تواتر الحديث في الفترة الأخيرة, مع معلومات نشرت على أوراق القليل من الصحف العربية تتحدث عن الوضع الفلسطيني وبشكل خاص المعارضة الفلسطينية دون التدقيق بطيف المعارضة الواسع بعد انطلاق قاطرة التسوية السورية ـ الاسرائيلية معتبرة إياها ساعية للهجرة المبكرة من مواقعها الحالية خاصة من سوريا , ويلحظ عند تفحص هذه المعلومات المنشورة طابعها الكيدي تجاه قوى الشعب الفلسطيني المعارضة لاتفاقيات الاجحاف, وسلفا أجزم بأنها تسريبات محسوبة وهدفها الاساءة إلى قوى فلسطينية مناضلة في صفوف الشعب الفلسطيني. فالمعارضة الفلسطينية الحية والفاعلة, ان كانت بصفوف حركة فتح أو الجبهة الديمقراطية وباقي القوى التي تملك حضورا داخل وخارج فلسطين, ستواصل وجودها كما كانت دوما في كل مواقع اللجوء والشتات الفلسطيني فضلا عن الأراضي الفلسطينية المحتلة, ولن يثنيها عن ذلك أية اتفاقيات أو مفاوضات تقع بين الدولة العبرية وأي من الأطراف العربية, ان كل من سوريا ولبنان والأردن تحتضن فوق أراضيها مئات الآلاف من اللاجئين أبناء الشعب الفلسطيني, وهذا الوجود يشكل الأساس لتواجد القوى الفاعلة وسط الشعب الفلسطيني. ان الهجرة من الشتات الفلسطيني وتغريبة الديار التونسية بمعنى مغادرته وتركه تحت رحمة المجهول التي بدأت مبكرة قام بها من وقّع اتفاقيات أوسلو الذين تركوا مواقع الشتات الفلسطيني, وامتطوا حصان التسوية الهزيلة, تاركين خلفهم أكثر من أربعة ملايين لاجئ فلسطيني حملوا على أكتافهم مسيرة الثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية. من هنا ان وجود الأمين العام للجبهة الديمقراطية أو أي من قيادييها في دمشق وغيرها من العواصم العربية لا علاقة له على الاطلاق بدور الجبهة ووجودها وبرنامجها وعملها في اطار مخيمات وتجمعات الشعب الفلسطيني في بلدان الشتات, ففي لبنان و سوريا مثلا يتشكل الجسم القاعدي من آلاف الكوادر المنتشرة في المخيمات والتجمعات الفلسطينية دون أي حضور دائم للأمين العام أو حتى أكثر من عضو في المكتب السياسي, وذلك منذ العام 1982, وكذلك الأمر ينطق على باقي مواقع الشتات التي يقيم على أرضها اللاجئون الفلسطينيون. وكما كررت أكثر من مرة ان القوى الفلسطينية الحية ليست مكتبا متنقلا هنا أو هناك وان الجبهة الديمقراطية مثلا تحتفظ بتواجد كادري متقدم في كل مكان وأكثر من نصف لجنتها المركزية وأغلبية مكتبها السياسي يقيمون على أرض فلسطين, ولا تصنع سياستها على أساس هذا الموقع الجغرافي أو ذاك,بل على أساس المصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني والمصلحة القومية الثابتة. ان التطورات التي وقعت بعد استئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية, وانطلاق قطار التسوية المتوقف فوق هضبة الجولان منذ فبراير 1996 أحدثت تحولات لا نستطيع تجاهلها, بالرغم من ان المفاوضات على المسار السوري ـ الاسرائيلي ما زالت تسير على طريق مليء بالمسالك الصعبة, وفباراك مقيد بائتلافه الحكومي وبحجم متزايد من الأصوات التي تطالب داخل الدولة العبرية وداخل الكنيست بالاحتفاظ بأجزاء ليست بالقليلة من مساحة هضبة الجولان, بكل الحالات يجب ان نتعاطى مع الأمور دوما من موقع النظرة الايجابية, ومن موقع المصلحة الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني وعموم العرب. لذا أدعو إلى دعم وإسناد الموقف التفاوضي السوري القائم على أساس المرجعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة بالانسحاب الاسرائيلي الكامل إلى ما وراء خطوط الرابع من يونيو لعام 1967, وتفكيك المستوطنات ورحيل آخر مستوطن من على أرض هضبة الجولان. ان التطورات الأخيرة التي وقعت