نتواصل مع القارىء العزيز بتناولنا لواقع الاقتصاد الوطني للدولة بتحليلنا لمكوناته وتشخيص واقعه من خلال معطيات السنوات الماضية, سعيا لاستشراف مستقبل هذا الاقتصاد في ضوء المتغيرات الاقتصادية العالمية, وبعد ان تناولنا القطاع الحقيقي للاقتصاد الوطني من خلال الناتج المحلي الاجمالي ومكوناته , فاننا نتناول في هذا المقال القطاع المالي من خلال المالية العامة لدولة الامارات العربية. ويقصد بالمالية العامة في الامارات العربية المتحدة الايرادات والنفقات العامة المجمعة للحكومات المالية, اضافة لايرادات ونفقات الحكومة الاتحادية. ويتكون الهيكل المالي للدولة من ميزانيات الحكومات المالية الخاصة بكل امارة, بالاضافة الى الحساب الموحد والذي يتضمن الموازنة العامة للحكومة الاتحادية وحكومات كل من ابوظبي, دبي, الشارقة ورأس الخيمة. السياسة المالية تلعب السياسة المالية دورا بارزا في الاقتصاد الوطني للامارات العربية, وذلك من خلال دورها في التأثير على مستوى النشاط الاقتصادي ومن خلال توجيه الموارد نحو قطاعات اقتصادية معينة, كما تبرز اهميتها بسبب سمات اقتصاد الامارات المتمثلة في محدودية مصادر الدخل, بل واعتماده على مصدر واحد للدخل وهو النفط, اضافة الى عدم فاعلية القطاع الخاص وافتقاره الى المعرفة التقنية والخبرة الصناعية وعدم توفر المهارات الفنية. وكنتيجة طبيعية لوضع كهذا فان الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية كانت مطالبة بالقيام بدور رئيسي وفعال في عمليات التنمية خلال السنوات الثمانية والعشرين الماضية, وبذلك فان النشاطات الاقتصادية تعتمد اعتمادا كليا وبصورة مباشرة على الانفاق الحكومي الذي يعتبر المحرك الاساسي لجميع النشاطات الاقتصادية خلال تلك الفترة, وبهذا فاننا نلاحظ ان العوائد النفطية الحكومية هي المصدر الرئيسي للحكومة, وبالتالي فان القطاع الحكومي (الاتحادي والمحلي) يتحمل عبء التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي. ومن هنا تأتي أهمية السياسة المالية, سواء على المستوى الاتحادي ام على مستوى الامارة, وجاء القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 1973 والخاص بميزانية الدولة الاتحادية ليحدد الاسس العامة التي تحكم مساهمة الامارات الاعضاء في تمويل الميزانية العامة, وتقضي بتخصيص كل امارة وكحد ادنى لمبلغ يعادل 50% من المصادر السنوية للاسهام في ايرادات الميزانية العامة. الايرادات العامة تعتمد الامارات العربية على العوائد النفطية كمصدر رئيسي في الايرادات العامة, الامر الذي جعل هذه الايرادات تتأثر تبعا لتأثير العوائد النفطية واسعار النفط, وذلك خلال السنوات الماضية ومن خلال قراءاتنا للتطورات التي استجدت في جانب الايرادات فإن فترة السبعينيات قد تميزت بالطفرة بسبب ارتفاع اسعار النفط وازياد الطلب العالمي, واستمرت هذه الفترة حتى منتصف الثمانينيات وتحديدا في عام 1985 حيث شهد هذا العام انهاير اسعار النفط ليصل سعر البرميل الواحد الى 8 دولارات خلال عام 1986 كحد ادنى لاسعاره, بسبب سياسة تقلص الطلب على النفط الخام