حسنا فعل رئيس مجلس الامة السيد جاسم الخرافي بدعوة اعضاء مجلس الامة لاجتماع تشاوري وتنسيقي قبل اسبوع من انعقاد ما بقي من زمن من الفصل التشريعي الثالث لمجلس الامة الحالي, ولا اعرف ــ مثلي مثل كل مراقب ــ اذا كان كل ما قيل قد نشر في صحيفة المجلس او الصحف الاخرى او ان ما نشر هو بعض ما قيل في ذلك الاجتماع. ولكني اكتب تعليقي هذا وامامي ما نشر من اقوال وتصريحات وفي حدودها, وتستوقفني محطات خمس اعرضها على السادة الذين يلتئم اجتماعهم اليوم تحت قبة البرلمان بعد اجازة ألتقطت فيها الانفاس, ويفترض انه جرى فيها ايضا التفكير الجدي فيما يجب ان ينجز. المحطة الاولى ان هذا الاجتماع التشاوري الذي وصف بانه الاول في حياة البرلمان الحالي ما كان له ان يتم لولا شعور من دعا اليه ومن حضره, وربما من تغيب عنه بعذر بالاهمية القصوى للتشاور في هذه المرحلة للوصول الى آلية ونظام عمل لتفعيل دور المجلس لوضع حلول لما يواجه الوطن والمواطنين من قضايا ملحة, والمسكوت عنه بين سطور الدعوة للاجتماع ان ما تم حتى الآن تنقصه آلية العمل, او ان الانجاز اقل من المتوقع, وهو ليس شعورا عاما بين المواطنين فحسب, بل شعور وتحسس من اكثرية الاعضاء البرلمانيين, وهو امر يعود اليه الجمهور واعضاء من مجالس سابقة في اكثر من مرحلة من مراحل عملنا الديمقراطي والشوري. شاغب ذهني ان ارى في هذا الاجتماع التشاوري طرح دراسة, ولو مبسطة وسريعة, عن تجارب الاخفاق والانجاز في دورات سابقة (كما طالب العضو سالم الحماد في اول اللقاء التشاوري) دون حساسية ودون تحيز, ليطلع السادة المجتمعون على بعض المشترك والجوهري من اسباب بطء الانجاز واختلاف الاولويات وضياع القضايا الكبرى بين اصابع القضايا الصغرى. ولعلي هنا استدرك بالقول ان الانكفاء على المصلحي والفئوي والقبلي هو بسبب غياب التعاون البناء حتى بين مجموعة صغيرة من الاعضاء لتقديم العام والجوهري والملح للوطن والمواطنين, عدم وجود حد ادنى من التعاون الفعال له سبب. ففي قولنا ان تغييب التعددية في الاراء والحوار الحر في اي مجتمع يحل مكانه القمع والقهر, فان القول النقيض صحيح ايضا, فعندما تتشتت الاراء وتحمل على محمل الشخصانية والمصالح الضيقة يحل مبدأ التزاحم بدلا من التضامن, فالمجتمع مثل الطبيعة لا يحب الفراغ, وعندما لا يتحقق التعاون ويسعى اليه, فان سماكة الثقافي المتداول والمعتاد تتغلب على المرجو والمرغوب. ولقد اصاب العضو محمد الصقر في تشخيصه عندما قال في ذلك الاجتماع التشاوري يوم الثلاثاء الماضي (نحن لا يمكن ان نتفق على اولويات لاننا خمسون عضوا وكل عضو له اولوياته الخاصة). هذا الكلام ليس صحيحا فقط ولكنه صحي ايضا وصريح ومعبر عن تشخيص حقيقي, وقد قيل ربما ليحث الآخرين على انشاء تكتل يواري (الاولويات الشخصية) ويتجاوز الضغوط ذات المصالح المحدودة ليقدم الاولويات العامة على رأس الاجندة في الندوة البرلمانية الممثلة ـ كما يفترض ـ للمصالح العامة, وهو احدى القضايا المهمة والاساسية لتطوير العمل البرلماني في الكويت, فالكثير من التعثر الذي اصاب التجربة في مسيرتها التي تناهز نصف القرن هو غياب الموقف الجماعي تجاه قضية وبروز المواقف الشخصي, عنوان هذا الموضوع هو الخروج من الموقف الشخصية الى المواقف العامة. المحطة الثانية وقوف بعض المتحدثين على ناصية (اللائحة الداخلية) ونقدها من اجل تعديلها او/ وتفعيلها, وقد كان هناك حديث طويل في السباق على اهمية النظر في تعديل هذه اللائحة من جملة التجارب التي مرت, وهي لائحة لا تحتاج الى كثير من الجهد لتعديلها, فهي ليست نصا دستوريا ولا قانونا يخص العامة من الناس, بل هي لائحة تنظم العمل في المجلس وهو منوط بتعديلها لمصلحة سير العمل, تحدث في ذلك الاعضاء محمد البصيري وعبدالله الرومي وسامي منيس وطلال