على قاعدة (رب ضارة نافعة) يبدو أن السودان حقق فوائد مهمة من أجواء الصراع بين الرئيس عمر البشير والدكتور حسن الترابي الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الحاكم, فهل تنجح أجواء الوفاق بين التيارين في توليد اندفاع كاف باتجاه (المصالحة الوطنية) السودانية بكل قواها السياسية ومتابعة بناء أفضل لعلاقات السودان مع محيطه الجغرافي والسياسي ؟ فقد حبس كثير من السودانيين انفاسهم خلال الاسابيع الماضية خوفا من انفجار العاصفة التي ضربت الخرطوم والنظام الحاكم نتيجة للخلاف بين البشير والترابي, حيث انحازت الدولة والجيش الى صف رئيس الجمهورية بينما بدا أن قطاعات مهمة من الحزب وميليشياته المسلحة وقفت الى جانب الدكتور الترابي. لكن الجانبين, ورغم ما يملكه كل منهما من قوة ضاربة, اثبتا قدرة حتى الآن على ضبط الصراع والتحكم فيه وصولا الى حل يجنب الحزب ونفسيهما محصلة كارثة مروعة يمكن ان تهدد مصير السودان نفسه المشتبك بجملة من الأزمات. وبدا أن الأزمة اثمرت ايجابيات مهمة, أبرزها تلك الجولة والجهود التي قام بها البشير ساعياً الى علاقات أفضل مع دول الجوار والمحيط العربي, بالاضافة بالطبع الى النزوع العقلاني الذي ساد بين الطرفين وحال دون انقضاض أي منهما على الآخر, وتغليب لغة الحوار والاحتكام الى المؤسسات في تجاوز الأزمة. ان هذه الثمرات نفسها مطلوبة من البشير والترابي والحزب الحاكم في التعامل مع احزاب المعارضة السودانية, كما ان المعارضة نفسها أىضا مطالبة بضوابط مماثلة خاصة وأن تحسن علاقات السودان مع محيطه يخلق مناخاً ملائماً لتحييد الصراعات الكيدية بين الدول, كما يجعل المعارضة تدرك انها لا تستطيع الاستناد طويلا الى قواعد خارجية تهمها مصالحها الخاصة أكثر بكثير مما يهمها احتضان حلفاء سودانيين يمكن استخدامهم في مواجهات آنية!! ان جهداً عربياً جيداً تجسده المبادرة المصرية ـ الليبية (المدعومة بجهود عربية أخرى مخلصة) قد قطع شوطاً مهما على درب المصالحة الوطنية في السودان, والمأمول ان تشكل خبرات المآسي الطويلة, وامكانيات الحوار المجربة والممكنة فرصة للجميع يمكن استغلالها الآن لانقاذ السودان من المخاطر المحيطة به ولبناء هذا البلد العربي الكبير بجهود جميع أبنائه.