في السوق العالمية نتيجة لسياسة الاغراق من قبل الدول المنتجة والمصدرة له ونتيجة لذلك انخفضت الايرادات العامة بنسبة 64%. اما فترة النصف الاول من التسعينيات فقد سجلت الايرادات العامة تباينا اذ شهد عام 1990 ـ 1991 تحسنا في اسعار النفط بسبب ارتفاع الطلب العالمي عليه, ولاسيما في ضوء التغييرات السياسية, والاقتصادية التي حدثت في اوروبا الشرقية وكذلك للتطورات المستجدة في الساحة الخليجية والتي تمثلت في ازمة الخليج الثانية عام 1990. وقد بلغت الايرادات العامة في عام 1990 بنحو 41.2 مليار درهم منها 35.6 مليار درهم ايرادات بترولية تمثل ما نسبته 86.3% من اجمالي الايرادات امام الايرادات الذاتية للدوائر المحلية والمؤسسات الاتحادية, فقد بلغت في نفس العام 5.9 مليارات درهم اي ما نسبته 14.7% من اجمالي الايرادات العامة. اما السنوات الثلاث التالية 1992 ـ 1993 ـ 1994 فقد سجلت الايرادات العامة تراجعا لتصل في نهاية 1994 الى نحو 38.7 مليار درهم منها 29.9 مليار درهم ايرادات بترولية مشكلة ما نسبته 77.3% من اجمالي الايرادات. ويعزي هذا التراجع الى الانخفاض الذي سجلته الايرادات البترولية بسبب تدني اسعار النفط والمنتجات النفطية, كما انخفضت الايرادات غير النفطية التي بلغت نسبتها في عام 1993 نحو 13.4%. وفي عام 1995 بدأت الايرادات العامة في التحسن الملحوظ اذ نمت بنحو 5 مليارات درهم لتصل الى 43.7 مليار درهم بزيادة بلغت نسبتها 13.9% عن عام 1994. ويعزي هذا التحسن الى ارتفاع الايرادات النفطية وزيادة الايرادات الذاتية على حد سواء. فقد سجلت الايرادات البترولية ارتفاعا بنحو 3.3 مليارات درهم لتصل إلى 33.2 مليار درهم في نهاية العام, وذلك بسبب التحسن في أسعار النفط وكذلك الزيادة في الايرادات غير النفطية كالرسوم وزيادة التعرفة الجمركية على بعض السلع وخاصة ضريبة التبغ التي بلغت 50 في المئة. أما خلال عامي 1997 /1998 فقد سجلت الايرادات العامة انخفاضا بلغت نسبته في عام 1998 نحو 24 في المائة, ولتصل إلى 42.7 مليار درهم مقارنة بـ 56.2 مليار درهم في 1997, ويعزي ذلك لنفس السبب في الانخفاض خلال السنوات الماضية وهو انخفاض الايرادات النفطية بسبب أزمة الاسعار العالمية في سوق النفط الخام, حيث سجل سعر النفط خلال عام 1997, انخفاضا كبيرا انعكس وبشكل مباشر على حجم الايرادات العامة, وبشكل غير مباشر, تراجعت الايرادات غير النفطية (الايرادات الضريبية المتمثلة في الرسوم الجمركية والرسوم الأخرى) بنسبة 4.8 في المائة, ثم الايرادات غير الضريبية بنسبة 27.3 في المائة. النفقات العامة تتأثر النفقات العامة في الدولة وبشكل غير مباشر بالايرادات النفطية التي تحدد بدورها حجم الايرادات العامة, ولكن بنسبة تذبذب محدودة مقارنة بالتذبذب الذي يحدث في الايرادات العامة, وذلك بسبب حرص الدولة على مستوى الخدمات المختلفة التي تقدمها للمواطنين والمقيمين على السواء. وبسبب التطورات غير الطبيعية التي استجدت في منطقة الخليج في عام 1990 والمتمثلة في الغزو العراقي لدولة الكويت, والجهود التي بذلت في تحرير الكويت, فقد