عندما نرى اعضاء الكونجرس الامريكي يتدافعون بالمناكب في تسابقهم الى إظهار التأييد والدعم للطلب الاسرائيلي بأن تتولى الولايات المتحدة سداد (فاتورة سلام) لصالح الخزينة الاسرائيلية بمبلغ 65 مليار دولار كحد ادنى فاننا لا نملك إلا ان نتساءل: ما هي الثمار الاقتصادية التي جنتها الاطراف العربية التي ارتضت السلام مع الدولة اليهودية؟ قبل ان يطرح هذا التساؤل ظل المسئولون الامريكيون يرددون من حين لآخر ان مصر صارت بعد كامب ديفيد قصة نجاح اقتصادي مبهرة. وفي هذا السياق تبرز ادلة محددة: قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار والعملات الحرة الاخرى ثبتت مما ضاعف من قوته الشرائية.. بالتالي انخفضت معدلات التضخم الى مستوى عادي... معدل النمو تحول من السالب الى نسبة 5 في المائة في المتوسط, وهي نسبة تعتبر جيدة. هذه فعلا حقائق ملموسة ليس بوسع احد التشكيك في صحتها.. لكن اثرها تبطله جزئيا او كليا حقائق مضادة, والحقيقة المضادة العظمى هي تفكيك القطاع العام عن طريق بيع مؤسساته وشركاته الصناعية والخدمية الى القطاع الخاص. كان هذا هو الشرط الرئيسي الذي اشترطه (صندوق النقد الدولي) ــ الذراع المالية الخارجية للسياسات الامريكية العالمية ــ لاعطاء الضوء الاخضر لتدفق استثمارات اجنبية. ولكن على الصعيد التطبيقي كانت النتائج كالاتي: * انتقلت ملكية المؤسسات المفتاحية الاستراتيجية الى اصحاب رؤوس أموال اجنبية.. هم في الغالب شركات امريكية. * لن تستفد الدولة من عائد بيع المؤسسات بالنقد الاجنبي لان العائد يذهب الى سداد اقساط وفوائد الديون الخارجية. * فقدت الدولة جزءا كبيرا من سيطرتها على حركة الاقتصاد الوطني. والشيء بالشيء يذكر.. فالاعفاء من عبء المديونية الخارجية الذي يقال ان مصر حصلت عليه محصور فقط في الديون العسكرية الامريكية... ولا علاقة له بالديون التجارية التي تبلغ قيمتها اربعة اضعاف الديون العسكرية, وبعد ست سنوات من معاهدة السلام الاردنية مع اسرائيل فان الاردن لا يزال يعاني من وطأة المديونية الخارجية.. ومعظمها لصالح بنوك ومؤسسات مالية امريكية. فالاقتصاد الاردني المحدود مستنزف حتى العظم من مواصلة (خدمة الديون) بأقساط وفوائد سنوية تلتهم الجزء الاعظم من دخل الصادرات.. فلا يتبقى شيء يذكر لمقابلة تكاليف استيراد الضروريات. وعندما ناشد الملك عبد الله بن الحسين الولايات المتحدة فور صعوده الى العرش شطب هذه الديون او تخفيفها بنسبة كبيرة فانه لم يظفر الا بالغاء الديون الحكومية الامريكية التي لا تتجاوز قيمتها بضعة مئات من ملايين الدولارات مقابل ديون تجارية تناهز سبعة مليارات دولار. اما السلطة الوطنية الفلسطينية فان ما وعدت به من مساعدات مالية من الولايات المتحدة و(الدول المانحة) الاخرى بعد اوسلو مباشرة كان كفيلا بتحويل الارض الفلسطينية الى سنغافورة اخرى لو لم تبق الوعود حبرا على ورق. والواقع ان الوضع الاقتصادي في الارض المحتلة اسوأ مما كان عليه قبل اوسلو. والمساعدات الوحيدة (وهي محدودة) التي تحصل عليها السلطة الفلسطينية من الولايات المتحدة ومصادر غربية اخرى بصورة منتظمة مخصصة لتمويل ميزانية اجهزة الامن الفلسطينية حتى تتمكن من مواصلة قمع تذمر جماهيري, احد اسبابه الشظف المعيشي والغلاء.. وبطالة بين الشباب تصل الى نسبة 50 في المائة. هذه هي خلاصة (ثمار السلام) . ومع ذلك ليست هذه نهاية القصة. فقد كان المأمول نظريا ان حلول السلام سوف تعني خفض الانفاق العسكري لكل من مصر والاردن لصالح زيادة الانفاق التنموي. لكن العكس تماما هو ما جرى فعلا. فليس بوسع هاتين الدولتين ان تخفضا جاهزيتهما العسكرية وهما تريان اسرائيل ماضية في تحديث آلتها العسكرية وتصعيد تسليحها.