العيار ومحمد الصقر ومشاري العنجري ومبارك الخرينج وعدنان عبدالصمد وسعد طامي, تعليق هؤلاء الاعضاء جميعا بشكل مباشر او غير مباشر, سواء كان على اللائحة الداخلية او طريقة تفعيلها او تنظيم الحديث في المجلس, ينم عن هاجس عام بضرورة اعادة النظر في بعض جزئياته من جانب, والتقيد بها من جانب آخر. المحطة الثالثة هي في الحديث السياسي, فقد تعوذ أئمة بارزون من (السياسة) وفي حضارتنا الاسلامية تعوذ المصالح الكبير محمد عبده من السياسة, ولم يكن الوحيد في هذا فقد دعا الغزالي وابن تيمية والجبرتي وآخرون الى قطيعة مع السياسة لخوفهم ان يخلط العوام بين التنزيل والتأويل, هذا الخلط الذي يفهمه البعض او يريد ان يفهمه على غير موضعه, وهو الذي حذر منه العضو احمد الريعي بوعيه السياسي وشجاعته الادبية عندما قال في اللقاء الشوري محذرا من (التجريح الشخصي لاشخاص الوزراء وللمسئولين في الدولة وطالب بالبحث عن آلية تساعد على ايصال طلبات المواطنين دون احراج لعضو واضطراره للتوسل الى الوزير في شأنها). الربعي يطالب بحق ان تصل الحقوق الى اهلها دون اراقة ماء الوجه, وان يحافط على الكرامات من جانب آخر للجميع دون استثناء, لأنه ليس بالضرورة ان (صاحب الصوت الاعلى هو الذي يكون على حق) كما اشار العضو حسين القلاف, ولو من منظور آخر. المحطة الرابعة هي ما عرضه رئيس المجلس الذي قال في خطاب الافتتاح لدور الانعقاد التشريعي الحالي (التاسع) (لم يعد لدينا من الوقت ما يسمح ببطء الانجاز, ولا من وفرة الموارد ما يغطي سوء التخطيط). وبمثل هذا القول في الذهن قدم الرئيس مجموعة المشاريع بقوانين عالقة في جدول الاعمال وهي عديدة منها الاقتصادي ومنها الثقافي والعلمي, وكلها مهمة, فهل نرى انجازا لها فيما تبقى من زمن. ان من مظاهر العمل في الندوة البرلمانية الكويتية عدم انجاز مشاريع القوانين ودراستها دراسة مستفيضة في اللجان المختصة (اشار الى ذلك العضو فيصل الشايع) وتحتاج اللجان الى تعزيز اعمالها بالمختصين من جهة وباقناع بقية الاعضاء بضرورة واهمية ونضج هذه القوانين من جهة اخرى, فطبخ المشاريع بقوانين على نار سريعة وعدم استكمال دراستها من كل الجوانب مثلبة, كما هي مثلبة ان تقدم دون تحضير لبقية الاعضاء وتثقيف (بالمعنى الواسع لا الضيق) حول تفاصيلها. لذلك نجد انه من المعاد القول ان الكثير من مشاريع القوانين تعاد من جديد الى اللجان, لأن البعض لسبب غامض قد اعترض عليها. ولكن ليس هذا بيت القصيد, لأن التحدي امامنا جميعا هو كيف يمكن تشغيل الاقتصاد في المجتمع, ولا اعني بهذا البيع والشراء والتجارة فقط, فذلك ابسط الامور, ولكن التحدي الاكبر هو خلق اقتصاد يخلق بدوره فرص عمل حقيقية لمئات من ابنائنا سيظلون على قارعة الطريق في السنوات القليلة المقبلة. المحطة الخامسة ان اجتماع الندوة البرلمانية اليوم هو الاجتماع الذي يشرع فيه لبداية الالفية الثالثة من جهة, كما يتزامن مع مرور عشر سنوات على التحرير من جهة اخرى, وخصوبة جرح الاحتلال مازالت عالقة في الاذهان والصعوبات الاقتصادية شاخصة والمهمة كبيرة. ولابد من التوصية بألا يتحول ما يحاربه المجتمع من عصبيات كبرى الى عصبية صغرى, وهي التعصب للندوة البرلمانية بصرف النظر عن انجازها او اخفاقها. فالمهمة صعبة يزيد من صعوبتها عدم وجود قواعد بعد كل هذه التجربة والزمن, من شأنها ان تقود الى تأسيس مبادئ متفق عليها للخلاف والتحاور والتسامح, ومن ثم العيش المشترك, واعضاء السدة البرلمانية كنخبة ــ بالمعنى السوسيولوجي ــ مطالبون بوضع هذه القواعد, فهل يفعلون؟ ارى ان الاجتماع التشاوري هو اللبنة الاولى, ولكن البناء لا يتوقف هناك, ما ندعو اليه هو (ائتلاف وظيفي وسياسي) يتخطى المصالح الضيقة, ويتجاوز خطوط المصالح في الدائرة الانتخابية الفردية والمحاصصة.