الاجتماعية المختلفة. فلا الطبقة المتوسطة والبرجوازية الصغيرة, استطاعت ان تنجح في معركتها من اجل التحرر السياسي وارساء الديمقراطية, ولا البرجوازية والنخبة المستنيرة, استطاعت ان تنتصر في معركة التحرر الاجتماعي ونشر التنوير والتقدم المجتمعي. فقد عاد قوسا الهزيمة لينغلقا من جديد, ومعها تبددت جميع الفرص امام مواصلة النهضة العربية. وفي تاريخ الشعوب والامم ثمة نماذج وامثلة كثيرة على هذه الظاهرة الاجتماعية ـ السياسية او تلك, غير ان ثمة نماذج تكون قادرة على اختصار هذه الظاهرة وتكثيفها على نحو يغني الباحث عن حشد عدد كبير من هذه الامثلة. في التاريخ العربي والمصري الحديث تحديدا ثمة حدثان, ذوا دلالة عظيمة, رغم ان الكثيرين لم يعودوا اليهما فيما بعد الا فترات قليلة, وهما يلخصان ظاهرة الازدواجية في المجتمع العربي, ويوضحان كيف اهدرت النخب العربية فرصة ثمينة للفكاك من أسر التخلف الاجتماعي والحضاري من جهة, ومن أسر الاستبداد والانظمة التسلطية من جهة اخرى, وفي وقت واحد. الحدث الاول وهو صدور كتاب (الاسلام واصول الحكم) عام 1925 للشيخ علي عبدالرازق (1888 ـ 1966) وهو من علماء الازهر في وقتها وقاض شرعي بمحكمة المنصورة, والثاني صدور كتاب (في الشعر الجاهلي) بعد ذلك بعام للدكتور طه حسين. وقد اثار الكتابان ضجة عارمة في مصر وفي البلاد العربية, لم تهدأ لفترة طويلة, واوصلت المؤلفين الى ساحة القضاء, فما الذي قالاه في الكتابين واستحقا عليه كل هذه الضجة؟ تتركز فكرة كتاب الشيخ علي عبدالرازق (الاسلام واصول الحكم) في ان الاسلام لم يعرف النظام السياسي او الحكومة, فليس في القرآن او الاحاديث اي نص حول الخلافة كنظام سياسي يتبعه المسلمون. وباستثناء الخلفاء, لم تقم الخلافة بالاجماع بل بالسيف وابرز مثال على ذلك قصة يزيد بن معاوية. وهو نفى ان تكون الخلافة ضرورية للدفاع عن الإسلام. ويضيف: ان الاسلام كدين هو دعوة عالمية.. لكن العالم كله لا يستطيع ان ينتظم في دولة واحدة, أو نظام سياسي واحد, فذلك مما يوشك ان يكون خارجا عن الطبيعة البشرية كذلك فإن النبي حين مات لم يعين بعده خليفة أو حاكما, ولم يحدد نظاما للشورى أو البيعة. كما ان الرسالة قد تمت بانتهاء حياة النبي, وبالتالي فالزعامات القادمة من بعده لا تخلفه في رسالته الدينية التي انتهت بالفعل, بل هي زعامات مدنية سياسية,وكان أبو بكر أول من أطلق عليه لقب (خليفة) والدولة الجديدة التي أقامها أبو بكر هي دولة عرفت الامارة والأمراء والوزارة والوزراء لأول مرة, وللتدليل على ذلك ان الذين لما يبايعوا أبا بكر لم يكفروا بعكس الذين أنكروا الرسول, لأن حكم أبي بكر سياسي يقبل الجدل, بينما الرسالة كانت وحيا إلهيا. ويختم بالقول: (لا شيء في الدين يمنع المسلمين ان يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها, وان يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا به واستكانوا إليه, وان يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما انتجت العقول البشرية وأمتن ما دلت تجارب الأمم على انه خير أصول الحكم) . فما الذين أراد الشيخ علي عبدالرازق ان يقوله في هذا الكتاب؟ انه أراد ان يقول باختصار أن الاسلام هو دين ورسالة, وان الخلافة هي تنظيم مدني وسياسي أملته الظروف والحاجات التي استجدت بعد وفاة النبي, وهذا يعني ان فكرة الكتاب الأساسية كانت هي الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة والأخذ بالنظام الديمقراطي الحديث بدلا من الملكية القائمة وقتها في مصر. الأزهر يرد وبالطبع تسبب ذلك في استثارة غضب حشد من القوى المتنافرة ضده بدءا من الملك فؤاد الذي أراد ان يكون خليفة للمسلمين بعد انتهاء الخلافة العثمانية ورجال الدين وكبار الاقطاعيين وحتى عامة الناس. وقد أوعز الملك لشيخ الأزهر حينها محمد أبو الفضل بأن يجمع إليه هيئة كبار علماء الأزهر لمحاكمة الشيخ علي عبدالرازق واخراجه من زمرة العلماء وهو (محو اسم المحكوم عليه من سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى, وطرده من كل وظيفة, وقطع مرتباته من أي جهة كانت, وعدم أهليته للقيام بأي وظيفة عمومية دينية كانت أو غير دينية) وقد أصدر العلماء المجتمعون حكمهم هذا بعد أقل من ساعتين. لكن الملفت ان يكون بين أشد منتقدي الشيخ عبدالرازق ومهاجميه حزب المعارضة الرئيس وقتها, أي الوفد وزعيمه سعد زغلول ومن ورائه الطبقات الشعبية. يقول سعد: (لقد عرفت انه جاهل قواعد دينه بل بالبسيط من نظرياته, وإلا فكيف يدعي ان الإسلام مدني, ولا هو بنظام يصلح للحكم؟ فأية ناحية مدنية من نواحي الحياة لم ينص عليها الإسلام؟ ألم يدرس شيئا من هذا في الأزهر؟ أو لم يقرأ أن أمما كثيرة حكمت بقواعد الإسلام فقط عهودا طويلة كانت من انضر العصور؟ وان أمما لا تزال تحكم بهذه القواعد, وهي آمنة مطمئنة, فكيف لا يكون الإسلام مدنيا ودين حكم؟ وما قرار هيئة كبار العلماء باخراج الشيخ علي من زمرتهم إلا قرار صحيح لا عيب فيه, لأن لهم حقا صريحا بمقتضى القانون, أو بمقتضى المنطق والعقل, ان يخرجوا من يخرج عن أنظمتهم من حظيرتهم, فذاك أمر لا علاقة له مطلقا بحرية الرأي التي تعنيها السياسة. أما الجهة التي وقفت مع الشيخ عبدالرازق فهي القوى الليبرالية سواء الممثلة في حزب الأحرار الدستوريين وصحيفته (السياسة) وكتابها البارزين أمثال الدكتور طه حسين والدكتور محمد حسين هيكل والدكتور منصور فهمي ومحمود عزمي وعبدالقادر المازني, أو القوى الليبرالية المستقلة والموزعة بين عدد من المجلات مثل (الهلال) و(المقتطف) وقد رأت هذه القوى ان من حق الشيخ علي عبدالرازق ان يقول ما يعتقد انه صحيح وان يعبر عن ذلك بكل حرية. يقول د. غالي شكري في كتابه (من الحق الإلهي إلى العقد الاجتماعي) (ص151 ـ 152) ان حزب الاحرار الدستوريين وهو حزب الليبرالية المصرية في ذلك الوقت أسسه أحمد لطفي السيد, وقد تناقضت ليبراليته غير مرة مع التشريعات الملكية ضد الدستور وحريات الشعب الأساسية, كموافقتهم أصلا على الاشتراك في حكومة تألفت في مواجهة الحزب الفائز بالأغلبية (حزب الوفد بزعامة سعد زغلول) وبعد تعطيل الدستور وحل البرلمان وموافقتهم على قانون يمنع الموظفين من الاشتغال بالسياسة وموافقتهم على تشريع معاد لحرية الصحافة! رغم ذلك كله فقد تصدت (الصفوة المستنيرة) من قادة هذا الحزب وشبابه ومثقفيه تصديا شجاعا وتاريخيا إلى جانب (الإسلام وأصول الحكم) في وجه الانجليز والملك والأزهر وقطاعات واسعة من الرأي العام (المتدين) بينما وقفت المعارضة الراديكالية للاحتلال والعرش والممثلة في حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول موقفا مناوئا للشيخ علي عبدالرازق وكتابه, بالرغم من انها المعارضة الدستورية للحكم الاوتوقراطي ومن انها تجسد الطموحات الديمقراطية لثورة 1919) . الشعر الجاهلي وقد تكرر هذا الاصطفاف الاجتماعي في حالة كتاب الدكتور طه حسين (في الشعر الجاهلي) وهو الكتاب الذي أثار حفيظة الكثيرين وقتها, وأدى به إلى المثول أمام النائب العام, لما تضمنه من تشكيك في قصة سيدنا إسماعيل التي وردت في القرآن, حيث ذهب الدكتور طه حسين إلى انها حديثة العهد ظهرت قبيل الاسلام, واستغلها الإسلام بسبب ديني وسياسي أيضا. ويقول: ىنحن مضطرون إلى ان نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في اثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة, وبين الإسلام واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى. وان اقدم عصر يمكن ان تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة انما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمالي البلاد العربية ويبنون فيه المستعمرات, وان ظهور الإسلام وما كان من الخصومة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب قد اقتضى ان نثبت الصلة بين الدين الجديد وبين ديانتي النصارى واليهود وانه مع ثبوت الصلة الدينية يحسن ان تؤيدها صلة مادية) . وبالنتيجة يصل الدكتور طه حسين إلى ان هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن ان يكون صحيحا, ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا