في هدوء تام مرت قبل أيام ذكرى واحدة من اعظم المعارك في تاريخنا الحديث, ففي التاسع من يناير كان موعد الاحتفال ( الذي لم يتم) بمرور اربعين عاما على بدء العمل في السد العالي, ولعل نسبة كبيرة من الاجيال الجديدة لاتعرف عن السد الا انه مشروع مائي كبير, ولايدرك حجم المعركة التي خاضتها الامة لانجازه, ولامعنى الانتصار فيها, ولاسبب هذه الحملة المتواصلة لمحاولة تشويه هذا الانجاز العظيم, ليس فقط لارتباطه بعبد الناصر ولكن ايضا لانه يجسد قدرة هذه الامة ــ اذا وجدت الهدف والقيادة ــ على تحقيق المعجزات. لقد مرت الذكرى في هدوء وصمت لم يقطعه الا تصريح رسمي واحد صدر لوزير الري المصري الدكتور محمود ابو زيد (وهو احد ابرز خبراء الموارد المائية في العالم) اعلن فيه ان السد العالي الذي اختاره خبراء الهندسة العالميين كأعظم مشروع عندي في القرن العشرين سيظل مفتاح التنمية في مصر بعد ان جنبها غوائل الفيضانات المدمرة او القحط والجفاف الذي ضرب افريقيا لسنوات, وقال المسئول المصري ان السد العالي الذي لم يتكلف الا 450 مليون جنيه منح لمصر في خمس سنوات فقط من سنوات الجفاف كميات من المياه المخزونة بلغت قيمتها تسعة مليارات من الجنيهات بالاضافة الى توليد كميات من الكهرباء النظيفة تصل تكاليفها اذا تم توليدها من الطاقة الى اربعة مليارات جنيه, واكد المسئول انه لولا السد لما كان هناك مشروع توشكي الذي يجرى تنفيذه الان, وما استطاعت مصر ان تزرع سيناء بمياه النيل ولكان الحال غير الحال. وكلام المسئول المصري يكتسب اهميته في ضوء ما يهدد العالم من ازمة مياه خانقة وفي ضوء مانتابعه من ازمات في عملية التسوية التي تجريها امريكا لمشكلة الشرق الاوسط بسبب الخلاف على مصادر المياه وتوقع الجميع ان تكون حروب المياه هي الخطر الاساسي في العقود المقبلة. لكن ذلك ليس الا الزاوية الصغرى لرؤية السد العالي, اما الاهم فهو كيف تحول هذا المشروع العظيم الى اختبار لارادة شعب, والى ميدان لصراع هائل على مستقبل المنطقة, والى رمز لمعركة بين اصرار مصر وعبدالناصر على استقلال القرار وتحرير الارادة العربية من جانب والمخطط الامريكي لكسر هذه الارادة والسيطرة على ثروات المنطقة وفرض الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية عليها. لم يكن الامر في البداية الا مشروعا طرحه مهندس يوناني متمصر للاستفادة من مياه النيل في سنوات الوفرة لتعوض النقص في سنوات الجفاف وتزيد الرقعة الزراعية في مصر, داخ الرجل بمشروعه قبل ثورة يوليو على المسئولين فلم ينصت له احد, ثم جاءت الثورة وانصتت وبحثت ووضعت المشروع تحت دراسة شارك فيها اكثر من بيت خبرة عالمي, لينتهي الامر بإقراره والشروع في تنفيذه. وفي البداية اعطت الولايات المتحدة الامريكية اشارة الموافقة للبنك الدولي الذي أقر بصلاحية المشروع واهميته, وابدت الاستعداد لتوفير التمويل الاجنبي للمشروع, ولكن الوضع تغير بعد ذلك وفي ضوء رفض مصر لسياسة الاحلاف الامريكية في المنطقة وقيادتها لحركة التحرير العربي في هذا الوقت. وسحبت امريكا (وبالتالي البنك الدولي) عرض تمويل السد, وكان الرفض كما اعلنت امريكا لأنها (اصبحت مقتنعة بأن الحكومة المصرية ليس في استطاعتها ان تقدم النقد المحلي اللازم لتمويل السد, لأن تنفيذ هذا المشروع العملاق سوف يفرض على الشعب المصري تقشفا لمدة تتراوح بين 12 و 15 سنة. والشعب المصري لا يستطيع ان يتحمل ذلك, ثم ان الحكومة الامريكية لا ترغب ان تتحمل مثل هذه المسئولية!) . وتتحرك الاحداث بسرعة, ويرد عبدالناصر بتأميم قناة السويس, ويقع العدوان الثلاثي ويفشل بسبب الصمود العظيم لمصر والتأييد العارم من الأمة العربية, وتنسحب قوات العدوان, وتستعيد مصر قناة السويس وعائداتها التي كانت تنهبها الشركة الاجنبية, وتتعاظم القدرة المصرية على المضي في المشروع