حتى لو قبلت اسرائيل اخيرا بالمطلب السوري بانسحاب اسرائيلي كامل من ارض الجولان الى حدود 4 يونيو 67 فانها لن توقع معاهدة سلام مع سوريا على هذا الاساس ما لم تضمن تعهدا من لبنان بتصفية النشاط القتالي لحزب الله في الجنوب اللبناني على الحدود الاسرائيلية. لكن لبنان ليس على استعداد لاعطاء مثل هذا التعهد اذا لم تكن اسرائيل مستعدة لاعادة استيعاب اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على الارض اللبنانية. وهكذا تتشابك خيوط المسائل المرتبطة بالمسار التفاوضي السوري اللبناني مع اسرائيل لتعكس تلك الحقيقة الازلية المطمورة تحت تراكمات وهم السلام.. الا وهي ان مشكلة الوطن العربي ليست التعنت الاسرائيلي في العملية التفاوضية وانما وجود اسرائيل نفسها على التراب العربي ككيان شاذ غريب. في لبنان حوالي 350 الف لاجىء فلسطيني ممن شردوا من اراضيهم وديارهم في فلسطين لدى قيام الدولة اليهودية قبل اكثر من نصف قرن ومن لحق بهم في اوائل السبعينيات. هذا الوجود الفلسطيني ظل يمثل مشكلة في لبنان حتى قبل اي سلام عربي مع اسرائيل. فقد ادى الى اشعال حرب اهلية لبنانية كان سببها الرئيسي اختلال الموازنة السكانية بين المسلمين والمسيحيين. فالوجود الفلسطيني كان اضافة للسكان المسلمين مما افرز قلقا لدى السكان المسيحيين. لذا لم تكن مثار دهشة, ان من بين ما اتفق عليه الزعماء المسلمون والمسيحيون في لبنان بعد نهاية الحرب عدم توطين الاقلية الفلسطينية بحال من الاحوال حتى ان نصاً بهذا المعنى ضمن الدستور اللبناني. ولسنين طويلة ظلت المشكلة الفلسطينية في لبنان في حالة بيات شتوي نسبي رغم انه ظل محظورا على الفلسطينيين اقامة مبان سكنية مستديمة او تولي وظائف حيوية. ولكن مع تبلور الظروف التي ادت الى استئناف مفاوضات السلام على المسار السوري واحتمال استئنافها على المسار اللبناني عادت المشكلة الفلسطينية لتطفو على السطح متضمنة ذلك السؤال غير القابل لاجابة قاطعة: ما مصير اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؟ وسواء تيسر ايجاد اجابة او لم يتيسر فان قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ستكون في قلب العملية التفاوضية بين اسرائيل من ناحية وسوريا ولبنان من ناحية اخرى. ومن الواضح ان الطرف الاسرائيلي لا يرغب في ان تدرج هذه القضية على جداول اعمال اي من المسارين لكن المشكلة سوف تفرض نفسها عندما تدخل العملية التفاوضية دائرة المساومات اللازمة للتوصل الى معادلات سلمية ترضي الاطراف الثلاثة معا. سوف تتمسك سوريا بعناد بضرورة انسحاب اسرائيلي كامل من ارض الجولان. وقد تقبل اسرائيل اخيرا بالانسحاب الكامل من الجولان والجنوب اللبناني معاً, لكنها في المقابل سوف تطلب من لبنان تصفية القوة العسكرية لحزب الله في الجنوب اللبناني وتطلب ايضا من سوريا الضغط على لبنان في هذا الاتجاه. وقد يقبل لبنان الطلب الاسرائيلي لكن قبوله سيكون مشروطا بقبول اسرائيل اعادة استيعاب اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على الارض اللبنانية. ولكن اذا كان لبنان يرفض بشدة توطين اللاجئين الفلسطينيين بسبب التخوف من اختلال المعادلة السكانية بين المسلمين والمسيحيين فان اسرائيل ترفض عودة هؤلاء اللاجئين لسبب مماثل: اختلال المعادلة السكانية بين اليهود والعرب الفلسطينيين. وهذه هي الصخرة الملساء التي سوف تصطدم بها المفاوضات في النهاية. فلا حل لمعضلة الجولان قبل حل لمعضلة الاقلية الفلسطينية في لبنان.. مما يعيدنا الى جذور القضية الاصلية: هل كان للفلسطينيين اصلا ان يضطروا للهجرة الى لبنان وغير لبنان لولا قيام كيان اجنبي عدواني على ارض فلسطين العربية قبل نصف قرن؟ اليست قضية العرب الاصلية مع الدولة اليهودية هي صراع وجود لا حدود؟