قفزت النفقات العامة قفزة كبيرة حيث سجل حجم الانفاق العام 53.5 مليار درهم في عام 1990 مقابل 38 مليار درهم في عام 1989, أي بزيادة بلغت 15.5 مليار درهم وبنسبة 40 في المائة, ثم استمر معدل الانفاق في التصاعد ليصل اجماليه إلى 60.7 مليار درهم في 1991 وبنسبة 13.6 في المائة, ويعزى ذلك إلى ارتفاع نسبة المساهمات والمدفوعات الرأسمالية والتي تتمثل في المساعدات التي قدمتها الامارات للدول العربية والأجنبية التي تضررت من الغزو العراقي أو التي ساهمت في تحرير الكويت. وباستثناء عام 1992 الذي سجلت فيه النفقات العامة انخفاضا بلغت نسبته 14.1 في المائة ليصل حجم الانفاق العام إلى 52.1 مليار درهم, نجد ان السنوات التالية (1993, 1994, 1995) عادت النفقات العامة إلى الارتفاع مرة اخرى لتبلغ 54.3 مليار درهم, 54.8 مليار درهم, 61.9 مليار درهم على التوالي. بالرغم من سياسة التقشف التي اتبعتها الدولة. وتتوزع النفقات العامة بين النفقات الجارية وهي تلك التي تخصص كرواتب واجور لموظفي الحكومة, والايجارات والاثاث والمصاريف الادارية الاخرى, وقد بلغت نحو 34.5 مليار درهم في 1990 وبنسبة 90.5 في المئة من اجمالي النفقات في عام 1995, ثم الى 50.5 مليار درهم ونبسبة 90.5 في المئة في عام 1998. اما النوع الثاني من النفقات وهو النفقات الانمائية والتي تخصصها الحكومة سواء الاتحادية او الحكومات المحلية لتنفيذ المشاريع والتعمير للخدمات العامة فقد سجل هذا النوع نسبة 8.6 في المئة خلال السنتين (1990 ــ 1991) وبقيمة بلغ متوسطها 4.9 مليارات درهم اما في الاعوام التالية فقد سجلت هذه النفقات ارتفاعا مضطردا بلغ في نهاية عام 1995 الى نحو 11.9 مليار درهم مقارنة بنحو 17.6 مليار درهم في عام 1994 وبنسبة 19.3 في المئة مقارنة بـ 21.3 في المئة في عام 1994. خلال عامي 1997 ــ 1998 فقد سجلت النفقات النهائية ارتفاعا بنسبة 28.2 في المئة في ام 1998 وبقيمة 13.9 مليار درهم مقارنة بنحو 10.8 مليار درهم في عام 1997. اما النفقات الرأسمالية وهي تلك النفقات التي تساهم بموجبها الدولة في تسديد حصصها للمنظمات الدولية ورؤوس اموال المشاريع المشتركة مع الدول الاخرى حسب اتفاقيات ثنائية, وكذلك الاعانات والمساعدات التي تقدمها الدولة سنويا للدول العربية الشقيقة والدول الصديقة فانها قد شهدت تطورات متباينة وبشكل كبير ففيما سجلت ارتفاعا كبيرا خلال العامين (1990 ــ 1991) حيث بلغت 14.2 مليار درهم وما بنسبة 26.6 في المئة من اجمالي النفقات العامة مقارنة بنحو 1.4 مليار درهم ونسبة 3.7 في المئة نجد انها واصلت الارتفاع خلال السنة التالية لاسيما في عام 1991 حيث بلغت نسبتها 46.1 في المئة وحجم نحو 20.8 مليار درهم من اجمالي النفقات ويؤدي هذا الارتفاع الشديد بشكل اساسي الى مساهمة الدولة في تكاليف تحرير الكويت, فيما سجلت تراجعا كبيرا خلال السنوات التالية (1993 ــ 1994 ــ 1995) لتصل اهميتها النسبية الى 7,2 في المئة, ثم الى 5,5 في المئة ثم 0.9 في المئة على التوالي, ويعزى ذلك الى الاستقرار الذي عاد الى المنطقة بعد تحرير الكويت اما خلال