الكبير, ويتقدم الاتحاد السوفييتي فيوقع مع مصر عقدا لتقديم قرض لهذا المشروع يستخدم في استيراد المعدات, وبتقديم الخبرة الفنية.. ويكون القرض بشروط ميسرة, وتبدأ قصة اخرى في التنمية, وفصل جديد في الصراع في الشرق الاوسط. ويتحول بناء السد العالي الى ملحمة تجسد القدرة العربية على التحدي, ولم يستطع شيء ان يوقف المشروع, لا الضغوط الاقتصادية والحصار الاقتصادي الذي مارسته امريكا على مصر, ولا الخلافات السياسية بين القاهرة وموسكو التي تصاعدت في الكثير من الاحيان, ولا الزلزال الذي ضرب مصر والعرب في 67. وينتهي بناء السد في يناير 71 بعد شهور من رحيل عبدالناصر ليكون اعظم تكريم للرجل الذي خاض المعركة الصعبة, وليكون تأكيدا على قدرة مصر على الانجاز, وليكون بشيرا على عبور هزيمة 67 رغم قسوتها ومرارتها. اكتمل البناء, ورحل عبدالناصر, ولكن الحملة لم تتوقف بل ازدادت سعارا.. ليس فقط لتصفية الحساب مع عبدالناصر, ولكن ايضا لضرب القناعة العربية بأننا نستطيع ان ننجز الكثير وان نصنع المستحيل, وهو الامر الذي تكرر بعد ذلك مع انجازنا العظيم في حرب اكتوبر. ويروي الباحث الوطني احمد النجار في كتاب صدر قبل شهور عن مؤسسة الاهرام قصة الحملة على السد العالي بعد بنائه والتي انطوت على مختلف المزايدات والاكاذيب, وابتذلت كل شيء لتصفية الحسابات, وابتعدت عن العلم والموضوعية.. بل وادير الكثير منها بطريقة مخابراتية. بدأت الحملة قبل افتتاح السد العالي حين نشرت احدى الصحف الالمانية ان اتمام السد العالي أدى الى انحراف شديد في خزان اسوان, وان المصريين طلبوا من المانيا الغربية المساعدة.. وعقد وزير الماني مؤتمرا صحفيا ليعلن ان الخبر مختلق, وتكشف بعد ذلك ان الاوساط الصهيونية وراء الخبر الكاذب. وسرعان ما انتقل الامر الى الصحافة العربية, وبعد اسابيع من الاحتفال باكتمال بناء السد, خرجت صحيفة الحياة (وكانت لبنانية وقتها) بمقال بتوقيع مستعار يشير في كاتبه الى ان موضوع السد العالي سيثير في القريب العاجل اعظم فضيحة فنية في التاريخ ومع تعرض مصر لفيضان منخفض في العام التالي, وبدء الاعتماد على السد خفت موجة الهجوم, ليعود بعد ذلك في عام 74 وبصورة ضارية, وتشارك أقلام صحيفة تريد تصفية حساباتها مع ثورة يوليو في الحملة التي تنتقل بعد ذلك الى مجلس الشعب ــ واصبح السد العالي هو المسئول (عند هؤلاء) عن كل المصائب بدءا من انه السبب في الحروب التي خاضتها مصر, الى اضراره بالزراعة, الى انه السبب في هرب اسماك السردين من مصر! ومع نهاية السادات تبدأ الحملة في التراجع, وتفرض الحقائق نفسها, ويعرف الرأي العام كيف ساهم السد العالي في زيادة الرقعة الزراعية بملايين الافدنة, وكيف وفر الطاقة الكهربائية النظيفة (وزير الكهرباء السابق المهندس ماهر اباظة قرر ان السد وفر لمصر طاقة كهربائية قيمتها 4 مليارات دولار سنويا) والاهم من ذلك ان السد العظيم حمى مصر من اخطار الفيضانات العالية في اعوام 64 و 67 و 75 و 88 و 96 و 98 واختزن مياه هذه الفيضانات لتصبح رصيدا لمصر في سنوات انخفاض الايراد ومدخلا لتنفيذ مشروعات جنوب الوادي وتوشكى. كما ان السد حمى مصر من مخاطر الجفاف حيث دامت سنوات القحط المائي من عام 79 وحتى عام 87. وفي هذه السنوات التسع عاشت دول افريقيا كارثة المجاعة وفقدت اثيوبيا في عام واحد مليون انسان بسبب الجفاف.. علما بأن اثيوبيا هي المصدر الاساسي لمياه النيل في مصر. وكان لابد ان تتوقف ألسنة التشكيك عن بث سمومها وان تعرف مصر الحقيقة عن هذا العمل العظيم الذي أقامته سواعد مصرية بارادتها الحرة, والذي اختاره علماء العالم مع نهاية القرن كأعظم مشروع هندسي في القرن العشرين. ووقف الرئيس حسني مبارك أكثر من مرة ليوجه التحية للذين أقاموا هذا المشروع العظيم الذي حمى مصر من ويلات الجفاف والمجاعة, لسنوات, ومن مخاطر الفيضان