يطرح النجاح الجماهيري غير المسبوق الذي تحقق للمسلسل التلفزيوني عن كوكب الشرق أم كلثوم العديد من القضايا الثقافية التي تفرض على الباحثين والكتاب والنقاد النقاش حولها وسبر أغوارها, قبل أن يخبو الزخم المعرفي الذي أثاره هذا العمل الفني المتميز في أوساط المجتمع المصري وغيره من المجتمعات العربية . ولعل من أولويات هذه القضايا تداركه لنقص معيب في ذاكرتنا الوطنية والقومية, إذ بينما تعج المكتبة العربية بالمؤلفات التي تسجل لتاريخ الأمة السياسي والاقتصادي والاجتماعي, إلا أنها غفلت عن رصد وتحليل مفردات تاريخها الوجداني الذي يعنى بألوان الطرب والفكاهة والشعر والمؤانسة, من زاوية مخاطبتها للقلوب والأفئدة, ونجومها ورموزها وآلياتها وأساليبها المتابينة في إثارة الشجن والجور, كونها موصولة بالمعنويات والمشاعر الحسية, والترمومتر المبين لمدى الرضاء أو السخط الشعبي, وحماسه وإحباطاته, ونجاحاته أو اخفاقاته. وذلك على وجه اليقين واحد من أسرار نجاح مسلسل أم كلثوم, حين أحاط بالحالة الوجدانية في زمانها الجميل, عندما تعانقت الكلمات التي أبدعها عباقرة الشعر مع الأ نغام الموشاة التي صاغها ألمع الملحنين على أوتار صوتها الآسر وأدائها الصادق المقتدر, وإلا لما صادف هذا القبول والاشتياق والعشق الجماهيري الملهوف , ولما كان الإذعان لنداء العاطفة "بأمر الحب" والفرح كلما " هللت ليالي القمر" , والنشوة لرق الحبيب, و"والله زمان يا سلاحي" لردع العدوان والزود عن الحياض. والشاهد أن هذا العمل العظيم لم يأت بجديد لا نعرفه في سيرة حياة أم كلثوم, فقد نالت حظها الوافر من الكتابة والتأريخ, لكن عظمته تكمن في التوظيف النابه للمعلومات وخاصة خصوصيات الشخصية, عبر استدعاء ذاكرة الأمة وإنعاشها, والعناية بمتابعة أحوالها الوجدانية في تزامن جدلي أخذا وعطاء, ومدا وجزرا, وتأثيرا وتأثرا بتقلبات أوضاع الأمة على كل صعيد, ومدى تمسكها أو تفريطها في ثوابتها الوطنية والقومية, وموروثاتها من القيم والمبادئ الأصيلة التي عاشت بها وحفظتها من الضياع والأندثار, فكانت أم كلثو م همزة الوصل بين ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول وثورة يوليو بزعامة جمال عبد الناصر, وبين العهد الملكي والعهد الجمهوري, وبين مصر والعرب, وبين الريف والحضر, وبين جوقة الانشاد الديني والتخت الشرقي, وبين رجل الاقتصاد طلعت حرب وعنايته بإنشاء بنك مصر ودوره الثقافي في ترقية فنون المسرح والسينما, حتى معالم عصر أم كلثوم من السياسيين والأدباء والمفكرين والصحفيين والمطربين والملحنين والآلاتية والظرفاء وجمهور المستمعين, وأدق تفاصيل عمرانه وقضاياه ومشكلاته كانت حاضرة في ثنايا أحداث المسلسل, لكأنه لوحة مبهرة من الموزاييك! ومن هنا كان الدور الريادي الذي جسده في إزالة الغياب المعرفي لدى الأجيال الجديدة بما فاتها من عصر أم كلثوم, ومعايشته كحاضر درامي مضطرم بالحيوية والإثارة, لا كماض عفا عليه الزمان بعد أن نخر فيه السوس وكساه الصدأ وخيوط العنكبوت, على نحو النشاز المعرفي الباهت الذي يطالعه التلاميذ في البرامج المدرسية, وذلك الطنين الإعلامي الذي تبثه غالب الأعمال الإذاعية والتلفزيونية لمجرد قتل الوقت, ولما كان الإقبال العارم على اقتناء الاجيال الجديدة لتسجيلات أم كلثوم الغنائية, وأول الغيث قطرة إيذانا بالشفاء من صداع الأغاني الشبابية الهابطة وأمراض التلوث السمعي وفيروس التغريب, وإعادة الاعتبار للغة العربية والموسيقى والغناء الشرقي, والاحتذاء بقدوة أم كلثوم في انتمائها الوطني والقومي, وطيف خرجت من بطون الريف طفلة, ثم