تعد النخبة الثقافية المصرية ,واحدة من اكثر النخب الثقافية العربية التي اتسمت بالحيوية في مساهماتها الفكرية ــ كما ونوعا ــ على مدار القرن العشرين. وخاضت الصفوة الفكرية المصرية بمدارسها ومناهجها المتباينة معارك فكرية عديدة انطلقت من حدود المأزق الخاص (مشاكل الواقع المصري) لتلامس وتلتحم بقضايا الازمة العامة (الشأن العربي والاسلامي), وبمقدار ما عكس ذلك الحيوية الفكرية التي يتمتع بها المثقف المصري فانه رسخ دوره الريادي في التصدي للقضايا الوطنية والاقليمية التي تؤرق مضاجع الامة العربية ــ الاسلامية مع نجاح حركة التحرر المصري في تحقيق نتائج ملموسة على صعيد الاستقلال السياسي في خمسينات هذا القرن. انغمست النخبة الثقافية في سلسلة طويلة من المعارك الفكرية المتداخلة ألا ان تحليل المزيج المركب من نتاج معارك الفكر المصري يتطلب منا تفكيكها الى عناصرها الاولية لنتلمس بشكل اعمق واكثر دقة ملامح المكونات الاساسية لتيارات النهضة المصرية وجوانب القصور والقوة بها, وتشكيلها من جديد ــ اذا تطلب الامر ذلك ــ تناسبا مع التطورات الاقليمية والدولية. ولاشك ان النظرة الاولية لما اسفر عنه الجدل الثقافي المصري خلال القرن الذي لملم اوراق رحيله تكشف ان عددا من قضايانا الفكرية نجح بجدارة في انتزاع قبول الاغلبية دون ان يصل الى الاجماع الوطني بطبيعة الحال. وحظيت قضايا اخرى باتفاق اولي على بعض جوانبها ولم تنل اتفاقا عاما لكافة اجزائها (تعليم المرأة ودورها في النشاط المجتمعي الخاص والعام) بينما الغالبية العظمى من قضايا المصريين الفكرية المطروحة للنقاش منذ البدايات الاولى لقرننا العشرين لم تحسم بعد, ولا يزال الجدل حولها مستعرا وبقوة تفوق اللحظات الاولى لتفجرها. لاشك ان الصراع الفكري لامة من الامم او شعب من الشعوب دليل حاسم على ما يتمتعان به من حيوية فكرية ورغبة حقيقية في الخلاص من عذابات الاحساس بعدم اتساق مساهماته الآنية في مسار التطور الانساني مع الدور المنوط بها تاريخيا ـ اقليميا او دوليا, إلا ان استمرار الجدل الفكري وعدم التوصل الى قواسم مشتركة متفق عليها لتطوير النقاش دون ان اعني التخلي عن التميز المنهجي للمدارس الفكرية المختلفة, يجعل من الخلاف الفكري خطرا داهما يدور في حلقة مفرغة من النقاش المتواصل مر عليه قرابة قرن ولم نصل فيه لحد ادنى من الاتفاق المجتمعي, ومن المرجح ان الحوار يتحول الى مؤشر على استنزاف الجهود والطاقات عندما يفقد طابعه التراكمي, لنبدأ كل مرة من نقطة البدء دون ان نتحرك بعيدا عنها قيد انملة, واذا ما تحركنا ذات اليمين او اليسار فإننا سرعان ما نعود الى نقطة الانطلاق مرة اخرى دون ان نعي كثيرا ما حققناه من تراكم فكري في معاركنا الثقافية وخبراتنا الحياتية السابقة, وخطورة هذا النهج لا تقف عند حدود تعميق الفشل في التوصل الى اتفاق بين التيارات الفكرية المختلفة في النخبة المصرية, بل الاكثر خطورة تنامي الشعور باليأس لدى الاجيال الشابة, وفقدانها الامل في مثقفيها وقدرتهم على صياغة ارضية مشتركة لنهضة الامة المصرية وانطلاقها ومن ثم ترسيخ الانتماء في احضان الفردية المهلكة وتثبيت الشعور بفشل الروح الجماعية في تحقيق نتائج تذكر. القضايا الرئيسية التي نادى بها دعاة النهضة المصرية, وشكل بعضها العمود الفقري لدعوى التحديث والعصرنة في الشطر الشمالي لوادي النيل, لا تزال ابعد ما تكون عن التحقق والانجاز في الأجل المنظور واذا كان الاباء الاوائل للنهضة المصرية قد القوا بمسئولية التخلف على عاتق الهيمنة التركية والاستعمار الاجنبي وسيطرتهما على مقدرات الحياة المصرية, فإنني على يقين بأنه اذا ما دبت الروح في اعلام النهضة المصرية الحديثة على مختلف مشاربهم (محمد علي باشا ـ رفاعة الطهاوي ـ الامام محمد عبده ـ قاسم امين ـ سلامة موسى ـ طه حسين ـ العقاد) ومئات غيرهم فإنهم سيحملوننا نحن الابناء مسئولية الاخفاق وانتكاس الحلم, وتراجع الطموح, والفشل المزري في نشر التعليم ومحو الامية, وسيطرة الغيبية على السلوك الفكري للمثقفين والعامة على حد سواء, واخفاق تجاربنا الديمقراطية عن تحقيق المراد.. قرابة قرنين من عمر الزمان ومطالبنا كما هي, بل الكارثة ان الاحلام تراجعت تحت وطأة الدعوة الى مزيد من الواقعية والرشادة السياسية ولم يعد غياب القدرة على تحقيق الحلم المشروع ـ وطنيا او اقليميا ـ يثير فينا المرارة والالم. طرحت اشكالية الاصالة والمعاصرة نفسها بقوة في معترك الصراع الفكري المصري منذ البدايات الاولى