كثيرا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن, إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن. فهذه اللغة وهي لغة حمير مخالفة للغة العربية الفصحى مخالفة جوهرية في اللفظ والنحو والصرف وهي إلى اللغة الحبشية القديمة أقرب منها إلى اللغة العربية الفصحى, وليس من شك في ان الصلة بينها وبين لغة القرآن والشعر كالصلة بين السريانية وبين هذه اللغة القرآنية, ولكن ظهور الإسلام وسيادة اللغة القرشية قد محيا هذه اللغة شيئا فشيئا كما محيا غيرها من اللغات المختلفة في البلاد العربية وغير العربية وأقر مكانها لغة القرآن. ومن ثم يستنتج طه حسين ان الشعر الجاهلي الذي ظهر مكتوبا باللغة الفصحى ليس شعرا جاهليا, بل صيغ في صدر الإسلام ليبرر الهدف الإسلامي ويظهر ذلك واضحا ـ كما يرى ـ في قضيتين: أولاهما: قضية نسب الرسول عليه الصلاة والسلام. أما القضية الثانية فهي قضية العلاقة بين الدين الذي نزل به ابراهيم عليه السلام وبين الدين الإسلامي. هذه هي باختصار النقاط الأساسية التي وردت في كتاب (في الشعر الجاهلي) وكما في قضية الشيخ علي عبدالرازق, فقد سارع عدد من طلبة وأساتذة الأزهر وعلى رأسهم شيخه وتقدموا ببلاغ الى النائب العام طالبوا فيه (باتخاذ الوسائل الفعالة الناجعة ضدهذا الطعن على دين الدولة الرسمي وتقديمه للمحاكمة) وجاء في البلاغ ايضا ان كتاب طه حسين (كذب فيه القرآن صراحة, وطعن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم, وعلى نسبه الشريف, واهاج بذلك ثائرة المتدينين واتى فيه بما يخل بالنظم العامة ويدعو الناس للفوضى. كما قام عدد من نواب حزب الوفد في البرلمان بتقديم طلب استجواب الى وزير المعارف مطالبين باخراج طه حسين من الجامعة. اما سعد زغلول فقد خطب في احدى المظاهرات الغاضبة قائلا ان مسألة كهذه لايمكن ان تؤثر في الأمة المتمسكة بدينها, هبو ان رجلا مجنونا يهذي في الطريق فهل يضير العقلاء شيء من ذلك؟ ان هذا الدين متين وليس الذي شك فيه زعيما ولا اماما نخشى من شكه على العامة فليشك من شاء وما علينا ان لم تفهم البقر؟ لكن سعد زغلول ايضا هو الذي ارغم النائب على سحب استجوابه خاصة بعد ان هدد رئيس الحكومة بالاستقالة. موقف النخبة وعلى خلاف الامر مع كتاب الشيخ عبدالرازق فان الملك والانجليز لم يتدخلا في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي) رغم الهجوم العنيف الذي واجهه والحصار الذي تعرض له صاحبه في البرلمان والجامعة والازهر والصحافة والشارع, ولم يقف معه سوى النخبة المستنيرة والارستقراطية المصرية, رغم تراثها المثقل بالخصومة مع الشعب. وربما بسبب عدم تحمس الملك وسلطات الانجليز للتدخل في هذه القضية, لكونها تختص بشأن ادبي, فقد حفظت النيابة العامة القضية اداريا بتاريخ 30 مارس 1927 ولم يصدر فيها اي حكم وبرر ذلك بعدم توافر القصد الجنائي. لكن الملفت بعد هذا ان النهاية التي انتهى اليها الكاتبان والمؤلفان انما تعكس بدقة النتيجة الطبيعية التي الت اليها حركة النهضة العربية, بسبب التناقض بين التحرر الاجتماعي الذي حملت لواءه البرجوازية المصرية والفئات البارزة من المثقفين المستنيرين ووقفت ضده الطبقات الشعبية والاحزاب الممثلة لها, وبين التحرر السياسي الذي لم يكن يوما من بين اولويات البرجوازيات العربية, في حين انه خبز وملح الطبقات الشعبية. وكان افتراقهما هذا قد افقد فكر النهضة القوة والارضية للاستمرار والتجذر في الواقع, فأصبح فكرا هامشيا, يقع في اخر سلم اولويات حركة (الجماهير) . وليس من قبيل المصادفة ان الشيخ عبدالرازق قرر منع اعادة نشر كتابه حتى وفاته عام 1966 ويقال بأنه اوصى بعدم نشره على الاطلاق كذلك فإنه لم يكتب شيئا ذا بال طوال اربعين عاما, وقد استعاده الازهر مرة اخرى الى هيئة كبار العلماء في عهد الملك فاروق, اما الدكتو طه حسين فقد حذف من كتابه الصفحات التي اثارت الجدل, غير عنوان الكتاب الاصلي (في الشعر الجاهلي) وصدرت الطبعة الثانية وماتلاها من طبعات تحت عنوان (في الادب الجاهلي) . وبذلك اسدل الستار على معركتين من اهم معارك عصر النهضة العربية. * كاتب بحريني