شقت بالصبر والمثابرة والإرادة الفولاذية طريقها المستقيم الصاعد إلى قمة المجد, فيما جمعت بشدوها قلوب وأفئدة العرب طوعا من المحيط إلى الخليج, عندئذ استحقت عن جدارة لقب "كوكب الشرق". ولم يكن للتوفيق والقبول أن يحالف مسلسل أم كلثوم, لولا توافرت وتضافرت له عناصر التكامل الفني والرؤية الثقافية والإرادة السياسية التي رجحت فائدته المعرفية وحشدت له الامكانات البشرية والإبداعية والمادية الضخمة, وإعفائه من سيف الرقابة المسلط على الأعمال التليفزيونية بوجه خاص, وبعدها يأتي النجاح في اختيار كاتب السيناريو محفوظ عبد الرحمن الذي ملك أدوات الدراما وحرفيتها كما لو أنها غريزة فطرية, ورهافة الحس لدى المخرجة المقتدرة أنعام محمد علي, وهكذا عبر هذا الثنائي المتناغم, كان طريقهما سالكا ومألوفا للمزاوجة بين التاريخ والفن, وإعادة النبض والحياة لأحداث ووقائع و أعلام ومعالم عصر أم كلثوم, معايشته كحاضر درامي يضطرم بالحيوية والإثارة, لا كماض مندثر نخر فيه السوس وعلاه التراب وخيوط العنكبوت. وأشهد أنني رأيت السيدة أم كلثوم عن قرب في بساطتها وعلى راحتها ولم أزل طفلا في العاشرة من العمر, حين كان يحلو لها مداعبة أطفال المصيفين كلما تحلقوا بعشتها في مصيف رأس البر, أو كانت تستقبل مراكب الصيد على الرصيف البحري لعزبة البرج, وتحضهم على التمادي في ممارسة عاداتهم بالقاء بعض صيدهم الوافر من سمك السردين على الغلابة والمساكين, ودائما كان في ضيافتها نجوم السياسة والأدب والفن من أمثال حفني محمود باشا ومحمد التابعي وكامل الشناوي وأحمد رامي ومحمد القصبجي, فلما قدر لي العمل بالصحافة دعتني لمصاحبتها إلى السودان في إطار جولاتها الغنائية الطوعية لإزالة أثار عدوان يونيو ,1967 وكم كان ذكائها حاضرا وهي تستحوذ على أسماع ومشاعر الشعب السوداني الذي تحشد بالآلاف داخل وخارج مسرح أم درمان, ويومها كتبت في مجلة روزاليوسف مقالا بعنوان "أم كلثوم تسودن أغانيها", حين مزجت ولأول مرة وآخرها بين السلم الموسيقي الخماسي الذي يعشقه أهل السودان وبين السلم الموسيقي السداسي الشرقي, واستطاعت منذ ذلك التاريخ أن تفرض تسجيلاتها في بيوتهم, وأن تحقق ما عجزت الدبلوماسية المصرية عن انجازه على صعيد عقد أواصر التواصل الوجداني بين الشعبين. وأكثر ما شد انتباهي في مسلسل أم كلثوم, ذلك الدفء الاجتماعي الذي عاد للأسرة العربية, وحرصها الشديد على موعد إذاعة حلقاته, وذلك الحوار الممتع الذي شغل به العرب حول أحداثه, وتراوح المشاعر بين الفرح والحماس والبكاء, ولعلنا اذن نمسك بتلابيب النجاح والتوفيق الذي تحقق لهذا العمل الفذ, حين اختزل أطنان الخطب والكتب والمقالات التي تدعو الأمة للنهوض من كبواتها وزرع الأمل في غد أفضل دون سميع أو مجيب, الأمر الذي يفرض تكامل صيغته الثقافية والوجدانية والفنية في شحن المعنويات وحفز الهمم ومعالجة أوجاعها ومشاكلها, وحضها على البذل والصمود في مواجهة التحديات, وتذوقها لمعاني الجمال والحب والعدل والحرية, وأن يعوضنا الله فيه وأمثاله من بعده خيرا يزيح عن عقولنا وسمعنا وأرواحنا كارثة احتفال الأهرامات بالألفية الثالثة التي كبدت الخزانة المصرية ملايين الدولارات, دون أن تخلف وراءها سوى آثار حفلات "الديسكو" الصاخبة, التي تقاضى من أجلها الفنان الفرنسي ميشيل جار عشرة ملايين دولار عدا ونقدا حسب اعترافه على الإنترنت, بينما ظلت كاميرا التلفزيون لا تبرحه طوال الاحتفال لكأن مصر هبة مسيو جار, في الوقت الذي حقق مسلسل أم كلثوم أضعاف ميزانيته أرباحا مادية وفائدة معرفية ومتعة وجدانية باقية لا تقدر بثمن.