لارهاصات النهضة, إلا ان الهزائم المتعددة التي مني بها المثقفون المصريون افرادا او تيارات مكنت البرجماتيين وانصارهم في الساحة الاعلامية من تقييم الاشكالية التي ارقتنا لعقود على انها ترف ذهني يؤرق مجموعة من المثقفين الاكاديميين, ولا يجوز للاجيال الشابة ان تستهلك طاقتها في التصدي له وباسم الواقعية, وكم من احلام وئدت باسم الواقعية, يدعوننا ليل نهار الى التوقف عما يعدونه جدلا ثقافيا لا يسمن ولا يغني من جوع, والانتقال الى ما يحقق نتائج ملموسة, واحقاقا للحق فإن قطاعات متزايدة من الشباب تتبنى النهج البرجماتي يوما بعد آخر, شباب يريد انجازات مادية واقعية بدلا من اضاعة الوقت فيما يعدونه سفسطة فكرية, ومحاولات بائسة, لاستخلاص العبر والدروس من تاريخ يعظمونه لتحقيق نفع مادي ويستنكرون عليه قدرته في استشراف المستقبل, واذا كان الفشل في بلورة الانجازات الجزئية في مشروع قومي عام ذي بريق قد افقد العديد من الاجيال الشابة المصرية القدرة على رؤية بصيص من الامل في نهاية نفق مظلم يعتقد عديدون اننا ادمنا البقاء فيه لسنين, فإن منظري البرجماتية واقطابها يرفضون عن عمد القبول بأن اشكالية الاصالة والمعاصرة في الفكر المصري الحديث كانت وستظل لردح من الزمن القضية المحورية في صراع المصريين من اجل التحديث وتنمية قدرتهم الذاتية لتحقيق مكانة لائقة بين الامم. الاصالة والمعاصرة في الجدل الثقافي المصري اشكالية نظرية ترمي الى حسم الصراع حول المنابع الفكرية لارساء اسس الدولة المصرية الحديثة, بما يتضمنه ذلك من التطرق الى جدليات العلاقة بين الديمقراطية الاجتماعية والحريات السياسية, وتأطير اسس الانتماء الوطني والقومي والبحث في وضعية الاسلام كجزء فاعل من مكونات المشروعين الذاتي والاقليمي, واعادة صياغة نماذج براقة للعلاقة بين الصفوة والجماهير تسمح باستنهاض القوة وتعبئة القدرات البشرية وحشد الموارد والطاقات من اجل معركة التحرر والاستقلال. وبالطبع يعد ترسيخ العقلانية نمطا سلوكيا ثابتا ومتداولا على المستوى الخاص والعام محورا اساسيا في معركة بناء الدولة المصرية المعاصرة, واذا كان ذلك هو جوهر معضلة الاصالة والمعاصرة في ذهنية الصفوة المصرية تاريخيا وحديثا فإن مظهرها المباشر صراع مادي ملموس بين مجموعات متناقضة المصالح والاهداف والرؤى حول صياغة المستقبل واتجاهاته. وخلال قرن ونصف تقريبا تبلورت المجموعات المصرية المتصارعة حول سبل ادارة السلطة وتوزيع الثروة الوطنية ـ باعتبارها الآلية المباشرة لتنفيذ رؤى محددة في نهج صراع الاصالة والمعاصرة, تبلورت في تيارات فكرية عريضة افرزت تاريخيا منظريها الذين حملوا على عاتقهم مسئولية بلورة نموذج فكري متكامل يعضد من دعواهم ويرسخ افكارهم, وبصفة عامة يمكننا القول ان منظري الاصالة والمعاصرة في الفكر المصري الحديث تخندقوا في تيارين رئيسيين احدهما تقليدي النزعة والآخر علماني الهوى, وبين اتجاه قومي وآخر ليبرالي قطري تراوح العلمانيون. علمانيون وتقليديون تميز التيار العلماني المصري بشقيه الرئيسيين الليبرالي القطري اولا والقومي في مرحلة متأخرة نسبيا بأنهما كانا تعبيرا مباشرا عن النهوض السياسي والاقتصادي لطبقات وشرائح اجتماعية جديدة اكثر تبنيا لمفاهيم الحداثة الغربية منها للقيم الدارجة في الحياة الفكرية لدى المصريين, مطالبة مجلس الاعيان المصري في عهد الخديوي اسماعيل بالاشراف على الانفاق للمساهمة في تسديد الديون, وضع اللبنات الاولى لصياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم خارج قيم الموروث الثقافي ـ السياسي السائد ودفعها لتلمس المعالم الاولية لمفاهيم الديمقراطية الغربية المعاصرة. الصراع التاريخي بين الوفد بزعامة سعد زغلول وخليفته مصطفى النحاس ضد رغبة الملك فؤاد ومن بعده فاروق بالانفراد بالسلطة نموذج آخر لسعي الليبراليين القطريين لترسيخ مرتكزات غير ذائعة الانتشار في التراث السياسي المصري للعلاقة بين ممثلي الشعب والسلطة, بيد ان الليبيرالية المصرية وقعت في فخ اقتباس النموذج الغربي دون مراعاة لاختلاف درجة التطور الاجتماعي القطري في مصر عنها في الغرب, ولم يتواكب الاقتباس مع محاولات جادة لتأصيل نموذج ليبرالي مؤسسي محلي السمات والنزعة, ولا مبالغة في القول ان العديد من انصار الليبرالية المصرية همشوا مكونات ودور التراث والموروث الشعبيين, مستهينين بقدرتهما على افراز قيم ايجابية يمكنها ان تساهم في ترسيخ اسس حديثة لنهضة الدولة المصرية. غير ان نقطة الضعف الرئيسية