هل الاسلام والمسلمون في هذا العصر طرف معتدٍ أم معتدى عليه؟لنعترف أولا بأن آلة الدعاية الامريكية العملاقة التي تخاطب العالم بأسره بكل اللغات وبشتى الحيل والأشكال الاعلامية تمكنت من انجاز عملية غسل دماغ بحجم عالمي اسفرت عن تثبيت صورة نمطية عن الاسلام والمسلمين عناصرها التطرف والتعصب وإدمان الارهاب والعدوانية تجاه البشر. ولنعترف أيضا أن الحملة المتصلة هي من العنفوان والالحاح الدعائي وذكاء العرض بحيث ان قطاعات من الشعوب الاسلامية نفسها استقطبت ضد التنظيمات الاسلامية الناشطة. ومع ذلك فان الحقيقة الكبرى المراد تغييبها عن الذهنية العالمية هي ان الاسلام والمسلمين في موقف الدفاع عن النفس في وجه اعتداءات متجددة بطول العالم وعرضه. أقول وألح في القول ان هذه حقيقة واقعة وليست استنتاجا او رؤية تنظيرية تجريدية. وانظر حول العالم من اندونيسيا شرقا الى الولايات المتحدة غربا لتتجمع لديك عناصر الحقيقة, الواحد تلو الآخر. المشهد الاقرب هو بالطبع الشرق الاوسط والمواجهة الاسرائيلية العربية. واذا كان من المسلم به في اي قانون الهي او وضعي بما في ذلك (القانون الدولي) ان تنظيما مثل (حزب الله) اللبناني يخوض حربا مشروعة تماما لانه يقاتل, لا عدوانا على احد, وانما لتحرير ارض الوطن من احتلال اجنبي فانه رغم ذلك مصنف رسميا لدى الادارة الامريكية كجماعة ارهابية. وبينما تدرج (حماس) و(الجهاد الاسلامي) الفلسطينيتان تحت التصنيف نفسه فإن الولايات المتحدة واسرائيل لا تكفان عن ممارسة الضغوط على حكومات عربية وغير عربية لتأليبها ضد هذه التنظيمات الثلاث ذات الطابع الاسلامي. وعلى مستوى موازٍ يمارس الشريكان الامريكي والاسرائيلي ضغوطا على حكومات العالم الاسلامي لمواصلة قمع اي تنظيم سياسي ذي أجندة إسلامية. العنف الذي تمارسه المنظمات الاسلامية في كشمير على سبيل التحرير مصنف ايضا امريكيا كارهاب. وبينما أيدت الولايات المتحدة حق تقرير المصير لشعب تيمور الشرقية كأقلية مسيحية فانها ترفض اعطاء هذا الحق نفسه لشعب كشمير كأقلية مسلمة. وما ينطبق على شعب كشمير ينسحب على شعب الشيشان المسلم. وللمفارقة فان الولايات المتحدة لم تؤيد تفكيك الاتحاد السوفييتي فحسب وما أسفر عنه من انسلاخ دول البلطيق المسيحية فصارت دولا مستقلة بل شاركت ايجابيا بكل ما لديها من موارد وأدوات في عملية التفكيك. رغم ذلك فإن واشنطن تعارض استقلال الشيشان عن روسيا الاتحادية مع أن الفوارق الثقافية بين شعب الشيشان المسلم والشعب الروسي المسيحي أكبر من الفوارق ما بين الروس وشعوب البلطيق. وتجاه الساحة السياسية التركية تتخذ واشنطن موقف الرضى الصامت حيال خطر حزب (الرفاه) الاسلامي والمحاولات اللاحقة الجارية حاليا نحو خطر خلفه حزب (الفضيلة) . اما داخل الولايات المتحدة نفسها فان أصوات منظمات وجمعيات المسلمين الامريكيين ارتفعت مؤخرا تشكو من ممارسات تمييزية موجهة تحديدا ضد المواطنين الامريكيين المسلمين عامة. وتشتمل هذه الممارسات اساسا على ملاحقات متصلة للمواطنين المسلمين من قبل اجهزة الشرطة والأمن حتى ان هناك تشريعات سنت حديثا لا تطبق الا ضد المسلمين من مواطنين وزوار. ومن ذلك مثلا (قانون الادلة السرية) الذي يلزم المحاكم بالاستجابة لطلب الشرطة بعدم اطلاق سراح شخص مشتبه به احتجز للتحقيق بشأن حادثة تتصل بالارهاب. ويكفي في هذه الحالة ان تدعى الشرطة ان لديها (أدلة سرية) دون ان تبرز هذه الأدلة. هل تتجه الأمور إذن في اتجاه صدام حضاري بمستوى عالمي بين الاسلام والمسلمين من ناحية والغرب المسيحي وروسيا الارثوذكسية من ناحية اخرى كما يرى الفيلسوف السياسي الامريكي المعاصر صامويل هننجتون؟ ربما.. ولكن في كل الاحوال لن يكون الاسلام والمسلمون الطرف الجاني المعتدي.