يحظى الشباب في معظم بلدان العالم باهتمام كبير من قبل الدولة او المنظمات والجمعيات والاتحادات, ذلك لان الشباب يتمتعون بحيوية قادرة على الخلق والابداع, ولذلك ليس عبثا ان تؤسس الاتحادات الخاصة بهم والتي تساعدهم على تطوير مواهبهم وانضاجها, بما يؤهلم ويجعلهم اكثر قدرة على ادارة المؤسسات بروح شبابية تحمل بين ثناياها التجديد فينعكس ذلك ايجابيا على الانتاجية كما ونوعا, ولا اعني الانتاجية بمفهومها التقليدي بل تتعداه الى مجالات عديدة في الرياضة والفن والادب والعلم والتكنولوجيا والانشطة الاجتماعية والانسانية بما في ذلك السياسية. ان منح الشباب الثقة الكافية والتفاعل مع افكارهم ومناقشتها يفضي الى خلق جيل متمكن مستعد للمساهمة الفاعلة في البناء ومواكبة التطور, كما ان الاهتمام بالشباب يعني تأمين مستقبل اكثر اشراقا, وامام هذه الحقيقة التي تتبناها معظم الدول لابد من الانتباه لشبابنا وغرس الثقة في نفوسهم ليواصلوا رحلة الاجداد والآباء في مسيرة البناء والتنمية.. وان غرس الثقة كما يبدو منها مفردة سهلة اللفظ لكنها تحتاج الى ركائز قوية لكي تنتقل من مرحلة القول الى مرحلة الفعل ومن الخيال الى الواقع, ومع كل هذا فان تعزيز الشباب بعوامل القوة والبناء السليم امر ضروري يضاف الى الثقة الممنوحة لهم. ثقة الاجداد لو ابحرنا في ماضي الاجداد والآباء لوجدنا ان اي احد منهم لم يكن يغفل دور الشباب من ابنائهم بما في ذلك الصغار, وقد كانوا يمنحون الصغار والشباب ادوارا في الحياة كل حسب طاقاته الجسمانية والعقلية, وقد ساعدوا الشباب على بناء نفسه وتمكينه من الوقوف بوحه الصعاب التي كانت تواجهه في الحياة العامة والحياة البحرية خاصة التي كانت تمثل اهم مصادر الرزق. ان هذه الثقة التي كان يحظى بها الشباب في تلك الظروف تركت لنا تاريخا مطرزا بحكايات التضحية والكفاح من اجل ان تستمر الحياة ومن اجل تأمين المستقبل للاجيال القادمة, وهكذا كان شبابنا يخوضون معارك عاتية لمجابهة الحياة القاسية وقتذاك لكي تستمر المسيرة ويواصل جيل الغد العطاء. وبالرغم من ان الثقة التي كان يمنحها الاجداد والآباء لابنائهم ثقة فرضتها الظروف الا انها جاءت بنتائج ايجابية, كما ان الاجداد والآباء كانوا يعلمون ان المسيرة لكي تستمر لابد من جيل يحمل لواءها, وان الجيل غير المسلح بثقة النفس والخبرة لا يستطيع الابحار الى شواطىء الامان وليس بامكانه انجاز فعل يستحق الذكر, كما ان اجدادنا عندما منحوا ابناءهم الثقة واشركوهم في معترك الحياة انما ارادوا ان يتركوا جيلا قادرا على حفظ الامانة وصيانة المجد وتعزيزه. تعطيل الطاقات لقد كسبنا من هذه الثقة جيلا تحمل المسئولية ونجح في اداء مهماته وواجباته واحسن التصرف واختار الاتجاه الصحيح للتقدم, وامام هذا الذي ذهبنا به الى الماضي لابد من النظر الى الحاضر واستشراف المستقبل. ان نظرة دقيقة للبناء الذي شهدته دولة الامارات العربية المتحدة وتطورها السريع, وتحدد لنا مدى قدرة المواطن الاماراتي على تحقيق الانجازات الكبيرة, وان هذا البناء الشامخ الذي تشهد له الارض والسماء لم يأت من فراغ بل اتى من عقلية حكيمة وروح نابضة بالحياة وحب التجديد لما هو افضل. وكل هذا لم يتحقق لو لا البناء الصحيح للانسان, وهذا ما يؤكد عليه ويسعى لتحقيقه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة اذ اولى سموه الانسان الرعاية الاولى لانه يدرك ان البناء لا يشمخ الا ببناء الانسان. ولو تابعنا القيادات الاماراتية الشابة لادركنا ايضا ان ما يلعبه الشاب من ادوار كلها تصب في خدمة الوطن والمواطن, لان الشباب الذي يشارك في القيادة يكتسب خبرة كبيرة تساعد على تأمين مستقبل زاهر لاجيال الغد, وهكذا تتواصل المسيرة ويكتسب