لليبرالية المصرية تركزت في عدم الانتباه بل وتجاهل البعد القومي في اطروحة التحديث الليبرالي, وغياب تام للمحور القومي عند الحديث عن الاستقلال السياسي او حتى التفاعل المصري في محيطه الثقافي الذي قيمه بعض اباء الليبرالية المصرية بأنه محيط غير عربي بالاساس وينتمي الى حضارة البحر المتوسط. ورغم التغيرات التي طرأت على مفاهيم الليبراليين المصريين في تقييم اهمية البعد العربي عند الحديث عن دوائر الامن القومي المصري فانهم لم يتجاوزوا كثيرا المنظور الاقتصادي الضيق لتعظيم العائد المالي من القرار السياس فالمحيط العربي في العديد من الادبيات الليبرالية المصرية (سوق) يمكن من تفاعل مربح للخبرات والقدرات المصرية مع رأس المال العربي ولامانع كثيرا من التكنولوجيا الاسرائيلية لتحقيق معدلات ربحية اعلى ونطاق اوسع لتصريف المنتجات والسلع, اذا البعد القومي لدى الليبراليين الجدد وللأسف لدى قطاع ملحوظ من القوميين الجدد ايضا لايتجاوز حاجز المفهوم الاقتصادي الضيق لشعارات السوق ولا يهدف الى احداث نقلة نوعية في نسيج الوعي بالانتماء لدى الشعب المصري باعتبار البعد العربي جزءا حيويا واصيلا ــ وان لم يكن المكون الوحيد كما ينادي دعاة القومية العربية ــ من المكون التراثي للدولة والامة المصرية يصعب تخيل تحقيق الانسجام الذاتي الداخلي. بدونه ان المحيط العربي لمصر وان كان ذا بعد اقتصادي هام فأنه دائرة اوسع لاكتمال عناصر القوة المادية والنفسية للمصريين وهو ما يتخطى في حقيقته البعد الاقتصادي الضيق بمراحل, فالليبرالية المصرية اذا لم تر في الغالب الاعم بعدا قوميا لنضالها القطري على العكس تماما من القوميين المصريين الذي غلب عليهم الطابع القومي لحساب ماهو قطري. ويعد تأسيس جامعة الدول العربية في عهد تولي النحاس باشا رئاسة الوزراء تأكيدا على سعي الفكر الليبرالي المصري إلى ترسيخ هيكل مؤسسي لنظام اقليمي يكرس الدولة القطرية بوصفها المرتكز في التفاعل الاقليمي والاقليمي الدولي, ممايعيق فعليا تحول النموذج الوطني الى نموذج قومي عام. التيار القومي المصري نهل ايضا من معين القيم الفكرية الاوروبية, وتراكمات الفكر القومي العربي في منطقة الهلال الخصيب بيد أن القوميين المصريين فضلوا الاطاحة بالمساعي الليبرالية لحزب الوفد في ترسيخ قيم سياسية تمنح السلطة الفعلية للمجالس التشريعية المنتخبة, واعتقد القوميون ان احتكار السلطة اسرع وسيلة لحسم العديد من جدليات معضلة الاصالة والمعاصرة لصالح معتقدهم الذاتي لمدلولات فعل النهضة والتحديث. وتقلصت دوائر السلطة في ظل الناصرية من الامة المصرية كما كان يحلو لاقطاب حزب الوفد القول الى الجماهير في الخطاب الفكري للناصرية, واختزلت الجماهير لاحقا في تحالف طبقي سرعان ما اخلى موقعه لتنظيمات سياسية متعاقبة تجمعت سلطاتها وصلاحياتها في يد حفنة من اعضاء لجنتها المركزية لتتركز السلطة في نهاية المطاف في يد رجل واحد لا يدير شئون الامة بقدر ما يهمين على مصائر مواطنيها وابنائها. القوميون المصريون وعبر الزعامة الكارزماتية لعبد الناصر ونجاحه في تعبئة آلة الدولة بصورة ايجابية, نجحوا في اكتساب مئات الملايين من المواطنين المصريين سكان المنطقة العربية الى المفهوم العروبي وتبنيه الا ان اخفاق الناصرية في حسم العديد من القضايا الرئيسية التي كانت مبررا لاحتكارها قمة السلطة, واعني الوحدة العربية وتحرير فلسطين والى حد ما التوزيع العادل للثروة الوطنية, اضعف المشروعية السياسية والفكرية للتيار القومي في اعين الاجيال المصرية الشابة, بالاضافة طبعا الى غياب الحد الادنى من الحريات السياسية في تراث الحركات القومية في مصر, كل هذا دفع بالاجيال الجديدة الى طرح تساؤلات تمتد الى اوليات الفكر القومي العربي. وفي مواجهة التيار العلماني المصري بتنويعاته المختلفة برز تيار ديني تمتع دائما بقدرة عالية على المناورة السياسية والفكرية مما ضمن له الاختراق الدائم لمختلف النخب السلطوية, من جانب اخر ادى الى تبنيه السافر لخطاب ديني دعائي لم يفصل فيه بين النص الديني بوصفه خطابا مقدسا مطلقا يتجاوز حدود الزمان والمكان, والايدلوجية الدينية باعتبارها الاجتهاد البشري لتأويل النص السماوي الى توسيع نطاق الحيز الجماهيري الذي يتحرك فيه ويتفاعل معه اضف لذلك نجاح اقطاب الفكر الديني في الاستغلال التام لكافة الآليات المتاحة في الممارسات الشعائرية لتوسيع نطاق التلامس والالتحام مع المواطنين واستقطاب اعداد كبيرة منهم لاطروحاتهم الفكرية