يا قوة الله... لا اكاد اصدق ان نصف قرن بالتمام والكمال مر على تلك الأيام المجيدة التي اعقبت قرار مصطفى النحاس بالغاء (معاهدة 1936) , صبيحة الغاء القرار انفجرت ثورة شعبية مسلحة ضد القوات البريطانية المرابطة في منطقة قناة السويس, وبعد هذا الاعلان بثلاثة ايام كان من حسن حظ العبدلله اختياري للسفر الى منطقة القناة لتغطية احداث المعركة مندوبا عن مجلة (النداء) . وعلى مدى اربعة اشهر اتيح لي ان اعيش اخطر واعظم تجارب حياتي, وهي التجربة التي صدمتني وانضجتني, تعرفت خلالها على وجوه شتى للحياة ما كان من الميسور التعرف عليها لولا معركة السويس الشعبية. اعضاء مجلس يمثلون الشعب تحت القبة, ويقودون كتائب فدائية تحارب جيش الاحتلال في العلن, ويمارسون البزنس مع القيادة البريطانية في السر. وأفراد من منظمات عسكرية يحملون السلاح ويفرضون الاتاوات على تجار المنطقة واثريائها, وطلبة فقراء هجروا مقاعد الدراسة وجاؤوا الى المنطقة لمحاربة المستعمر ولا هدف لهم الا الاستشهاد في سبيل الوطن. وضباط في القوات المسلحة جاءوا للتدريب والتموين, فقد كانوا يحضرون ومعهم السلاح وطلقات الرصاص. ولكن بين الفئات الذين وفدوا على المنطقة لحظة نشوب المعركة, فئة لم تستشر في الحضور, ولم تحضر برغبتها ولا عن طيب خاطر, ولكنها حضرت بأوامر وحضرت بتعليمات, انهم عدة كتائب من رجال الشرطة, وكانت المهمة المكلفين بها هي حفظ النظام وضبط الشارع, ولعل حضورهم كان مدعاة لبث الطمأنينة في قلوب عساكر المحتل. ولكن الذي حدث بعد ذلك في واقع الامر.. كان اغرب من الخيال. كتائب الشرطة من عساكر بلوكات النظام التي جاءت بلا رغبة وبأوامر وتعليمات, ولانهم كانوا من ابناء العمال والفلاحين وبسطاء الناس تحولوا بعد اسابيع قليلة الى اخطر كتيبة لمصر في معركتها ضد جيش الاحتلال. ولم يكن معهم سوى بنادق انجليزية ماركة (لي انفيلد) من مخلفات الحرب العالمية الثانية, ويقودهم ضباط شرطة تخصصوا في اعمال المباحث والضبط والربط والحراسات, ولذلك فلن يكون هؤلاء مصدر خطر كبير على العساكر الانجليز او هكذا تصور قادة الجيش البريطاني في منطقة القنال واغلبهم عمل في صفوف الجيش الثامن واشتركوا في معركة العلمين. ولكن في اول معركة نشبت بين عساكر الشرطة وعساكر الانجليز عند كشك المثلث في مواجهة حي الاربعين بالسويس ادرك الانجليز انهم اخطأوا في الحساب وان هؤلاء العساكر ابناء الريف ليس عندهم سلاح ولكن عندهم شرف وطني ولديهم ايمان وعندهم استعداد للموت في سبيل الاوطان. ثم جاءت المعركة التي قتل فيها الكولونيل (هاريس) قائد حامية السويس وقتل معه عدد من جنود المظلات الملقبين بالشياطين الحمر ماتوا غرقا في ترعة السويس واضطرت قيادة الحامية البريطانية الاستعانة بطابور من مصفحات الجيش البريطاني وسقط في المعركة اكثر من مئة عسكري شرطة شهيدا وصمد الباقون نهارا كاملا امام جنود كانوا يعدونهم للاشتراك في الحرب العالمية الثالثة. كان يقود عساكر البوليس في مدينة السويس ضابط شريف برتبة لواء اسمه مصطفى المتولى وقد شغل في اخر ايام حياته منصب مدير كلية الشرطة وتخرج على يديه عشرات من قيادات الشرطة النابهين, وكان معه عدد من اركان حربه اذكر منهم عبدالهادي نجم الدين وصادق الغنام ومحمد عسل وقد جعل الرجل من مكتبه بمحافظة السويس مقرا لقيادة العمليات الحربية ضد عساكر الانجليز, وكان يلجأ الى مكتبه كل قادة كتائب الطلبة والعمال الذين يقومون بعمليات فدائية ضد معسكرات الجيش الانجليزي. وسرعان ما اتسعت حركة المقاومة في كل انحاء القناة في مثلث كبير قاعدته التل الكبير وضلعه يمتد من بور فؤاد الى بور توفيق وكانت معركة التل الكبير هي اخطرها جميعا, اشترك فيها طلبة في الجامعة ومحاربون قدماء اشتركوا في حرب