الشباب خبرة من سبقوهم فضلا عن خبرة العمل من خلال السماح لهم بتفجير ما يختزنونه من طاقات وابداعات. ومع كل ما تقدم نجد هناك معوقات تعترض مسيرة الشباب الاماراتي وتحاول تعطيل ادوارهم وابعادهم عن مواقعهم المنشودة وتهميش عطاءاتهم, ومن هذه المعوقات التقليل من اهمية انجازاتهم والوقوف بوجه ابداعاتهم, ونزع الثقة عن نفوسهم ودفعهم الى التشاؤم من المستقبل وعدم تشجيعهم على الاعمال الانتاجية الخلاقة. ان هذه المعوقات التي يضعها (الطابور الخامس) واعداء النجاح لم تكن بصورة غير مباشرة مما تزيد من فاعليتها وتأثيرها. ان الطابور الخامس الذي يعمل دائما من اجل الهدم لا البناء يدرك هو الآخر ان الشباب قادرون على اعادة البناء, وان قدراتهم العقلية وحماستهم وجذوة حبهم للعطاء اقدر على تصويب الاخطاء وتصليح الاعطال والرقي بالبناء. وبما ان هذا لا ينسجم مع اهدافهم فلابد من طريق يمنع كل هذا, وان اسهل عملية تسقط كل البناء والتطور وتمنع التقدم في آن واحد هي اسقاط الشباب وابعادهم عن اداء ادوارهم المطلوبة, فكما يقدم الشاب عملا جميلا يجد من يقلل من قيمته, واذا ما ابتكر جديدا يجد من يهمشه قبل ان يرى النور, فيحاول قتل الابداع في داخله ووأد الامل واطفاء الضوء الذي يشعله, بعدة طرق حتى يصل به الى طريق اليأس. التحدي الفاعل وامام هذه الحقيقة لابد من ايجاد عوامل موحدة تفسد على الطابور الخامس افعاله الخبيثة, ويجب ان نواجه هذا الطابور المجهول مجتمعين لا متفرقين وان نعمل جاهدين لاعادة الثقة الى نفوس شبابنا وتوفير كل السبل التي تساعدهم على مواجهة اعداء النجاح. ان اول عوامل المواجهة يكمن بتوفير الفرص الحقيقية للشباب لتقديم تصوراتهم وافكارهم ومنحهم الثقة لتعزيز الانشطة الحياتية. يضاف الى هذا ان تتوقف وسائل الاعلام عن (تسطيح عقلية الشباب) , والسعي بدلا من ذلك الى رفدهم بكل شيء نافع ومفيد, فغالبا ما تقدم القنوات الفضائية والمطبوعات اليومية والاسبوعية برامج سطحية وتركز عليها لتفريغ عقلية الشباب وابعادهم عن قضاياهم الجوهرية في محاولة للقضاء على رؤاهم وتعطيل مخيلتهم في جميع المجالات.. ان هذا الدور الذي تلعبه وسائل الاعلام وان كان غير مقصود في بعض الاحيان الا ان آثاره خطيرة على الشباب, وهو يندرج ضمن اعمال (الطابور الخامس) بالنتائج وان لم يكن بالنيات... ان هذا التسطيح الذي اشرنا له يحتاج الى مواجهة مدروسة تبدأ بتسليح الشباب بذخائر قادرة على افشال اهداف التسطيح, وهذا التسليح يبدأ من البيت مرورا بالمدرسة والجامعة فضلا عن المجتمع.. كما ان هناك نقطة مهمة يجب عدم اغفالها وهي قلة المراكز الشبابية في البلاد وعدم الاهتمام به بصورة جادة, اذ ان مراكزنا ليس بامكانها استيعاب اكثر من (120) شابا كما تشير تصريحات المصادر المختصة. ان توسيع المراكز و ضم العناصر الكفؤ لتحصين الشباب وتطوير مواهبهم, يساهم مساهمة فعالة في البناء الذي ننشده والتطور الذي نسعى له.. ان تعطيل طاقات شبابنا الخلاقة مشكلة لابد من متابعتها والوقوف عند تفاصيلها, كما ان الادوار التي يؤديها الطابور الخامس لابد من تشتيتها بالعمل الجاد المخلص لان مثل تلك الادوار تنتهي كلما ازداد الشباب تحديا وواصلوا خطواتهم بثقة عالية, ومما يساعدنا على تحقيق النجاح في هذا الطريق وجود صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة الذي قدم الدعم الكبير وشجع الحركة الشبابية ومدها بأسباب القوة والمتعة وكذلك اخوانه اصحاب السمو حكام الامارات. ان شبابنا فاعلون ومنتجون وقادرون على مواجهة كل الصعاب لو اتيحت لهم الفرص الحقيقية للعمل والعطاء, وإن من يحاول التشكيك بقدراتهم ما هو الا حاسد لا يرضى الا بزوال النعمة التي نحن فيها.. * كاتب من الامارات