والسياسية. اقطاب النهج الديني تراثيو الاستلهام سلفيو الطابع, يدعون لاعلاء القدرية السياسية, وينادون بالتميز العقائدي في مواجهة الاخر, تاريخيا ادانوا الليبرالية القطرية وشككوا في جدوى الحريات الديمقراطية بمفاهيمها الغربية. يستنكر معظمهم العروبة منهجا قوميا ويعمدون الى ترسيخ مفهوم احادي للهوية. والهوية لدى اقطابهم تشتق من العامل الديني والموروث الشعائري, وحسب نافيين, او مهونين في افضل تقدير من عمق المشاعر الوطنية او القومية في تحديد مجمل التوجه العام للانتماء المجتمعي والسلوك الفردي. تمحورت المحاولة الاولى للتيار التقليدي السلفي في التعبير عن مشروعه الفكري بصورة دعائية متكاملة عبر مجلة (العروة الوثقى) التي اسسها الامامان جمال الديني الافغاني ومحمد عبده في باريس, ويصيب المفكر المغربي محمد عابد الجابري في اعتقاده ان العروة الوثقى يمكن اعتبارها المنهل الفكري لعدد من اقطاب التيار السلفي المحدثين بشقيه الثوري والاصلاحي فالافغاني المؤمن بـ (جنسية المسلمين في دينهم) والامام محمد عبده ـ ومن بعده رشيد رضا ــ الذي ادان الليبراليين المصريين لدفاعهم عن الحرية والديمقراطية: (ان الحكم النيابي لايفيد ولايصح لمصر ودول الشرق وامارته, بل ربما كان ضرره اكثر من نفعه ان المستبد العادل يفعل في خمسة عشر عاما مالا ينهض به النظام البرلماني في قرون) , يعدون الاباء الا وائل للتيار السلفي المعاصر باشتقاقاته المتنوعة. فشل الافغاني في الفصل بين بين السلوك السياسي للدول الغربية (بريطانيا العظمى على وجه التحديد) من جانب والقيم الفكرية لنموذج التحديث الغربي من جانب آخر, دفعه للمناداة بالثورة على الغرب سلوكا سياسيا ومضمونا فكريا عقائديا, معلنا عداءه للديمقراطية والانتخابات البرلمانية رافضا الارهاصات الاولية لدعاوى تحرير المرأة, ليرسي بذلك اللبنات الاولى للجناح المتشدد من التيار التقليدي السلفي المصري المعاصر, ولم يمض قرن على اطروحات الرفض التي روج لها الافغاني حتي خرج من عباءته منظر مصري سلفي رفيع المستوى اضفى طابعا نظريا على الارهاصات الاولى لمعلمه ليصم القرن بالجاهلية. انه الاديب والمفكر سيد قطب, الذي يمثل اكثر المحاولات النظرية (رقيا) و (ابداعا) وتكاملا في تاريخ نهج الرفض الديني الحديث, وفي الحقيقة فإن كافة كتابات انصار تيار التشدد الديني في مصر والمنطقة العربية ماهي الا تنويعات على تنظيرات سيد قطب ولم يفلح اي منها حتى الان في طرح بناء فكري متكامل على غرار مافعل سيد قطب في كتاباته المتعددة. ورثة الافغاني وسيد قطب يرفضون الغرب جملة وتفصيلا, الاصلاح الديني والسياسي والاجتماعي مدان لطابعه المتدرج, وحاجته لفترة زمنية طويلة لقطف ثماره, وقناعتهم بان مبتغى الاصلاح تخفيف وطأة الضغوط الجماهيرية على (السلطان) , والسلطان عندهم جائر رمزا للفساد والجاهلية المعاصرة. السلطة والمصلحون وان كانوا من انصار السلف مدانون وهذا ما يفسر رفض اقطاب تيار التشدد الديني في معترك النهضة المصرية فقه وفقهاء الاصلاح عامة. وربما كان أنصار هذا التيار الأعلى صوتاً والأشد قوة وبأساً في الدعوة الى نموذجهم الفكري, وبافتراض حسن النوايا ــ وتقييمها من شأن رب العباد ــ فإن السياسية ــ ونقدها من شئون العباد ــ تكشف عن عجلة في النهج والتباس في الرؤية, فقضية الدولة المصرية ومنابعها الفكرية ــ وهي مرتكز صراع الأصالة والمعاصرة لدى المصريين ــ تبدو احادية الهوية عند المتشددين من التيار السلفي, بيد أن التبسيط في التعامل مع قضية تأسيس الدولة المعاصرة واختزالها في مجموعة من الطقوس الشكلية والمناهج العقابية دون التطرق لتفاصيل الطابع المؤسسي للدولة يكشف عن حاجة القائمين على هذا التيار الى مزيد من الوقت لبلورة معالم نموذج اكثر وضوحاً لأساسيات الدولة المصرية ــ الاسلامية الحديثة, والتي لا يزال العديد من أقطاب النهج الاسلامي ذاته يعتقدون انها لن تتم ألا من خلال نضال ديمقراطي طويل الأمد يعمل على إشاعة الحرية والعقلانية في المجتمع والفرد. على الجانب الآخر يقف التلاميذ المحدثون للامام محمد عبده الذي راهن على اصلاح الأزهر الشريف باعتباره قاطرة تجذب المجتمع وأفراده في اتجاه الاصلاح العام. تلاميذ الامام واتباع منهجه ومن بينهم علماء اجلاء معاصرون يسيرون على درب معلمهم رافعين الشعار بامكانية احداث الاصلاح السياسي والديني من داخل المنظومة السياسية والفكرية الاسلامية القائمة التي يرون فيها دائماً بصيصا من الايمان ويرفضون اتهامها