كان من المفترض ان يؤدي السلام الى تحويل موارد الشرق الأوسط بعيدا عن التسلح وباتجاه المزيد من الجهد الابداعي الانساني. ومن المؤشرات الجلية الى ان العملية الراهنة لا تكلل بالتوفيق قائمة المطالب الاسرائيلية بأسلحة جديدة, وهي القائمة التي قدمتها اسرائيل للولايات المتحدة الشهر الماضي . لقد آن الأوان لتفكير ابداعي جديد للمساعدة في اقرار سلام شامل وعادل في الشرق الأوسط. بعد تسع سنوات من قيام الرئيس الامريكي آنذاك جورج بوش باطلاق عملية السلام الراهنة بخطاب قوي وجهه الى الكونجرس الامريكي, فان المناخ العام في المنطقة يساند السلام, ولكنه لا يزال من غير الواضح كيف يمكن تحقيق السلام أو ما هو الاطار العام الذي سيبدو عليه. بعد مؤتمر مدريد طورت عملية السلام خصائص معينة تحددت بها منذ ذلك الحين, فقد كانت هناك مسارات تفاوضية منفصلة, وكان من المقرر ان يتم تشغيل أو العمل على هذه المسارات بشكل مستقل أحدها عن الاخر بينما قصد باجتماعات اخرى متعددة الاطراف ان تعالج القضايا الاقليمية المتداخلة بين أكثر من طرف. وقد علقت الآمال على امكانية تحقيق تقدم في الاجتماعات متعددة الاطراف بما يكفل الثقة التي ستكون بمثابة وقود للمسارات التفاوضية المنفردة. وعندما انتهت الضجة الكبرى التي ثارت حول المسار الأردني ـ الفلسطيني المشترك وانطلق الفلسطينيون والاسرائيليون للتفاوض حول اتفاقهم, اصبح الاردنيون احرارا في المضي قدما في اتفاقهم الخاص بدورهم. وفي حقيقة الأمر ان اتفاق اوسلو قد صمم على نحو بارع بحيث يمثل انجازا قائما بذاته وهو ما حدث بالفعل. وكان الاعتراف بالفلسطينيين باعتبارهم جماعة قومية جديرة بحقوق قومية انجازا تاريخيا. غير ان باقي عملية اوسلو على نحو ما أوضح التاريخ كان أكثر اعتمادا على قدرة اسرائيل وحسن نيتها من أن تسمح بالمضي قدما بالتنفيذ الكامل لها. واليوم تجد عملية السلام في الشرق الاوسط نفسها في لحظة تثير الارتباك, فهناك ثلاثة مسارات لا يزال يتعين اجمالها, يبدو اثنان منها هما المسار السوري والفلسطيني وكأنهما يتنافسان لاستقطاب الاهتمام بهما. اما المسار الثالث وهو المسار اللبناني فهو معلق مؤقتا. وفي غضون ذلك, فان الجلسات متعددة الاطراف التي كان من المفترض ان توحي بالثقة فقد تم التدني بها الى مستوى الاحداث الرمزية العرضية المجردة من اي محتوى جاد. وعلى الرغم من الانطلاقات والتراجعات التي اتسمت بهما الحركة على المسارين الفلسطيني والسوري, فان هذين المسارين يواجهان مشكلات خطيرة. وفي الوقت الراهن يبدو جليا للعيان ان منهاج الخطوة خطوة لا يكلل بالتوفيق وقد اصبح منهاجا يعطي نتائج عكسية. والمظهر الموحي بأن مسارا يجري التلاعب به في مواجهة مسار آخر ليس شيئا موحيا بالثقة, بل هو يشير الى غياب الثقة بالفعل. كذلك يلحق الضرر بالثقة بالقدر نفسه الخوف من ان لبنان يتم استغلاله أو انه سيدفع الثمن النهائي لحسم هذا المسار. والامر الاكثر اثارة للضيق يتمثل في الحقيقة القائلة ان اجراءات بناء الثقة التي تم اتخاذها حتى الآن قد تمت الاطاحة بها. وينظر اليها الآن باعتبارها شيئا مسلما به ولم تؤد الا الى فتح الشهية للمزيد منها. ولا تزال هناك رغبة في اقرار السلام ولكن ما تم فقدانه في كل التحرك الذي تم على مدار السنوات التسع الماضية هو رؤية السلام والثقة في أنه باقرار السلام الشامل ستتغير المنطقة تغيرا كبيرا. وينبغي