مازلت حتى اليوم اتذكر اسم ذلك البرنامج الثقافي الممتع الذي كان يدور حول شعراء الجاهلية والاسلام القدماء منهم, وتلك الاساطير والحكايات التي أرَّخت لحياتهم, وقصص عشقهم وتسمياتهم وأسباب وفاتهم.. الخ, في محاولة للفصل والبحث عن الحقيقة والخيال في ثنايا هذه التفاصيل, ذلك البرنامج القديم كان اسمه (بين الحقيقة والخيال) وكانت تقدمه مذيعة مصرية جميلة اسمها ليلى رستم لا أدري ماذا فعلت بها الأيام؟ وبرغم الأبيض والأسود, وبرغم ضآلة الامكانيات في السبعينيات فيما يتعلق بالديكور والاخراج, إلا أن حضور المذيعة وثقافتها العالية وما تمتعت به من نطق سليم وصوت جميل واتزان متناغم مع طبيعة البرنامج, جعلته من أحب البرامج لفئة كثيرة من المشاهدين في تلك الايام, وعن نفسي فقد كنت انتظره بلهفة, رغم صغر سني حيث كنت لا أزال في المدرسة الاعدادية. ليلى رستم التي كانت تقدم لنا وجبة دسمة من الثقافة الأدبية في قالب تمثيلي رزين, مازالت مطبوعة بتلك الابتسامة الجميلة في ذاكرتي. وشعراء من امثال الفرزدق, وتأبط شرا, وزهير بن ابي سلمى وعروة بن الورد وغيرهم مازالت اساطيرهم الحقيقي منها والزائف مستقرة في مخيلتي ما يعني لي الكثير من الدلالات. اليوم يعج هذا الصندوق المسمى بالتلفزيون والموجود في غرف المعيشة والنوم والمطبخ, والذي صار ملونا ورقميا, مشفرا وموصولا بالفضاء, يعج بمئات القنوات التلفزيونية الفضائية, تماما كمحلات لعب الاطفال المستنسخة, ومن بين لعب الاطفال الكثيرة والملونة والالكترونية نجد كل طفل له لعبة خاصة جدا, صغيرة وقديمة ربما لكنها هي المفضلة عنده, لذلك نجده يترك كل اللعب ويتمسك بها, وهكذا صارت القنوات الفضائية مثل صندوق لعب الاطفال ووحدها قناة أو اثنتان, برنامج أو اثنان يظل مطبوعاً في الذاكرة وعصيا على النسيان.. تماما كبرنامج بين (الحقيقة والخيال) . بقية القنوات لا أدري مدى الحاجة إليها, حيث أكثر البرامج بلا طعم ولا قيمة, مجرد لعبة (مصالح) قائمة على مبدأ (تبادل المنافع) بين شركات الانتاج ومسئولي المحطات الفضائية وغير الفضائية, وليس مهما وفق هذا المبدأ ان يستفيد المشاهد أو لا, أن يرضى أو لا يرضى, ان يقتنع أو لا يقتنع, فالمهم استمرار اللعبة (لعبة المصالح) بين اللاعبين وفق شروط العقد, حيث العقد شريعة المتعاقدين.. ولا عزاء للمشاهد ابداً.