بالجاهلية بيد ان انصار الامام اكثر تفهما من معلمهم لصعوبة رفض الديمقراطية ومعارضة صناديق الاقتراع, ولكنهم لم يفلحوا بعد في التوصل الى اقناع التيارات الاخرى بمصداقيتهم في تبني النهج الديمقراطي لحسم الخلافات داخل المجتمع. النهج التدريجي في الترويج للاصلاح الديني باعتباره المرتكز الفكري لاقامة الدولة المصرية ــ الاسلامية المعاصرة يدفع الى اهتمام أقطاب هذا التيار بالمناحي التربوية اهتماماً أكبر, وهنا تحديداً يبرز احد التناقضات الأساسية بين أنصار الاصلاح الديني في الفكر المصري من جانب والداعين الى الثورة الاسلامية المسلحة من جانب آخر, فبينما يهدف الثوريون الى الاستيلاء على السلطة من اجل تحقيق رؤيتهم الذاتية, يسعى الاصلاحيون الى (الاستيلاء) على الفرد ــ ان جاز التعبير ــ لتنفيذ برنامجهم من اجل النهوض بالدولة. المثير في الأمر ان الثوريين الداعين الى حمل السلاح بما يتطلبه ذلك من حشد أكبر عدد ممكن من الأنصار لا يعبأون كثيراً بالفرد مركزين عملياً جل اهتمامهم على (الاستيلاء) على مؤسسات الدولة, في الوقت الذي يركز فيه الاصلاحيون جهودهم على الفرد والجانب التعليمي والتربوي رغم ان الدولة ومؤسساتها لا تزال العنصر الفاعل في تحديد المنهج التعليمي ومساره. بيد ان الخلاف لا ينفي ان وجهي العملة السلفية المصرية يطرحان منهجاً متكاملاً لما يعتقدان انه النموذج الأمثل لتحقيق النهضة الوطنية, ويهدفان الى توظيف الدين لتعبئة مختلف طوائف الأمة المصرية, من اجل النهوض والدفاع عن ذاتها, واكتساب القوة والمناعة لمواجهة (الآخر) . وقد يكون من الضروري القول هنا ان الطابع الأممي في المرتكز الفكري للتيار الديني في مصر بشقيه لم ينف عن اقطابه ايمانهم بدور مميز وفريد لمصر في تفعيل حركة المد الاسلامي العالمي, بل ان بعضهم يذهب الى الاعتقاد بعدم قدرة حركة التيار الاسلامي على تحقيق أهدافه على المستوى الدولي دون اكمال للنهضة الاسلامية في مصر وهو ما يكشف عن تصور برجماتي يعلى الشأن الوطني ويجعل منه شرطاً ضرورياً للاستنهاض العام. الماضي هو الحل! اختلاف الأصول الفكرية للتيارات الثلاثة لم يمنعهم من الالتقاء, ولكن المثير للتساؤل ان مدارس الفكر المصري التي يقع على عاتقها مسئولية التصدي لقضايا ترتبط شكلاً ومضموناً بمستقبل مصر ومشاكلها, تلتقي جميعها بلا استثناء في الماضي وعراقته اكثر من التقائها في الحاضر او المستقبل, فالأدبيات السياسية المعاصرة لمنظري التيارات الثلاثة تنسج احلامها من الماضي, فالسلفيون يستمدون الحلم من ماضٍ عريق, لدولة اسلامية امتدت من حدود الصين الى الاندلس, بيد انهم يلجأون دائماً الى التعميم, ويتفادون الولوج في التفاصيل التاريخية لتلك الدول الاسلامية التي لم تحمل في كثير من الاحيان من الاسلام غير الاسم, وغلب على العديد منها طابع قطري الملامح او قبلي السمات يصعب معه اضفاء التصورات المثالية المفرطة التي يصفيها أقطاب التيار الديني على مثل هذه الدول. ولا شك ان تعميم التاريخ يجعل من السلفيين ــ وخاصة الجناح المتشدد منهم ــ تيارا حالما في الكثير من أطروحاته الفكرية, واذ يعتقد اقطابه انهم قادرون على استنساخ الماضي شكلاً ومضموناً ليعيدوا احياءه في ثوب جديد, وهو ما اثبت التاريخ عدم جدواه واخفاقه الذريع. الليبراليون العرب يستقون الحلم من الماضي أيضاً, ولكن حلمهم يتجاوز الماضي ليرسخ نسبياً بنموذج سياسي دولي قائم يمكنهم من الادعاء بقدرتهم الفكرية على الانجاز, النظام الغربي لديهم نموذج سياسي أمثل صالح للتطبيق في النسق المصري, ويروجون لذلك من منطلق التجربة الليبرالية المحدودة لمصر (1923 ــ 1952) التي ساد خلالها نمط ديمقراطي في تسيير دفة الحكم, بيد ان الليبراليين المصريين لم يبذلوا محاولة تذكر لدراسة أساسيات تلك المرحلة او التعرف عن قرب على مسببات اخفاقها, ملقين بعبء السقوط على ما يصفونه بانقلاب 52 الذي اطاح بالتطور الليبرالي القائم. ليبراليونا لايعبأون كثيرا بمحاولة صياغة نموذج خاص مصري الملامح والسمات, فالاعتقاد دائم السيطرة على منهجيتهم الفكرية هو ان الانجاز السياسي الغربي في مجال صياغة نظم الحكم (بالمفهوم الليبرالي في ترسيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم) هو الا رقى عبر تاريخ الفكري البشري. الهزائم والاحباطات التي تعرض لها القوميون المصريون دفعت بالاجيال الشابة من اقطاب النهج القومي الى التركيز على الجوانب العملية في قضية الوحدة. فالحديث عن بعد اقتصادي يتلاءم بدرجة