بعد انتظار طويل, فقد تمكن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة من تشكيل حكومته برئاسة السيد بن بيتور, ويكشف هذا التأخر عن الصعوبات التي اصطدم بها الرئيس لانتاج حكومة يمكن ان تنال القبول سواء من طرف المؤسسة العسكرية, أو من طرف الاحزاب التي دعيت للمشاركة فيها . وقد تكونت هذه الحكومة التي قدمت برنامجها الحكومي للبرلمان في ظرفية تتسم بانتهاء العمل بقانون الوئام الوطني, وهو القانون الذي كان قد جعله الرئيس الجزائري بمثابة حصان طراودة في برنامجه الهادف الى اخراج البلاد من المأزق الذي تتردى فيه منذ اجهاض المسلسل الديمقراطي الذي كانت الجبهة الاسلامية للانقاذ على وشك الحصول على الاغلبية في الانتخابات التشريعية التي نظمت ضمنه. وتتفاوت التقييمات حول الانعكاسات الامنية لهذا القانون بين اولئك المتفائلين بجدوى الاجراءات التي نص عليها في ارجاع الاستقرار الى البلاد, لاسيما ان مجموعة من المسلحين قد القوا سلاحهم, وعادوا الى الحياة المدنية, وبين المتشائمين الذين يعتبرون ان القانون لم يحقق النتائج المرجوة منه, رغم مساندة جبهة الانقاذ الاسلامية وجناحها العسكري لمقتضياته, وذلك اعتبارا للتعقد والتنوع الذي اصبحت تعرفه الجماعات المسلحة بشكل يستحيل السيطرة عليها كاملا, ويؤكد استمرار اعمال العنف التي يذهب ضحيتها عشرات الابرياء بعد انتهاء العمل بهذا القانون هذه المعاينة, بحيث مازالت هناك جيوب لمقاومة هذا التوجه الذي صاغه الرئيس الجزائري, ويطرح هذا المعطى تخوفات مبررة, من ان ذلك قد يستعمل ذريعة من طرف الجناح الاستئصالي لتكريس المقاربة الامنية المحضة في مواجهة هذا الواقع, وهو امر لا يمكن ان يخدم سياسة الحوار التي يريد الرئيس الجزائري تكريسها كأسلوب لتدبير التناقضات في البلاد. في نفس الوقت, فإن تجاوز الوضعية التي تعيشها البلاد لا يمكن ان يتم الا من خلال اقرار حالة من الاستقرار والسلم الاجتماعي الذي تندرج ضمنه كافة مكونات المجتمع بدون اقصاء او استبعاد, وفي نفس السياق, معالجة المشكلات التي تعمقت بفعل الاختيارات ذات الطبيعة الاشتراكية, والتي لم تساهم في حل المشكلات العويصة التي يواجهها الاقتصاد والمجتمع بالرغم من توفر البلاد على امكانيات متميزة لم يتم استثمارها بشكل عقلاني وملائم. اسوة بكثير من الدول فإن البرنامج الحكومي الذي يسعى تطبيق الاختيارات التي وعد بها الرئيس الجزائري تنصب حول محورين رئيسيين: يتمثل الاول في تحويل الاقتصاد من اقتصاد موجه الى اقتصاد السوق, اي خاضع لقوانين المنافسة والعرض والطلب حتى يتمكن من الانخراط في دواليب الاقتصاد العالمي المتسم بهيمنة النزعات الرأسمالية, ولا شك في ان هذه المهمة ليست باليسيرة, فهي تتطلب اولا تأهيل هذا الاقتصاد لاستيعاب هذه الثقافة الجديدة, هذا الامر يتطلب بالاساس تدعيم برنامج الخصصة وهو امر في حد ذاته يتطلب استراتيجية واضحة لتحديد المرافق والمؤسسات التي يمكن خصصتها وتلك التي ينبغي ان تبقى في ملكية الدولة اعتبارا لاهميتها الحيوية بالنسبة لحياة المواطن في الوقت نفسه تحديد الاساليب القمينة بخوصصة مرتكزة على الشفافية والفعالية التي تسمح بجلب الاستثمارات, ولاسيما منها الاستثمارات الاجنبية ويتطلب هذا الامر عملا شاقا يتمثل في انتاج وتحديد القوانين المتعلقة بضبط هذه الاستثمارات, حتى تكون منتجة وفعالة, وفي نفس السياق, فأن هذا البرنامج ينبغي ان يحافظ على التوازنات المالية الكبرى اعتبارا الى ان هذا مطلبا اساسيا من مطالب المؤسسة المالية الدولية, وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي الذي بات بمثابة الضابط الاساسي للاقتصاديات العالمية, فعجز الميزانية ونسبة التضخم ينبغي ألا تتجاوز نسبة مقبولة تسمح بالاستفادة من الامكانيات التي تطرحها المؤسسات التمويلية العالمية. في نفس السياق, وفي ظل نظام اقتصادي عالمي متسم بالمنافسة الشرسة, فإن الحيوية الاقتصادية باتت تقاس بمدى قدرة المؤسسات الاقتصادية على تصدير اكثر ما يمكن, مع التقليص من الواردات وخاصة تلك الاستهلاكية, وهذه المسألة مرتبطة بالمحافظة على عجز في