عامي 1997/ 1998 فقد زادت النفقات الرأسمالية لتصل في عام 1998 الى 2.7 مليارات درهم وبنسبة زيادة 6.30 في المئة عن عام 1997 حيث بلغت 5.5 مليارات درهم. تشخيص الواقع ومن خلال قراءتنا للتطورات التي شهدتها المالية العامة في ضوء السياسة المالية التي انتهجتها الدولة خلال سنوات المقارنة, نشخص واقع المالية العامة وفقاً لما يلي: 1 ــ يتضح بأن حال القطاع المالي لا يختلف عن القطاع الحقيقي حيث هيمنة النفط او القطاع النفطي على القطاع المالي, اذ تشكل مساهمة الايرادات النفطية النصيب الاكبر في المالية العامة للدولة سواء في الميزانية الاتحادية او ميزانيات الحكومات المحلية للامارات النفطية في ظل محدودية الايرادات غير النفطية, الامر الذي يعرض المالية العامة للتذبذب او الهزات المالية بسبب عدم الاستقرار الذي تتعرض له اسعار النفط والازمات الاقتصادية التي تحدث في الاسواق العالمية وآخرها الازمة الآسيوية. 2 ــ ما زالت النشاطات الاقتصادية تعتمد اعتماداً كلياً وبصورة مباشرة على الانفاق الحكومي الذي يعتبر المحرك الرئيسي لجميع النشاطات الاقتصادية, وهذا يعني ان القطاع الحكومي (الاتحادي والمحلي) يتحمل عبء التنمية او النمو الاقتصادي او الاجتماعي فيما القطاع الخاص لا يساهم بدوره كاملاً. 3 ــ ان الاقتصاد الوطني الذي يعتمد على النفط او الايرادات النفطية, يتعرض وسوف يتعرض لأي ازمة مستقبلية تحدث في اسعار النفط, الامر الذي يجعلنا نؤكد بأن النمو الاقتصادي في الدولة مرهون بالتطورات التي تحدث في اسعار النفط وانعكاساتها على الايرادات الحكومية. 4 ــ ان غياب استراتيجية التنمية الاقتصادية على مستوى الدولة وغياب التخطيط المالي يجعل القطاع الخاص يستمر في الاعتماد على القطاع الحكومي والعام حيث لا يساهم القطاع الخاص في عملية التنمية لعدم وجود استراتيجية للتنمية وبالتالي فإن القطاع الخاص الذي بات من الضروري ان يساهم في قيادة وتمويل مشاريع التنمية اصبح مستمراً في التطفل والاستفادة من الوضع الاقتصادي الذي يفتقر الى السياسات التنموية او التخطيط. 5 ــ ان الفائض الذي سجلته ميزانية الدولة خلال فترة السبعينيات والذي سجل اقصاه في عام 1980 ليصل الى 7.14 مليار درهم مقابل 2.7 مليارات درهم في منتصف السبعينيات والذي عكس قوة المركز المالي لدولة الامارات حتى نهاية عقد الثمانينات تحول الى عجز بدأ ظهوره في الميزانية الحكومية لاول مرة في عام 1982 بسبب التطورات التي حدثت في الاسواق العالمية للنفط الخام لتنعكس مباشرة على القطاع المالي للدولة. تستأثر النفقات الجارية بالاهمية الكبرى من حيث حجم الانفاق العام اذ وصلت في نهاية عام 1998 الى 70.5 في المئة فيما بلغت النفقات الانمائية 28.2 في المئة في نفس الفترة وهذا يعني ان معظم الايرادات تتوجه الى نفقات جارية في هيئة رواتب واجور ونفقات استهلاكية اخرى, على حساب التوجه نحو التنمية وتمويل المشاريع الاستثمارية في الدولة, الامر الذي ينعكس على الوضع الاقتصادي العام لاسيما خلال المرحلة المقبلة التي تتطلب المزيد من الاصلاح والتنمية. * كاتب وباحث من الامارات