كبيرة مع التوزيع النسبي الجديد لمراكز الثقل الاقليمي في المنظومة العربية, واذا كان الوعي بأهمية العامل الاقتصادي في تدعيم الروابط الوحدوية قد اضفى بعدا اكثر نفعية على المقولات الوحدوية فانه قلص نسبيا من اعتبارات الهوية ــ الشغل الشاغل لمؤسسي الفكر القومي العربي ــ بوصفها مفهوما نظريا مطلقا لايرتبط بالربحية المادية المباشرة. بيد ان التناقض الفكري لهذا التيار يكمن في اشتقاقه الحلم الوحدوي وهو حلم مستقبلي بطبيعته من مشروعية العمل السياسي لزعامات عربية تاريخية. فالناصرية مرحلة تاريخية يسعى القوميون المصريون الى العودة اليها بوصفها عصرا مصريا ــ عربيا ذهبيا. كوارث (العصر الذهبي) قد تجبرهم على الانتقاد, واعادة النظر في بعض الاطروحات والسلوكيات السابقة, الا ان تعاملهم مع الحاضر ونظرتهم للمستقبل يتلبسهما حنين دائم للعودة الى الماضي وتقديس قادته الذين رحلوا عن عالمنا. الديمقراطية والعقلانية غياب وتغيب الحلم المنبثق من الماضي قاسم مشترك بين تيارات فكرية ثلاثة, تشترك في الادعاء بقدرتها على صياغة (مستقبل الامة المصرية) . وبالطبع فان منطق الاشياء يؤكد ضرورة اخذ الماضي في الاعتبار عند ارساء قواعد المستقبل. ولكن مايحدث لمنظري التيارات الثلاثة يخالف ذلك تماما, فلديهم قناعة راسخة بامكانية استنساخ الماضي وجعل المستقبل صورة مطابقة له. فالماضي مرحلة ذهبية مثلى ياليت المستقبل يأتي على شاكلتها. ولكن الطابع (الماضوي) لايعد القاسم المشترك الوحيد بين التيارات الثلاثة. فالانغماس في الماضي واتخاذه معيارا لتحديد قيم مستقبلية, يكشف عن غياب الاحساس العميق بعنصر الزمن وتوابعه الفكرية ومن ثم الانفصام بين الوعي بالذات من خلال استيعاب التجربة التاريخية الخاصة والوعي بالعصر ومستجداته الحديثة من خلال التعمق في فهم الآخر والتعرف الدقيق على تجربته الفريدة ومنهجيته المتفردة. وربما كان تسليم التيارات الثلاثة زمام امورها لقيادات (تاريخية) دليلا على المغالاة في تمجيد الماضي على حساب الحاضر وقوى المستقبل, ويطرح هذا التسليم الذي يلامس حدود الاستسلام القدري تساؤلا حول القدرة الحقيقية لهذه القيادات التاريخية على استنهاض العزم ورسم اطر المستقبل وهي ذاتها جزء من تجربة تاريخية ماضية لم تفلح بشكل او اخر في اكمال المسير! بيد ان هذه المغالاة في دور الماضي والقيادة التاريخية ينعكس ايضا على قضية اكثر تعقيدا وارتباطا باشكالية الاصالة والمعاصرة في تجربة النهضة المصرية واعني الديمقراطية واصالتها في النهج الفكري للتيارات الثلاثة. ويمكننا هنا رصد مستويين رئيسيين لعلاقة الديمقراطية بتيارات النهضة المصرية. المستوى الاول افقي يمتد ليشمل التفاعلات الديمقراطية داخل التيار الفكري الواحد, اما المستوى الثاني فمستوى رأسي يمتد ليشمل التفاعل الديمقراطي بين التيارات النهضوية وبعضها البعض, فعلى صعيد المستوى الاول نجد غيابا شبه مطلق لقيم الحوار الديمقراطي بين انصار المنهج الواحد, وتسود غالبا علاقة ابوية بين مجموعات متكتلة تتخذ من احد الشخصيات التاريخية في تيارها نجما تدور في فلكه. غياب الديمقراطية الداخلية يرتبط مباشرة بمستوى التفاعل البيني او الرأسي بين مدارس الفكر المصري الحديث, فبعيدا عن لغة الحوار ومفردات الخطاب الثقافي التي يغيب فيها كثير من الاحيان الحد الادنى من الرزانة الفكرية او الخطاب التنويري, فان السلوك المطروح يكشف في حقيقته عن تبني مفاهيم ضيقة للديمقراطية واعتبارها مطية للوصول الى السلطة وليست وسيلة للتنوير وترسيخ القيم العقلانية في المجتمع. التيار القومي ينفي احقية السلفيين والليبراليين في التمتع بحقوق ديمقراطية من منطلقات تبدأ دائما من التشكيك في الولاء الوطني لتنتهي غالبا عند حدود التخوين والعمالة.اما السلفيون فان منطلقات التكفير الديني لديهم اكثر قوة واتساقا مع رفضهم لمفهوم القومية الوطنية. اما التيار الليبرالي فإيمانه بالديمقراطية منبعه اعتقاده بانها وسيلته لتولي مهام السلطة, ولكن اذا لم تحقق الانتخابات البرلمانية طموحاته, فان الديمقراطية تفقد معناها ووظيفتها لاتيانها بغير اهلها الى سدة الحكم. غياب الديمقراطية على المستويين الداخلي والبيني في تعاملات التيارات الثلاثة مع بعضها البعض يدفع الى تحول الخطاب التنويري او الثقافي الى خطاب لغوي خال من المضمون الفكري. ومع احساس المواطن بغياب المصداقية في الدعوة الى الديمقراطية فان ايمانه واستعداده لتبني قضيتها باعتبارها البوابة التي سيلج منها الفكر