الميزان التجاري يصبح مقبولا, وغير معرقل للدينامية الاقتصادية المتوخاة. وفي الواقع اذا كانت المهمة الاساسية للحكومة ترتكز على اعادة تأهيل الاقتصاد حتى يصبح اكثر تنافسية فإن الهدف الاساسي للتنمية الاقتصادية يبقى ضرورة تحسين الاوضاع الاجتماعية للمواطن, وتزداد هذه المهمة راهنية وحدة في ظل التدهور الكبير التي تعرفه الكثير من المؤشرات الاجتماعية في البلاد, وتنتصب في مقدمتها محاربة البطالة, وهي السرطان الذي ينخر الكثير من الدول ولا ريب في ان رفع مصداقية الدولة, واقرار التلاحم الاجتماعي يبقى مرتبطا بمدى القدرة على تمكين السكان النشيطين من عمل يلائم مؤهلاتهم ويسمح لهم بالعيش بكرامة, ويمكنهم كذلك من عدم الانخراط في التيارات المناهضة للدولة, وينبغي الاقرار ان هذه ليست عملية يسيرة خاصة في ظل المرحلة الانتقالية التي تواجهها البلاد والتي تتمثل في اعادة هيكلة المؤسسات بكل ما قد يؤدي الى تسريح عدد من العمال, فالسؤال المطروح يكمن في معرفة ما اذا كانت الاجراءات المقترحة تسمح بالتوفيق بين هدفين متعارضين نظريا, وهما ولوج قانون السوق, والبحث عن مزيد من التشغيل وعلاوة على معضلة التشغيل, فإن الحكومة مطالبة بايجاد حلول وعلاجات ممكنة للخصاص الاجتماعي الذي تعرفه البلاد, فيما يتعلق بالصحة والتعليم والسكن, بصفة عامة, العمل على اقرار العدالة الاجتماعية من خلال السماح لكافة المواطنين من الاستفادة من امكانيات البلاد. من الواضح ان التحديات المطروحة على الحكومة تبدو صعبة ولكنها ليست مستحيلة فمن حسن حظ الجزائر كما هو الامر بالنسبة للدول المنتجة, ان ارتفاع اسعار البترول منذ شهور قد يسمح للخزينة بموارد مهمة تمكنها من تمويل المشاريع التي تعتزم القيام بها, في الوقت نفسه فإن استمرار تطوير السياسة الطاقوية يجعل البلاد غير معرضة لتكاليف استيراد النفط والغاز, كما هي حالة الكثير من الدول التي باتت هذه المادة الاستراتيجية تشكل عبئا ثقيلا على توازناتها, وعلى برامجها التنموية, لكن علاوة على ذلك فإن هذا المشروع التنموي يبقى مرتبطا باعادة الانفتاح على المجتمع الدولي, وبصيغة اخرى فإن اعادة تنشيط الدبلوماسية الجزائرية يصبح ضرورة ملحة, ولا يقتصر الامر على مشروع يستهدف الريادة في العالم الثالث كما كان عليه الامر في السابق حيث كانت تضطلع الجزائر بدور هام في اعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي, بل ان الامر حاليا يرتكز على انماء دبلوماسية اقتصادية تساعد بالدرجة الاولى على تجاوز المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها البلاد. وفي هذا الصدد فإن اعادة تنشيط العلاقات مع الشركاء السياسيين والاقتصاديين للجزائر يعتبر مهمة ملحة, وينتصب في مقدمتها التفاوض من اجل ابرام اتفاق الشراكة مع الاتحاد الاوروبي, اسوة بالاتفاق الذي ابرمه المغرب والذي سيصبح نافذا في افق سنة 2010, ويتعلق الامر بخلق منطقة للتبادل الحر تمكن من تحرير المبادلات بين البلدين, وهذا المسعى يتطلب الكثير من الاجراءات لتأهيل الاقتصاد الجزائري حتى يصبح اكثر قدرة على استيعاب هذه التحولات العميقة. في الوقت نفسه فإن اعادة تنشيط اتحاد المغرب العربي يبقى من الاهداف التي ينبغي ان تسعى اليها الدبلوماسية الجزائرية اعتبارا للفوائد الجمة التي يمكن ان تجنيها كافة اقطار المنطقة من هذا الاتحاد سواء فيما يتعلق بديناميتها الداخلية, او فيما يخص رفع قدراتها التفاوضية مع الاقطار والتكتلات الدولية الاخرى, كما هو الامر اساسا بالنسبة للعلاقات مع الاتحاد الاوروبي بكل ابعادها وتداعياتها وكذلك استفادة من الدينامية السياسية التي تعرفها بعض الاقطار, وخاصة المملكة المغربية بعد رحيل الملك الحسن الثاني, وصعود محمد السادس الذي باشر سياسة للتغيير تتوخى تصحيح الكثير من الاختلالات التي يواجهها المجتمع المغربي. بصفة عامة, فإن الاعباء الملقاة على الحكومة الجزائرية ثقيلة وقد تمتد عبر عدة سنوات, لكن ما هو اساسي هو توفر المناخ الامني والسياسي والثقة اللازمة التي تسمح بمباشرة هذه الاصلاحات وفتح الاوراش الضرورية لمواجهة كافة التحديات.