المدمر في سنوات أخرى, وأتاح لمصر من الموارد المائية ما جعلها تستطيع ان تفكر في زراعة سيناء وفي تعمير توشكي وجنوب الوادي. ومع ذلك تأتي مناسبة هامة تلك التي مرت بنا هذا الشهر, فلا تحتفل مصر كلها (بل العرب جميعا) بيوم البدء في السد العالي الذي لم يكن مجرد انتصار على النهر العظيم, بل كان انتصارا في معركة تأكيد الذات وانتزاع الاستقلال وفرض الارادة العربية الحرة, واستخلاص ثرواتها المنهوبة وتسخيرها لزرع الخير وتحقيق التنمية. وقبلها وفي الشهر الماضي مرت أيضا ذكرى يوم عظيم وهو يوم 23 ديسمبر ولم نحتفل به رغم انها كانت ذكرى يوم بارز في تاريخ المنطقة والعالم كله, ففي هذا اليوم تم انسحاب الجيوش الأجنبية من مصر بعد فشل عدوان 56, وكان هذا إعلانا بسقوط الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية, وبسطوع شمس الحرية على كل الأرض العربية التي كانت تحت الاحتلال, وببدء عصر جديد تفرض فيه الشعوب كلمتها. مر هذا اليوم ـ كالعادة منذ سنوات ـ في صمت لا يليق, وكأننا نتبرأ من انجازاتنا, ونخشى ان يتذكر أحد اننا انتصرنا ذات يوم, وقهرنا العدوان, وبدأنا مرحلة جديدة وهامة في تاريخ العرب!! ان الذاكرة القومية هي احد الميادين الرئيسية لمعركة قاسية ومريرة وصعبة بيننا وبين أعداء الأمة, انهم يريدوننا أمة بلا تاريخ ليشكلوننا كما نريد, ولنكون جزءًا من مشروعاتهم, وأداة لتنفيذ مخططاتهم, انهم يريدوننا أمة بلا تاريخ لننسى أننا قادرون على الانتصار في معاركنا (هل رأيتم كيف احتج الصهاينة على احتفالنا بمرور ربع قرن على حرب اكتوبر؟!) وهم يريدوننا أمة بلا تاريخ لننسى ان لنا أرضا مغتصبة وحقوقا ضائعة لابد ان نستعيدها, وهم يريدوننا أمة بلا تاريخ ليكون الواقع المزري الذي نعيشه هو نقطة البدء والانتهاء بالنسبة لنا, ويكون أقصى أمانينا ان نحافظ على ما بقي لدينا لا أن نطالب بما هو حق لنا, وهم يريدوننا أمة بلا تاريخ لنفقد الثقة في صنع المستقبل الذي يليق بنا, ولنكون مجرد أحجار على رقعة شطرنج يتلاعبون بها كيفما شاءوا. وهم يريدون ويريدون.. ولكن لماذا نساعدهم فيما يريدون؟ لماذا نترك الأجيال الجديدة بلا ذاكرة حقيقية؟ لماذا نبكي هزائمنا وننسى انتصاراتنا؟ لماذا نترك أعداءنا يخترعون لأنفسهم تاريخا ويفرضونه على العالم, بينما يتصور البعض منا ان الهزيمة هي قدرنا وان انتصارنا مجرد خطأ أو وهم لا ينبغي للأجيال الجديدة ان تسير على خطاه؟ لماذا لا نعترف بأن ما يحدث الآن هو جريمة ينبغي ان تتوقف؟ ولماذا لا نعيد الاحتفال بأيامنا العربية العظيمة, ونستعيد معها القدرة على ان نحلم, ونحقق الحلم, ونقاتل ونحقق الانتصار؟ اننا نعيش أياما صعبة, والبعض يتصور ان غاية المنى ان نبطئ ـ ولو قليلا ـ سباق الهرولة إلى عناق الأعداء.. فلماذا لا يكون الرد أننا كنا ذات يوم قريب قادرين على ان نتحدى ونربح في النهاية, وأننا نستطيع ـ إذا استعدنا الذاكرة والارادة ـ ان نكرر ما حدث. من أجل هذا يستحق الحفاظ على الذاكرة القومية ان يكون معركة نخوضها .. ليس من أجل التغني بالماضي, ولكن من أجل ان نكون أكثر قدرة على المواجهة, وأكثر ثقة في أنفسنا ونحن نخوض معارك المستقبل.. وما أكثرها وما أصعبها. والتحية كل التحية لكل من ساهم في ملحمة بناء السد, الذي شاء القدر ان يكون ـ فوق كل ما قدمه ـ أحد أبواب العبور في اكتوبر, حين استعصى سد بارليف ووقف حائلا أمام عبور الأبطال, فإذا بأحدهم يستحضر خبرة العمل في السد, ويتم استخدام المعدات التي أذابت جبال الرمال في أسوان عند بناء السد في تحطيم خط بارليف والتمهيد للعبور العظيم, وليكون العناق الرائع بين أعظم مشروعات القرن الهندسية, وبين النصر في أكتوبر المجيد. وما أكثر الدروس التي ينبغي ان نتذكرها, وما أكثر المعارك التي يجب ان نفخر بها, وما أحوجنا الآن إلى اعادة الاعتبار إلى ذاكرة الوطن.