المصري المعاصر الى افاق النهضة والتحديث يهتز ويتراخى, ويصبح من الصعب على منظري اشكالية الاصالة والمعاصرة ايا كانت منطلقاتهم الفكرية ايجاد تربة خصبة لتبني دعوتهم, وربما يفسر هذا مراوحة الشعب المصري لقرابة قرنين من الزمان في حلقة مفرغة من الدوران حول الذات وعدم القدرة على كسر الطوق وترسيخ قيم اكثر ديمقراطية وعقلانية في صراعه مع الذات ومع الآخر. العقلانية الفكرية تتطلب درجة عالية من الانفصال عن التفكير الارتباطي القائم على استجابة الفرد مباشرة لبيئته بشكل تلقائي, وتنبع الاستجابة التلقائية من منهج تفكير يفتقد الى حد كبير القدرة على الفصل بين ماهو ذاتي وماهو موضوعي, ويعتمد المنهج الارتباطي على تداعي الافكار بصورة غير منظمة واندفاعية, ومن الملاحظ ان هذا النهج تتركز سطوته في المجتمعات ذات التداخل الاجتماعي الشديد والسلطة الابوية والاميل الى نمط اقتصادي ــ اجتماعي مستقر ومحدد. على العكس من ذلك يتميز المنهج التجريدي, بدرجة اعلى من القدرة على الفصل بين الموضوعي والذاتي والاعتماد على الاستخلاص الاحصائي دون الارتكاز على قيم مسبقة في تقرير صحة القرار. ولاشك ان المنهج التجريدي ارتبط تاريخيا بالبحث العلمي الحديث. ولكن عند رصد موقع العقلانية في الخطاب الثقافي للنخبة المصرية فلاشك اننا امام مزيج مركب من المنهجين وعدد من التوليفات المتباينة في تبنيها للنهج العلمي العقلاني عند تناول قضية الاصالة والمعاصرة من منظور النهضة المصرية, وربما كان سلامة موسى ودعوته الى الاقتباس المطلق للتكنولوجيا الغربية اكثر النماذج وضوحا في الدعوة الى العقلانية الفكرية وان ادت الى تقليص وتهميش التراث والموروث على حد سواء. بيد ان العقلانية في مدارس النهضة المصرية ظلت شعارا مرفوعا تنتابه درجة عالية من الضبابية ويحيط به العديد من الغيوم التي حجبت معالمه, وربما كانت المشكلة الكبرى في تاريخ النهضة المصرية افتقادها لاسلوب علمي عقلاني عند تعاملها مع مفهوم العقلانية ذاته. فقضية العقلانية تم تداولها في المفردات الفكرية المصرية باعتبارها قضية سياسية وليست ثقافية اجتماعية بالدرجة الاولى. وبحكم المنطق السياسي واحتياجاته الآنية والسريعة لم يتم التركيز على النهج العقلاني في التفكير الوطني العام, ولم يتحول من مفهوم نظري مطلق الى شعار مؤسسي ملموس في الواقع المعاش, بل ان العقلانية الفكرية وحتى السياسية ظلت لفترات طويلة مفهوما مطاردا من السلطة التي بادلته عداء أكثر من عدائها للقيم الديمقراطية, ولم تستطع تيارات الفكر المصري الفصل بين رؤيتها الذاتية والتقييم الموضوعي للحدث وتطوره. في الوقت الذي افتقدت فيه السلطة في الكثير من الأحيان الحد الأدنى من العقلانية في التعامل مع خصومها. وأضحى تأرجحها بين حدين دليلا على فقدان الديمقراطية والعقلانية في آن واحد. وقد انخرطت مجموعة كبيرة من المثقفين الذين رفعوا شعارات النهضة والتحديث في ايجاد المبرر النظري للسلطة السياسية في ممارستها غير العقلانية, مما رسخ المحاولات المبذولة لحصر قضية العقلانية في بعدها السياسي واستبعادها في المحور الثقافي ـ الاجتماعي الذي يعد المحور الأساس عند تناول هذه القضية وترسيخها في الفكر المصري. وأدى هذا إلى تراجع ملحوظ في اهتمام الجماهير المصرية بالدعوة إلى العقلانية باعتبارها صراعا سياسيا نخبوي الطابع, وسيادة منهجية قدرية سلبية في التعامل مع الأحداث, ومن ثم اخفاق حركة النهضة المصرية في واحد من صراعاتها الرئيسية في التصدي لاشكالية الأصالة والمعاصرة. وقد تم الخلط في الكثير من الأحيان بين مفهومي العقلانية والعلمية في لغة الخطاب الثقافي المصري, كما ان السلطة وخاصة في الحقبة الناصرية لم تتوان في ترسيخ مؤسسات علمية في المجتمع على أمل ان تساهم تلك المؤسسات في اخراج كوادر فنية دون ان تكون حثيثة في دعم المنهجية العقلانية في النمط الحياتي باعتبار العقلانية سلوكا منهجيا مطلقا يعمل على الفصل بين الذاتي باحتياجاته والموضوعي بمتطلباته. الخبز والحرية الاستئصال المتواصل الذي مارسته ثورة 23 يوليو ضد مناوئيها من التيارات الفكرية المخالفة لها وتحديدا التيار السلفي والليبرالي القطري, ولد مجموعة من النتائج المتناقضة فيما يتعلق باشكالية الأصالة والمعاصرة في المعترك الفكري المصري. فالقضاء على مناخ الحريات السياسية تواكب مع عملية اصلاح اجتماعي كان المستفيد الأساسي منها أبناء الطبقة المتوسطة, ورسخ ذلك من تنامي الحركة القومية فكريا وتنظيميا في السياسة