مع استئناف المسار التفاوضي السوري ـ الاسرائيلي يمكن لها ان تشكل عاملا مهماً في دفع وتطوير العملية السياسية الجارية لجهة اعادة تصويب مرجعيتها في حال استمرار الاصرار السوري على مفاوضات تؤدي في نتائجها الأساسية إلى تنفيذ القرار 242 والانسحاب الاسرائيلي الكامل إلى خطوط 4 يونيو 1967, وعند ذاك نستطيع القول بأن الأمور أصبحت تعود إلى نصابها وإلى السكة الصحيحة حيث يتم فرض المرجعية الدولية كأساس للتسوية, وهذا الأمر يشكل بحد ذاته نموذجاً حقيقياً وسلاحاً بيد الشعب الفلسطيني وقواه الفاعلة المتمسكة بالشرعية الدولية وبيد العرب دولا وشعوبا لما يجب ان يتم على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي, بدلا من مفاوضات التنازلات الجارية تحت سقف المعادلة الاسرائيلية. وعند ذاك نستطيع القول بأن تكريس المرجعية الدولية وقراراتها ذات الصلة على جبهة المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية تشكل دعما وإسنادا وواقعا جديدا مختلفا يُؤهل بتصحيح العملية التفاوضية على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي واعادة بنائها على أساس المرجعية الدولية بدلا من الأسبقيات المرة التي تمت في كامب ديفيد, وادي عربة, حيث تم فيها الاقرار بشكل أو بآخر بأن اسرائيل هي الوريث لفلسطين الانتدابية وتم ترسيم الحدود بين كل من مصر والأردن, مع اسرائيل على هذا الأساس. ان هناك مخاطر قد تقع من جانب ان الدولة العبرية تسعى من خلال الوصول مع سوريا إلى معاهدة أو اتفاق سلام لفك الالتزام السوري والقومي والعربي بالقضية الفلسطينية باعتبارها لب النزاع في الشرق الأوسط وحصرها بين الدولة العبرية والسلطة الفلسطينية. من هنا أهمية اليقظة والحذر في مسار تفاوضي برهنت الوقائع الأخيرة التي تمخضت عنها نتائج الجولة الثانية من شبردزتاون بأنه مازال شائكا, لأن الدولة العبرية قد تجد فرصة جديدة للإمعان في تحطيم وتهشيم ما بقي من تجاور في العلاقات العربية ـ العربية وفي ترابط مسارات التفاوض. وبالعودة إلى الموضوع المطروح, أكرر بأن وجود قوى منظمة التحرير الفلسطينية في أي بلد عربي, خاصة في دول الطوق التي تضم فوق أراضيها مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين الذين ينتظرون العودة إلى الوطن, ان هذا الوجود سيتواصل بكل الحالات, فنحن قوة رئيسية في مسيرة وائتلاف منظمة التحرير الحاضنة الكيانية والوطنية لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. ويخطئ من يعتقد بأن الوجود الفلسطيني والوطني والسياسي والإعلامي والكادري مرتبط بموقع جغرافي بالمعنى السياسي, أو بوجود هذا القائد أو ذاك في أي بلد من البلدان, فطالما بقي شعب فلسطيني في الشتات طالما استمر وجود قوى منظمة التحرير الفلسطينية, الدليل على ذلك التاريخ الماضي القريب, وأطرح مثالا على ذلك عند الخروج المقاوم والمسلح الفلسطيني من فوق الأرض اللبنانية ومن بيروت في سبتمبر 1982 فهذا الخروج لم يلغ دور المقاومة ومنظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها الرئيسية, ولم ينف حضورها وسط الشعب الفلسطيني, ووسط العملية الوطنية التي واجهنا فيها نحن كفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية قوات الغزو الاسرائيلي, ودحرناها معا من الجبل والشوف والساحل وصيدا وصور, لتنكفئ حتى الخطوط المحتلة عام 1978 من جنوب لبنان (الشريط الحدودي المحتل). بالمحصلة النهائية أقول: ان العمل المقاوم بكل أشكاله الممكنة قضية غير قابلة للطي ما دامت القضية الفلسطينية حية, وان الاشكال والأنماط الصراعية مع الاحتلال الاستيطاني تتحدد تبعا للظروف والمعطيات والوقائع في كل لحظة.