فلسطين تحت قيادة الشهيد احمد عبدالعزيز وجنود شرطة من جنود بلوكات النظام وقادها ضباط جيش محترفون ولكنهم وقت المعركة كانوا في اجازة من الخدمة, ويومها قالت اذاعة الجيش البريطاني التي كانت تبث اذاعتها من المعسكر القريب من الاسماعيلية.. ان المعركة اتخذت طريقا جديدا لم يكن لها عهد به من قبل, ووصفت الذين قادوا المعركة بأنهم على علم بفنون القتال وانهم سبق لهم الاشتراك في معارك حربية حقيقية. واجتذبت المعركة طائفة اخرى كانت قبل الغاء المعاهدة تلتزم الحيطة والحذر في عملياتها خوفا من رجال الشرطة, هذه الطائفة هي طائفة لصوص المعسكرات الذين كانوا يعملون الف حساب لعساكر الشرطة ولا يخشون الدخول في معركة مع اشرس وحدات الجيش الانجليزي. ولذلك كان لابد من وقف معركة الشعب في منطقة القناة قبل ان تتطور الى ثورة شعبية كاملة تنتظم القطر المصري كله من حلفا الى العريش. كان الجنرال (روبنسون) هو احد مساعدي المارشال مونتجومري قائد الجيش الثامن وبطل معركة العلمين وكان روبنسون وقتها برتبة بريجادير وكان قائد منطقة الاسماعيلية هو البريجادير (اكسهام) وانتهزت القيادة البريطانية فرصة وقوع حادث بسيط اغلب الظن انه كان مدبرا بمعرفة القيادة الانجليزية, وفجأة جاءت القوات من اصحاب البريهات الحمراء واحتلت الشارع الموازي لترعة الاسماعيلية وشارع السلطان حسين كامل وشارع الثلاثين وقطعت المرور وعزلت مبنى المحافظة وحاصرتها وبدأ اطلاق النار من جانب الجيش الانجليزي بمدافع رشاشة حديثة وبنادق سريعة الطلقات. ولما ردت قوات الشرطة بالرغم من بساطة اسلحتها كان الرد قاسيا وعنيدا وسقط عدد من جنود الجيش البريطاني وماتوا قتلى بالرصاص وغرقى في ترعة الاسماعيلية. استدعت القيادة البريطانية طابورا من دبابات (تشرين) الثقيلة وقامت بحصار المحافظة واطلقت نيران مدافعها على محافظة الاسماعيلية فهدمت الحوائط ولكن الغريب ان مقاومة عساكر البوليس المصري اشتدت وتصاعدت. وبعد عدة ساعات من تبادل اطلاق النار, صدر الامر للدبابات البريطانية باقتحام مبنى المحافظة. فتم تنفيذ الامر بعد دقائق واقتحمت الدبابات محافظة الاسماعيلية بعد دقائق وتمت عملية الاقتحام من الجدران وعبر الغرف وداست جنازير الدبابات في طريقها الى داخل المحافظة على اجسام عساكر الشرطة الذين اختلطت اجسامهم بجنازير الدبابات وبجدران المحافظة. وللتاريخ فقد طلب القائد البريطاني من قوة البوليس المصري ان يستسلموا بهدوء وان يسلموا اسلحتهم ويغادروا المبنى بسلام ولكن قائد البوليس المصري رفض الاستسلام واصر على المقاومة حتى اخر رجل وحتى اخر طلقة. وبعد حوالي ساعة من اقتحام مبنى المحافظة كان كل شيء قد انتهى. لم يستسلم عساكر الشرطة ولكن ذخيرتهم نفدت واسلحتهم تحطمت وجمعهم الانجليز, الضباط ذهبوا الى معسكر الاعتقال في سيارة نقل والجنود اجبروهم على خلع ستراتهم واقتادوهم الى المعسكر القريب من الاسماعيلية على الاقدام. وقدر للعبدلله ان يذهب الى الاسماعيلية في صباح اليوم التالي قادما من السويس, وذهبت الى معسكر الاعتقال ومن خلال الاسلاك الشائكة تحدثت الى الجنود المأسورين وكانوا جميعا يتمتعون بروح معنوية عالية ويتوقون جميعا الى العودة الى القتال ولكن كل شيء كان قد انتهى بالفعل, اقال الملك حكومة مصطفى النحاس واعلنت الحكومة الجديدة الاحكام العرفية وفرضت حظر التجول واضطر الشعب المصري كله الى النوم من المغرب كالفراخ. يا لها من ايام جليلة مجيدة هي التي مهدت وفتحت الطريق امام ثورة 23 يوليو ودخلت المعركة التاريخ كأول معركة وايضا... ربما اخر معركة تصمد وتحارب فيها كتائب من رجال البوليس جيوش امبراطورية كانت لا تغيب عنها الشمس حتى تلك الايام. الفاتحة على ارواح شهداء الشرطة من العساكر والضباط!.