ان يكون واضحا الآن انه ليس من الممكن حل هذا اللغز بمنهاج الخطوة خطوة. وفي حقيقة الأمر, فان هذه المسارات المنفصلة يربطها معاً عدد من العناصر القوية التي لا سبيل الى تجاهلها. ومايسمى بقضايا الوضع النهائي لها في العديد من الجوانب مكونات اقليمية قوية. وعلى سبيل المثال فان قضايا اللاجئين والماء لا يمكن عزلها عن القضايا الاخرى او قصرها على اسرائيل وفلسطين وحدهما. وكذلك فان حسم مسألة القدس ينبغي ان ترضي مشاعر اقليمية قوية. وعلى نحو ما رأينا في الأيام الاخيرة, فهناك عنصر يربط المسارات العديدة وهو قدرة اسرائيل على تملك ناصية الارادة السياسية والدعم الشعبي لكي تتمكن من التحرك على أكثر من مسار واحد في الوقت نفسه. وبالاضافة الى ذلك فان الاعتماد من جانب كل مسار على الدعم المالي الامريكي ودعم الدول المانحة للاتفاقات التي يمكن التوصل الىها بمنهاج الخطوة خطوة, يمكن ان يصبح شيئا ثقيل العبء وان يستنفذ حسن النية الذي تمس اليه الحاجة للابقاء على مستويات الدعم المطلوبة لتحقيق حلول منفصلة ومتنافسة اقل شأنا.. واخيرا فإن الجهد الذي استمر تسع سنوات طويلة والخاص بالمسارات الجزئية المتسارعة قد انتزع الكثير من عملية السلام, وبصفة خاصة من الطاقة الابداعية التي يمكن اطلاقها من خلال السلام الشامل الذي يضع نهاية لعقود بأسرها من الصراع. وفي الوقت الحالي, فإن سجل المنهاج الراهن وتوقعاته تبدو ضبابية وقد اسفر الاختلال في القوة الذي ترك بصمته على المسار الفلسطيني الاسرائيلي عن منهاج جزئي مشوه للوصول الى السلام, ولان هذه العملية لم تحدد بشكل واضح وتركت رهينة للسياسات الاسرائيلية الداخلية, فقد تعرضت للاختراق من جانب العنف الذي مارسته بعض العناصر الفلسطينية والمطالبات واعمال العنف التي مارسها المتطرفون الاسرائيليون. والبقع الموجودة على الخريطة والتي تحدد الواقع الفلسطيني الراهن تمثل اجهاضا للتوقعات الفلسطينية فقد توقع الفلسطينيون استعادة معظم ارضهم وان يتم التخلص من بعض المجمعات الاسرائيلية المعزولة القائمة حاليا, وبدلا من ذلك فان التجمعات الفلسطينية تم عزلها واحاطت بها مستوطنات اسرائيلية وطرق ومناطق امنية اسرائيلية كذلك ولتهدئة المطالب الايديولوجية التي لايمكن ترويضها والتي يطرحها الجناح اليميني الاسرائيلي, وشعوره بالاستحقاق فقد تضاعف نمو المستوطنات وشق الطرق في الضفة الغربية منذ مدريد. والمسارات الشمالية ليست اسعد حظا, فقد واصل لبنان دفع ثمن مرير مع تعرضه لعمليات قصف متوالية, ومع التطورات السياسية الناجمة من وضعه القابل للاختراق على نحو لا يصدق. وسوريا بدورها معرضة للاحباط, فمع قيام المستوطنين الاسرائيليين بالمطالبة بالاحتفاظ بالجولان او بالحصول على تعويض هائل عن استخدامهم كمخالب في عملية ضم غير قانونية, فان السوريين يطلب منهم الموافقة على سلام مثقل بالشروط من دون ان يحصلوا على اي تعويض للاجئيهم الذين يبلغ عددهم مئات الالوف من البشر. وعلى الرغم من هذه الصورة القاتمة, فان السلام يظل يتصدر جدول الاعمال الاقليمي ولكن تحقيقه يتطلب تفكيرا جديدا وبداية سأستعير مقتطفا من اقوال وزير الخارجية الامريكية الاسبق هنري كيسنجر. فقد اشار في حديثه في اسرائيل في نوفمبر 1997 الى ان: المتطلب الاساسي للسلام هو معرفة الى اين تريد ان تمضي فاذا لم تكن تعرف المقصد الذي تمضي اليه فلن تستطيع الوصول الى هناك