المصرية والعربية, إلا ان التيار القومي الذي شهد خلال الخمسينيات والستينيات ذروة مده التاريخي تعرض للعديد من عوامل الجزر الداخلية والخارجية ربما كان أهمها هزيمة مصر الناصرية في يونيو 1967, وأدت مستتبعات الهزيمة والمسار الاقتصادي الذي تبنته مصر في السبعينيات والصلح المنفرد في بادىء الأمر مع اسرائيل إلى تقلص ايمان أبناء الطبقة المتوسطة بالقيم التقليدية للفكر القومي المصري. واعتقد ان تراجع الناصرية وما تلاها من اخفاقات لأنظمة قومية مجاورة حسم واحدة من اعقد جدليات النهضة المصرية واعني العلاقة بين العدل الاجتماعي والحرية السياسية, فمقايضة التنمية الاقتصادية بالحرية وحقوق الانسان لم يعد مقبولا مرة أخرى, وأضحت الأدبيات الكلاسيكية للمفكرين القوميين واليساريين المصريين بشأن التناقض القائم بين العدل الاجتماعي والحرية السياسية بمفهومها الليبرالي من مخلفات ماض يأمل الكثيرون ألا يعاد إحياؤه من جديد. وربما كان أبرز التحديات التي تواجه مشروع النهضة المصرية في مرحلته الراهنة هو ابداع مفاهيم فاعلة تؤلف بشكل خلاق بين تحقيق العدالة الاجتماعية في اطار ديمقراطي يحترم الفرد و حريته دون تجاوز للمجتمع وحقوقه. ان مخاطر الفشل في التوصل إلى تلك الابداعات سيدفع بالأجيال الشابة إلى الارتماء في أحضان تيار واسع من اللامبالاة الوطنية والفكرية وتبني أفكار غامضة تعارض العصر جملة وتفصيلا. بيد ان الحسم الذي بدا واضحا في العلاقة بين الديمقراطية السياسية والاجتماعية لدى النخبة المصرية مازال غائبا في قضية لا تقل خطورة عن سابقتها, وأعني العلاقة بين الديمقراطية والوحدة العربية, وإذا كان التباين الواسع في موقف الصفوة المصرية في حرب الخليج الثانية يكشف عن عدم قدرة الفكر المصري المعاصر على حسم تلك القضية بعد, فإن الأمر مرجعه عجز التيار الليبرالي عن تحقيق تقدم كبير في معترك الصراع الفكري بين التيارات الثلاثة التي تتنازع الساحة السياسية, فالمؤسسات التي نجح الفكر الليبرالي (تعدد الأحزاب, حرية اصدار الصحف, حق انشاء الجمعيات والمنظمات) في ارسائها قبل وصول القوميين إلى مراكز صنع القرار تم تهميشها وتقييدها, وأدى هذا إلى فترة انقطاع طويلة من ممارسة التيار الليبرالي لعملية تبشير فكري في الشارع المصري, ومن ثم غياب كوادر فعلية له يمكنها في فترة استئناف النشاط الديمقراطي المنافسة وطرح أفكارها على المواطنين, ومع غياب تيار ليبرالي مصري عريض لم يكن أمام المواطن خيار آخر سوى الاستمرار في تبني مفاهيم أنظمة قومية تعثرت مسيرتها التاريخية, أو اطروحات تقليدية تدعو لتمرد حالم في مواجهة مشاكل الحياة اليومية, أو تبني موقف حيادي عسى ان تنقشع الغمامة وتتضح معالم الساحة السياسية. ان مكمن الخطورة على مشروع النهضة المصرية لا يقف فقط عند حدود عمق الخلافات السائدة بين مختلف التيارات الفكرية أو السياسية في مصر, وغياب قواسم رئيسية مشتركة حول رؤيتها لاستراتيجية النهضة أو المنابع الفكرية التي ستصاغ على أساسها النهضة ذاتها. ان مكمن الخطر يعود إلى غياب رؤية استراتيجية مستقبلية واضحة المعالم والتفاصيل لدى التيارات السياسية المتصارعة ومنظريها كافة, فالمتابع لجل الأدبيات الفكرية الصادرة عن أنصار التيارات الثلاثة يرى مساهمات فردية رفيعة المستوى هنا وهناك, إلا انها ذات طابع جزئي يغلب عليها الجانب النقدي دون ان تطرح رؤية شاملة واضحة المعالم للمستقبل. ان لحظات الاشراق في تاريخ الأمة المصرية سبقتها دائما مساع محمومة للاجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية.. ماذا نريد؟ ولماذا نريد؟ وكيف نحقق ما نريد؟ الاجابة عن تلك الأسئلة الثلاثة عملية عسيرة المنال, تتطلب جهدا وطنيا مؤسسيا وأكاديميا يصحبه مزيج من الخيال الفردي الخصب يفهم حدود الواقع وامكانياته, دون ان تحبطه قيود الواقعية أو تجذبه للمجهول أحلام غيبية, ارادة التغيير الممزوجة بفهم دقيق للواقع عامل جوهري في اقناع السواد الأعظم من أبناء الأمة المصرية بامكانية تحقيق الرؤية المستقبلية. وإذا كان الدرس الأول في التاريخ الإنساني والمصري ان حجر الزاوية لنهوض أمة من الأمم يتطلب رؤية شاملة تستشرف بها ملامح الغد وتتعرف بها على كيفية تحديد هدفها وسبل تحقيقه, فإن الصفوة المصرية اليوم في أمس الحاجة إلى اعادة قراءة أبجديات تاريخ النضهة الانسانية والمصرية عبر العصور والأزمنة, عسى ان تجد فيها ما يشفي غليلها في الاجابة عن أسئلة كثيرا ما تثير شجونها وتؤرق مضاجعها. * كاتب مصري