وستغدو كل خطوة وكل تنازل شيئا اكثر صعوبة. والمشكلة في العملية الراهنة هي انها ذات نهاية مفتوحة وطبيعتها الجزئية وافتقارها الى الرؤية المتعلقة بالانطلاق الى الامام, ومنهاج الخطوة خطوة يمكن ان يكلل بالتوفيق بشرط ان تكون نهاية العملية المؤقتة محددة بوضوح, واستخدام اجراءات بناء الثقة يمكن ان يكلل بالتوفيق كذلك ولكن ذلك لايحدث الا اذا ارتبطت هذه الاجراءات باهداف محددة وخطوات معينة والمطلوب اليوم هو ما كان مطلوبا منذ تسع سنوات, اي رؤية لسلام شامل محدد بوضوح ولمجموعة متفق عليها من الخطوات التي ستمضي بكل الاطراف المعنية الى ذلك الهدف وما كان غائبا منذ تسع سنوات مضت هو القبول الاقليمي للشرط المسبق للسلام, فالاسرائيليون وقتذاك على استعداد للجلوس مع المفاوضين الفلسطينيين وبالتالي تعين ان يكون هؤلاء جزءا من الفريق الاردني, والعرب بدورهم لم يكونوا على استعداد للرد على ما وصفه وزير الخارجية فاروق الشرع بحق بأنه السؤال الوجودي المتعلق بقبول اسرائيل في المنطقة ومن المقبول الى حد كبير على جانبي الخطوط انه ستكون هناك دولة فلسطينية ودولة اسرائيلية وان اسرائيل سوف تنسحب من الجولان ومن لبنان, والجدل اليوم ليس وجودياً وانما هو حول المبدأ والاجراء, ما الذي ستكون عليه بالضبط حدود كل الدول, كيف تصل الى ترسيم هذه الحدود, وبالمثل فإن الشرق الاوسط لم يستطع قبل تسع سنوات تصور نفسه باعتباره منطقة, كما انه لم يستطع رؤية الفوائد التي ستنجم عن التعاون الاقليمي, اما اليوم, فإن مزايا مثل هذا التطور واضحة وما يتبقى هو الحاجة الى تحديدها لضمان توزيع متكافىء للمنافع التي ستنجم عن مثل هذه السوق الناشئة, وفي اعتقادي ان الجانب العربي يتعين عليه ان يحدد الخطوات التي يتعين اتخاذها لتصحيح مسار عملية السلام الراهنة. وقد دعا العديد من القادة والمحللين السياسيين العرب الى هذا بالفعل, وقد آن اوان الاصغاء لهم, وينبغي عقد قمة عربية لاقتراح منهاج جديد متكامل ويستشرف آفاق المستقبل وصولاً الى السلام. ومثل هذا الجهد سيؤدي الى انقاذ المسارات الثلاثة الباقية وامداد كل مسار بالدعم الذي يحتاجه. واذا كانت رؤية هذا الجهد شاملة, فإنها ستكتسب الدعم العربي بايضاح ان السلام سيكون شاملاً وعادلاً معاً, كما أنه اذا كانت الرؤية واضحة ومباشرة, سيقدم للاسرائيليين الثقة في أن السلام الشامل امر ممكن التحقيق, وسيكون آمناً ومفيداً للطرفين, ولن يكون كما يجادل البعض في اسرائيل مصدراً لافتقاد الامن وغياب الاستقرار وبينما يسعى العرب للتحرك نحو ما يتجاوز الصراع وباتجاه السلام العادل, فإنهم لا بد لهم من ان يطرحوا رؤية للمستقبل تعيد التأكيد على كلمات الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش الذي ذكر الاسرائيليين في غمار اطلاقه لعملية السلام الراهنة قبل تسع سنوات بأنه (في العصر الحديث لا يمكن للجغرافية ان تضمن الأمن, وان الأمن لا يتأتى من القوة العسكرية وحدها) . لقد حدث الكثير بالفعل خلال السنوات التسع الماضية بحيث لا يسمح للعملية المشوهة الحالية بالاستمرار في مسيرتها العرجاء وبايقاعها الباعث على الشعور بالاحباط, والجوانب الباقية اكثر تداخلاً من ان تترك لمساراتها المنفصلة والجائزة النهائية اكبر بكثير من كل الاجزاء الصغيرة مجتمعة. المطلوب الآن تفكير جديد, منهاج شامل للوصول الى سلام شامل. رئيس المعهد العربي الأمريكي